كأن الأستاذ عيداروس القصير كان يقرأ المستقبل القريب، وإذا بالاحتمال والتحذير يصير واقعاً آنياً يتعين مواجهته . ففي مقاله المعنون " الطائفية " الخطر الرئيسي علي النضال الوطني العربي والإقليمي المؤرخ 22/1/2007 حذر من عمليات تفكيك روابط المواطنة والجماعة الوطنية في الدول العربية ومنها مصر، كمقدمة لتمرير وتنفيذ المشروعات الاستعمارية المعدة للمنطقة من قبل الإمبريالية العالمية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والتي تستهدف إعادة تقسيم دول المنطقة عن طريق بعث النزاعات الطائفية والعرقية والجهوية ، وخلق دويلات " كيانات" هشة ، تكون أكثر ملائمة للانصياع لمتطلبات السيطرة الإمبريالية والصهيونية.
فقد نشرت مجلة روز اليوسف في 3/2/2007 مقالاً لرئيس تحريرها ، يكشف عن تقريرلـ " المجموعة الدولية للأزمات " ، وهي - كما يُعرفها - منظمة دولية في أوروبا تعتبر واحدة من بيوت التفكير المعروفة ومقرها بروكسل ، عنوانه لافت للغاية هو " سؤال سيناء في مصر". وفي نهاية التوصيات التي توجه بها التقرير إلى أطراف مختلفة يتوجه إلى " الشركاء الدوليين في مصر " بما يلي نصه : " وضع ملف سيناء في الاعتبار لأنه قد يهدد أمن واستقرار مصر. ويجب أن تعمل السلطات علي تمويل وتنفيذ مشروعات وخطط للمنطقة". ويضيف المقال أن التقرير تناول سيناء باعتبارها " منطقة تكاد تكون منعزلة عن مصر". ورغم أن التقرير يوجه توصياته إلى الحكومة المعنية بموضوع التقرير مثل مصر في حالتنا ، إلا أن الهدف الرئيسي للمجموعة هو ذلك المتمثل في التوجه إلى الأطراف الأوربية والأمريكية.
ينتقد التقرير تناول الحكومة المصرية للعمليات الإرهابية التي تمت في طابا ثم العريش خلال الثلاث سنوات الماضية، ويصف تحليلات السلطة لها من حيث بيان أسبابها بأنها كانت سطحية ، ويورد " أن المناقشات العامة التي أثيرت حول الموضوع سطحية للغاية، حيث تجاهلوا البعد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمشكلة" ، ويتابع " إن ظهور الحركات الإرهابية ناتج عن حالات التوتر والصراع التي تعاني منها سيناء، وفوق كل ذلك علاقتها بالدولة المصرية ككيان..." . ويتساءل الصحفي هل عبارة " علاقة سيناء بالدولة المصرية ككيان" لها علاقة بما يتردد من أفكار في إسرائيل وغيرها تطالب بوضع خاص لسيناء؟ أو حل مشكلة ضيق المساحات علي الفلسطينيين باستيعابهم في سيناء أو ضمها إلى غزة أو ضم غزة إليها؟".
ومن خلال تعبيرات التقرير ومفرداته المتناثرة الملغومة يتم الحديث عن سكان سيناء وأصولهم الاجتماعية ومواصفاتهم الأنثروبولوجية والتأكيد علي أن بينهم عناصر من أصول فلسطينية، وأن البدو ليسوا وثيقي الصلة بالمجتمع المصري، حيث يقول التقرير " تختلف الكثافة السكانية في هذه المنطقة ،والتي تقدر بنحو 360 ألف مواطن منها 300 ألف في الشمال و60 ألف في الجنوب عن أية منطقة مصرية أخري، وقلة قليلة من هذه الفئة فلسطينية الأصل، ويطلق علي الباقي مصطلح " البدو" . والعناصر الفلسطينية الأصل في سيناء واعية تماماًَ لهويتها وجذورها الفلسطينية الممتدة لغزة والضفة الغربية، أما البدو الذين ما زالوا يتخذون من الخيام مسكناً لهم ، فيتمتعون بهوية مختلفة للغاية ( لم يحددها التقرير). فهم يدركون جيداً أصولهم التاريخية في المنطقة العربية وتاريخ قبائلهم ،والتي يمتد بعض منها إلى إسرائيل وفلسطين والأردن، ولا يرتبط البدو والفلسطينيون ( أي كل سكان سيناء) بالحضارة الفرعونية التي يرتبط بهذا الأقباط والمسلمون علي ضفاف النيل ". ثم يقول التقرير المخيف " تعد سيناء بلداً شبه منعزل منذ أمد طويل هويتها المصرية مختلفة تماماً عن الهوية المصرية التي نعرفهاً".
ويثير هذا التقرير مخاوف ومخاطر حقيقة علي وحدة التراب الوطني يتطلب في المقابل مواجهة حاسمة علي التفصيل الآتي :-
1- تبدأ الأطماع الاستعمارية بتقرير بسيط علي غرار هذا التقرير ، تتعامل معه الحكومات الرخوة التابعة باستخفاف واستكبار ،وتصفه عادة بأنه " تخاريف " ، لكن هذه التخاريف تكبر بالتداول والتناول ، حتى تصير في زمان معلوم ـ وبحسابات تشمل ظروف وتوازنات قوي المجتمع المعني وقوي المنطقة وتناقضاتها وصراعاتها - أمراً قابلاً للتنفيذ . ألم يكن قيام إسرائيل بداية خطاب وجهه وزير خارجية بريطانيا لرئيس المؤتمر الصهيوني الذي أشتهر بعد ذلك باسم وعد بلفور عام 1917 حتى قامت عام 1948؟
2- سيناء جزء أصيل من الوطن المصري منذ الفراعنة . هذه حقيقة . لكن ، كان التعامل معها من قبل حكوماتنا تعامل الأعلى للأدنى، وتم عزلها عن الوادي بمقولة إنها منطقة عسكرية حتى أن دخولها من قبل المدنيين كان بتصاريح أمنية قبل عـام 1967 وكان أبناء سيناء معفين ( ممنوعين ) من التجنيد ، ولا يقبلون بالكليات العسكرية تشكيكاً في وطنيتهم ، وبعد عودة سيناء للسيادة المصرية المنقوصة عام 1982 تحت مسمي ( تحرير سيناء) فأنه لم تجر تنمية حقيقية لها- زراعية وصناعية أساسا – وأقتصر الأمر علي تعيين محافظاً لشمال سيناء وأخر لجنوبها ، وبناء بعض المدارس التي لا تعلم وبعض الوحدات الصحية التي لا تعالج ، وإقامة مباني إدارية ومساكن للموظفين الإداريين الذي جاءوا من محافظات الدلتا والصعيد . وصاحب ذلك انتشار مكثف لكافة الأجهزة الأمنية ( مخابرات عامة – مخابرات عسكرية – مباحث أمن دولة ....) وشغلت المنصب الإدارية العليا من غير أبناء الإقليم في أغلبها ، حتى بات الأمر لأبنائها كأنه " غزو" أخر.
3- فرضت معاهدة السلام سنة 1979 واتفاقيات كامب ديفيد سنة 1978 قيوداً علي حجم ونوع التسليح المصري وأعداد المسلحين ونوعياتهم (جيش – شرطة ) المتواجدين بسيناء، الآمر الذي أشعر سكانها بضعف السيادة الوطنية علي أرضها ، بل أنه في جنوب سيناء وبعد كسب قضية " مصرية طابا" فإن هذه المنطقة تعيش في "جو " إسرائيلي بالكامل، ودخول وخروج الإسرائيليين إليها ومنها يظهر وكأنهم يدخلون أو يخرجون من أراضي" إسرائيل"، بل أن العملة المتداولة هناك غالباً هي الشيكل. ولعلنا نتذكر مشاهد الإسرائيليين وسيارات إسعافهم وكوادرهم الأمنية وهي تدخل وتخرج من طابا عند وقوع التفجيرات الشهيرة حماية لأبنائها وذلك قبل تدخل الأجهزة المصرية . وقد كان ذلك محل تعليق الصحافة المصرية في حينها ، والسلطة المصرية تغض النظر ثم تتبجح بان أحداً لا يستطيع أن يفرض عليها شروطاً لا تقبلها.
4- كل ما قيل عن ترعة السلام لاستصلاح وري وزراعة أكثر من مليون فدان من بئر العبد حتى وسط سيناء ، وتمليك الأراضي لأبناء سيناء وتهجير آلاف الخرجين والفلاحين من الوادي لاستصلاح وزراعة الأراضي ، كان دخاناً في الهواء . فالمنطقة شمالاً وجنوباً لم يمسها التقدم اجتماعياً واقتصادياً ، ولم يندمج شعبها اندماجاً تاماً بوطنهم ، ويشعر بالعزلة والاغتراب . ما هي إلا بعض قري سياحية وفنادق وملاهي استفاد من بعضها الأغنياء من رؤساء القبائل إلى جانب رأسماليي الوادي ، حتى أن عددا من منظمي الرحلات السياحية من المصريين بالتعاون بالطبع مع شركاء أوربيين وغيرهم كانوا يسوقون البرامج السياحية في سيناء في غصون أحداث الإرهاب في وادي النيل علي إنها منطقة أخري مستقلة . فلم يكن أي منهم يقول أن سيناء في مصر، بل يتعمد استنادا إلى جهل السائح بأن يوحي بأنها مختلفة حتى لا تتأثر المبيعات بأحداث الإرهاب في الأقصر والصعيد . ومن عجب أن هذه الفكرة "الفهلوية" مازالت تطبق بصورة أو بأخرى ، بحيث يمكن أن نلاحظ أن عددا كبيراً من البرامج السياحية التي تنظم في جنوب سيناء تمتد إلى مناطق أخري في الوادي غالباً (مقال روزاليوسف المشار إليه).
5- لف الركود السياسي سيناء كما لف باقي الوطن العربي ، وما كان شعب سيناء الذي ذاق مرارات حروب مصر الحديثة كلها ( 48 ، 67 ، 1973) يستحق إلا أن نفتح له الأبواب والنوافذ السياسية يشارك في صياغة وطنه ومجتمعه ، ويدافع عن خياراته ويعبر عن مكنوناته ، ويفرز قيادته التي تدافع عن مصالحه ومتطلباته . لكن كيف يحدث ذلك في جزء من الوطن ،والوطن كله مسلوب الحق في الحرية والعدالة؟ فالحركة السياسية مصادرة لصالح الطغمة المستبدة الحاكمة فقط ، ناهيك عن معاناة شعب سيناء من عبء تواجد الأجهزة الأمنية المتعددة والقهر الذي تمارسه بالفعل أو بالإمكانية بالإضافة إلى تواجد القوات الدولية - الأمريكية أساساً - التي تراقب تنفيذ مصر للقيود التي فرضتها معاهدة" السلام" المصرية الإسرائيلية.
وهكذا قدر لشعب سيناء أن يلمس ويعيش واقع هزال الاستقلال والتحرير المزعوم، وأن يتنفس يومياً كذب ادعاءات السلطة وغرورها المفضوح.
6- في هذه الظروف الموضوعية وهذا "الجو" ، قد يتساءل بعض سكان سيناء عن هوياتهم الأولى ، أو يرتدوا إلى أصولهم العرقية في الماضي السحيق،إذا نفخ فيها نافخ ، فهم لم يندمجوا مع شعبهم بعد تمام الاندماج . إنهم علي هامش الوطن والمواطنة . ذلك أن "المواطنة" ليست شعاراً ولا خطباً رنانة يتغني بها الحكام، أو تتحدث عنها "الدساتير" ، لكنها وطن يحتضن أبناءه جميعاً ويضعهم علي قدم المساواة بلا تفرقة بحسب الأصل أو الطبقة أو المنطقة ويشملهم برعايته بل إنه قد بضاعف العطاء لبعض مناطق الوطن التي تعرضت للظلم التاريخي، أو التي تحملت أعباء لم تتحملها مناطق أخري بسبب الحروب أو الأوبئة أو الكوارث . وسيناء كانت أولي بالرعاية الفائقة والدائمة والصادقة ، لكن ذلك لم يحدث.
7- مصر في أضعف حالاتها، بسبب خضوع الحلف الطبقي الحاكم للإملاءات الأمريكية الصهيونية وإحتساب نفسه حليفاً لهما، بالمخالفة للمصالح العليا لاستقلال البلاد وتطورها وتحررها من التبعية والقهر وبالتناقض مع مصالح الغالبية العظمي من الشعب . وفي هذه الظروف ،فإن تقريراً كهذا يمكن أن تتغاضي عنه السلطة المفرطة في استغلال الوطن حتي يتحول إلى حقيقة ، بأن تتبنى الإمبريالية العالمية الأمريكية الأوروبية وإسرائيل مشروعاً لاجتزاء سيناء من الوطن العربي تحت دعاوى لن تجد صعوبة في اختلاقها وتحريرها.
لكننا نعتقد أن القوي السياسية المصرية الوطنية الديمقراطية والاشتراكية لا يمكن أن تتجاهل هذا الخطر البادي وعليه فإننا نضع أمامها هذه المقترحات:
أ - دعوة أحزاب المعارضة والتيارات والقوي السياسية المختلفة إلى تدارس التقرير وعقد الندوات بشأنه والي استنكار ما تضمنه ، ورفضه رفضاً حاسماً تحت شعار " سيناء مصرية" ، و " سيناء أولي بالتنمية العاجلة".
ب- مطالبة الحكومة بالرد علي التقرير ورفضه والاحتجاج عليه.
جـ- الضغط من أجل إعادة النظر في القيود المفروضة علي السيادة الوطنية المصرية في سيناء الناتجة عن تنفيذها معاهدة" السلام" واتفاقيات كامب ديفيد بما يحرر أرض الوطن والإرادة السياسية من الإملاءات الأمريكية الإسرائيلية.
د - من أجل العمل علي دمج أبناء سيناء شمالاً وجنوباً ووسطاً بالوطن ، ندعو إلى وضع خطة لا تتعدى خمس سنوات لتطوير سيناء اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، تعتمد أول ما تعتمد علي أبناء المنطقة ، وتنفيذ مشروعات أعمارها بالسكان وزراعة أراضيها ، علي أن يراقب تنفيذ الخطة وتقييمها ونقدها- وتعديلها إذا تطلب الأمر- من أبناء سيناء ومن كافة القوي السياسية.
هـ- دعوة الحكومة إلى حل مشكلات المناطق المماثلة لسيناء وتنميتها تنمية حقيقية اقتصادية واجتماعية وثقافية ، مثل منطقة النوبة وحلايب وشلاتين ، والبحر الأحمر وسيوة . ودمج أبناءها في محيط الوطن وإنهاء تهميشها.
أحمد عبدالحليم حسين
عضو اللجنة المصرية لمناهضة الاستعمار والصهيونية


