من الملاحظ تماماً أن الوضع في العراق، في أيامنا هذه، يشهد أكثر من حرب تدور رحاها على الأرض، فهنالك حرب التحالف الأميركي - البريطاني ضد مجموعات المقاومة المسلحة العراقية، حيث تقود هذه الحرب القوات الأميركية، على وجه الخصوص، المدعومة من طرف بعض فرق الجيش العراقي الجديد والشرطة العراقية، وهناك ما يمكن تسميته الحرب المذهبية غير معلنة التي تشهدها بغداد ومناطق أخرى من الأراضي العراقية، وتقودها "فرق الموت" ومختلف الجماعات الإرهابية الأخرى، ويدخل ضمنها عمليات القتل اليومي المنظمة والعشوائية، التي تخلف العديد من الجثث المعروفة والمجهولة الهوية، وعمليات التطهير الطائفي والتهجير الجماعي القسري وعمليات الخطف والتصفية وملاحقة الكوادر العلمية والتقنية والمهنية.

  ويمكن القول أن إدارة الاحتلال الأميركي أردت أن تكون الحرب الثانية ترجمة عملية للحرب الأولى، فجعلتها أكثر دموية، وأشعلتها بعد أن باتت تواجه عمليات مقاومة منظمة ومدروسة، فكان عليها البحث في إيجاد وسائل أخرى تبعد الأنظار عن الحرب ضد المقاومة، وتمنع عموم العراقيين من الالتفاف حولها. وبدأ العالم يسمع أسماء مجهولة الهوية والعنوان بالتزامن من عمليات إرهابية من تفجير وتفخيخ ونسف وقتل عشوائي، طاولت والأحياء الشعبية والمراكز الدينية، ولم تستثني الأطفال ولا النساء أو الشيوخ.

   وقد بدأت الفوضى تتفشى شيئاً فشيئاً، بالتزامن مع الصدى الذي أخذت تحدثه "نظرية الفوضى الخلاقة"، وازداد خوف الناس وهلعهم من موجة الثأر والانتقام التي اجتاحت مناطق واسعة من أرض العراق، واتسعت عمليات الرد على القتل بالقتل في مختلف المناطق والمدن والأحياء، وشهد العراق موجات نزوح جماعي واسعة، إذ وصل عدد الهاربين من الموت في العراق إلى سورية وحدها ما يزيد على المليون ونصف المليون.

  ويبدو أن تحالفاً سياسياً وعسكرياً قد عقد ما بين أمراء وقادة هاتين الحربين، إذ هناك أكثر من دليل على المستويين السياسي والميداني يربط ما بين القوات الأميركية والميليشيات وفرق الجيش العراقي والشرطة العراقية التابعة للحكومة العراقية. ومع ذلك يريد الرئيس الأميركي جورج بوش إقحام العرب في الوحل العراقي، ويطالب بدور تتطلع به الدول العربية للوقوف في وجه النفوذ الإيراني، أي يريد أن يوسع ويشرعن فتنة طائفية كبرى، وأن يجعل من إيران بلداً عدواً للعرب، بصرف النظر عما يُقال عن الدور الإيراني في العراق.

    والسؤال الذي يطرح في هذا السياق هو: ما الدور الذي ستطلع به قوات الدول العربية في العراق؟ هل هو مؤازرة قوات الاحتلال الأميركي ضد الشعب العراقي أم تحجيم النفوذ الإيراني؟ وكيف؟

  يبدو أن الدور الوحيد هو الوقوف بوجه النفوذ الإيراني، أي الدخول في الحرب الثانية، الحرب المذهبية، وجعلها حرباً مفتوحة، وبما ينقل الفشل من الطرف الأميركي إلى الطرف العربي، ويؤمن بالتالي خروج الولايات المتحدة من ورطتها في العراق.

   والأخطر من ذلك كله هو أن يفكر الرئيس جورج دبليو بوش بالورقة الطائفية، ويدعم ذلك ما يذهب إليه العديد من المهتمين بالشأن العراقي في أن الفتنة المذهبية باتت ورقة سياسية، تتعامل بها الإدارة الأميركية مع دول المشرق العربي أو ما يسمى منطقة "الشرق الأوسط"، بالرغم من نفي الرئيس جورج دبليو بوش علمه بوجود مثل هذه الورقة السياسية، وبالرغم كذلك من تصريحاته الأخيرة الزاعمة بأن إدارته ما تزال تتمسك بوحدة العراق و"سيادته" و"استقلاله" وبحكومة وطنية تمثل كل الأطياف والأطراف والطوائف. لأن مثل هذا الكلام يتنافى مع واقع الحال العراقي، ومع ممارسات الاحتلال الأميركي الهادفة إلى تفكيك الدولة العراقية، وتقويض الكيان الدولتي عبر تصفية القوى السياسية الحية، وتصفية الكوادر العلمية والتقنية والمهنية، إذ في كل يوم يتم تصفية وقتل الشخصيات العراقية: أكاديميين وأساتذة جامعات وأطباء وطيارين على مرأى الاحتلال الأميركي، بل وموافقته. وإذا أضفنا إلى كل ذلك ما أصاب العراق منذ الغزو الأميركي من دمار وخراب ندرك جيداً وجود نهج مدروس، يهدف إلى تقويض العراق واستغلال الاختلاف الموجود لزرع الفتنة والانقسام.

  غير أن الفتنة التي يراد لها اليوم أن تتسع، تشمل أبعاداً ومستويات عديدة، ولها ساحات واتجاهات متنوعة. وقد عزف الاحتلال الأميركي في العراق على وتر إعادة اكتشاف التركيبة الطائفية والمذهبية والعرقية والأقوامية والعشائرية فيه، ليبني عليها منهجية سياسية، جرى اعتمادها خلال سنوات الاحتلال الأربعة. ثم نشر فكرة "المحاصصة" وتوزيع الحصص والنسب على المتعاونين معه من العراقيين، وتردد كلام كثير عن استيراد "الصيغة اللبنانية"، بوصفها الوسيلة الواقعية، الناجعة والمرنة لحل معضلة التمييز بين المذاهب والطوائف. ولم يكتفي بكل هذا بل جاء بقوانين لا تشجع على الوحدة ودستور تقسيمي طائفي، لا ينص على السيادة، في ظروف كانت إدارة الاحتلال تعمل خلالها على دفع مختلف الأطراف إلى التمسك بالاحتلال لصيانة البلاد من أعمال القتل اليومية التي تمارسها شبكات مجهولة الاسم والعنوان و"فرق موت" وظيفتها القتل والإسهام في الفرز والمذهبي وإجبار الناس على ترك أماكن سكناهم وعيشهم المشترك، والنزوح إلى مناطق أخرى أو الهجرة إلى خارج البلاد.

     لا يمكن تصديق ادعاء الإدارة الأميركية بالبراءة والنزاهة ورفعة الأخلاق، لأن العديد من تقارير مراكز الأبحاث والدراسات الأميركية تكذب كل ذلك، فقد عملت عصابة "المحافظين الجدد" بعد احتلال العراق على خلق تحالف أميركي مع المتعاونين مع الاحتلال، بسمة طائفية، واعتبرته وسيلة تكتيكية، تنم عن إحدى لفتاتها الذكية ذات المنظور الميكيافيلي. واعتقدت أنه ما أن تتمكن قوات الاحتلال الأميركية من القضاء نهائياً على المقاومة العراقية وفلول النظام السابق، فإنها ستنقلب على حلفائها من الطوائف الأخرى للخلاص منها.

   إنه لمن المؤسف امتداد الاحتقان الطائفي الذي وصل إلى حدّ الصراع في أكثر من بلد عربي، وهو مرشح، حسب العديد من المهتمين بالمنطقة العربية، لأن يمتد ويتسع إلى ما اسماه هوبز: حرب الكل ضد الكل، لأن الوضع الخطير في العراق له امتدادات وتداخلات في العديد من دول الجوار.