ما زالت تتواصل أخبار السوريين المقيمين في العراق حاملة معها، تفاصيل مأساة يعيش هؤلاء في ظلها منذ اندلاع الحرب على العراق في العام 2003، وبين التفاصيل التي تكشف مأساة السوريين في العراق اغتيال الشابين التؤام زيد وزيدون التركاوي البالغين السابعة عشرة من العمر اثناء توجههما الى المدرسة، وهي عملية سبقت خطف وقتل اللواء الطيار المتقاعد احمد الترمانيني مع سبعة من زملائه، وبعدها جاءت عملية إحراق خمس عشرة شقة يقطنها سوريون بشارع حيفا بوسط بغداد.

ويعود السوريون في العراق الى ثلاث مجموعات، الاولى مجموعة مؤلفة ممن ذهبوا في ظروف عادية للحياة في العراق بسبب روابط قربى مع عراقيين او بسبب العمل او للدراسة وبقوا مقيمين هناك، والثانية، هي مجموعة سياسية، ذهبت الى العراق لتجد فيه ملاذاً آمناً في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ويتوزع هؤلاء على الجماعات السياسية السورية المعارضة للنظام ولا سيما اعضاء حزب البعث المعروفين باسم "بعث العراق" وجماعة الاخوان المسلمين واعضاء من جماعات اخرى، وثالث مجموعات السوريين في العراق، هي مجموعة المتطوعين الذين ذهبوا الى العراق عشية وفي بداية الحرب على العراق عام 2003، واغلب هؤلاء ذهبوا بصورة علنية وسط سكوت رسمي سوري، وقد عاد بعضهم الى سوريا في اوقات لاحقة ليواجه الاعتقال، لكن من تبقى منهم هناك، كان عليه ان يواجه واحداً من مصائر ثلاثة، هي القتل او الاعتقال او الاكراه على اللجوء الى كنف الجماعات العراقية المسلحة بعد أن اعلنت السلطات السورية إغلاق الحدود مع العراق في اعقاب سقوط النظام السابق في بغداد.

لقد غيرت التطورات السياسية التي أحاطت بالعراق بعد احتلاله مصائر السوريين المقيمين في هذا البلد، فحولت حياتهم الى جحيم على نحو ما فعلت بالفلسطينيين ومعظم العرب الآخرين المقيمين في العراق، واستند هذا التحول الى فكرة أشاعتها أوساط عراقية بعضها موجود داخل السلطة العراقية القائمة، وهي ربط وجود المقيمين من السوريين في العراق بالنظام السابق، ووجود علاقة لهم به، وقد زادت بعض الاوساط العراقية الى ما سبق، أن ربطت بين هؤلاء وما يسمى بـ"الارهاب" وما تقوم الجماعات المسلحة من عمليات قتل دموي في العراق، ولم يكن الامر في كل الاحوال، معزولاً عن أمرين اثنين، اولهما رغبة بعض الاوساط بالاستيلاء على ممتلكات السوريين، والثاني تقطيع أواصر العلاقات بين العراق ومحيطه العربي، كي لا يؤثر الاخير على التطورات الجارية في العراق، ولا سيما تلك التي تدفعه باتجاه التقسيم.

وبطبيعة الحال، فقد جاءت جملة الممارسات ضد السوريين في العراق لخدمة هذين الهدفين، وسط حالة من التردي والتدهور العام في الحياة العراقية نتيجة تردي الأجواء الأمنية من جهة وتفشي ظاهرة البطالة من جهة أخرى مع تزايد الفقر والعوز، فانقلبت حياة السوريين إلى جحيم، لا سيما في ظل الأذيات التي مارستها اطراف مختلفة بينها قوات الاحتلال والقوات الامنية العراقية والجماعات المسلحة، وقد أدت الى تعرض اغلب السوريين الى تهديدات وعمليات اعتقال، وقتل العديد منهم، واختفى آخرون في ظروف غامضة، وقد لاحظ تقرير لإحدى الجماعات السورية، ان حوالى سبعين سورياً اعتقلوا في السجون العراقية، وقالت جماعة اخرى، إن عشرات منهم جرى اعتقالهم في سجون وزارة الداخلية العراقية دون اسباب واضحة سوى تغليف الاعتقال بشبهة "الارهاب"، كما تعرضت مؤسسات سورية في العراق للانتهاك على نحو ما اصاب جمعية الفيحاء للرعاية الاجتماعية، وهي جمعية شكلها سوريون لرعاية الأسر، وتحقيق التكافل بينها ومساعدة المحتاجين، التي داهمت السلطات مقرها في بغداد، واعتقلت من فيها، وصادرت الأموال الموجودة فيها.

لقد حاول كثير من السوريين وعائلاتهم العودة الى سوريا عندما اندلعت الحرب عام 2003 غير ان السلطات السورية، لم توفر فرصة لعودة شاملة وغير مشروطة لكل السوريين، ولم تسمح للكثيرين منهم بالعودة، وهذا ينطبق بصورة اساسية على المنتسبين الى جماعة الاخوان المسلمين الذين ما زال القانون رقم 49 لعام 1980 يحكم عليهم بالإعدام، وقد تعرض العائدون منهم للاعتقال، وهو امر لم يسلم منه بعض افراد الاسر ممن ولدوا وعاشوا في الخارج، فيما كان وضع المنتمين الى "البعث العراقي" أقل صعوبة، حيث صدرت توجيهات رسمية بتسهيل عودتهم، وتم الامر في كل الحالات بصورة فردية سواء للعائدين من العراق الى سوريا مباشرة او لمن عادوا اليها عن طريق الاردن.

ووضعت الوقائع القائمة من بقي من السوريين في العراق امام خيارات صعبة سواء بقوا في بلد يفتقد الى الحدود الدنيا من الامن اللازم لاستمرار الحياة الانسانية، أو الخروج منه ومواجهة نتائج ظروف مضى عليها أكثر من ربع قرن، وهكذا صاروا موزعين ما بين قسم عاد الى سوريا، وآخر بقي حيث هو، وقلة منهم ذهبت في مساعي البحث عن ملاذ آمن سواء في العراق او خارجه دون ان يتأكد احد من قدرتها على خلق هذا المصير.

وتطرح مأساة السوريين في العراق نفسها على المستويات المختلفة. فهي من جهة اولى مسؤولية الحكومة العراقية من حيث إيفاؤها بالالتزامات الاساسية في حماية الاشخاص المقيمين على ارض العراق وممتلكاتهم، وخاصة العرب الذين تربطهم بالعراق وشعب العراق روابط يصعب الفكاك منها ولا سيما السوريين الذين احتضنوا اخوانهم العراقيين على مدار عقود الشدة سواء في مواجهة دكتاتورية النظام السابق او في مواجهة نتائج الحروب على العراق وتهجير مواطنيه من الحرب العراقية - الايرانية الى حرب العام 1991 وصولاً الى الحرب الراهنة، التي دفعت بأكثر من مليون عراقي الى سوريا بحثاً عن الامان، وقد كان كثير من رجال العهد الحالي في عداد العراقيين الذين لجأوا الى سوريا في الفترات السابقة، وعليه فمن الحق إعادة تأكيد مسؤولية الحكومة العراقية عن احوال السوريين في العراق طبقاً لالتزاماتها وفق ميثاق جامعة الدول العربية والامم المتحدة والاتفاقات الدولية.

كما ان موضوع السوريين في العراق في احد وجوهه هو مسؤولية الحكومة السورية. ذلك ان هؤلاء يحملون الجنسية السورية، او انهم ولدوا لآباء سوريين من واجب الدولة السورية، ان تتابع مشكلتهم، وان تتدخل لدى السلطات العراقية لتأمين حمايتهم تمهيداً لعودتهم غير المشروطة الى سوريا، وهو الامر الذي يحل المشكلة بصورة جدية وجذرية.

كما ان الواقع المأساوي الذي صار اليه حال السوريين في العراق، هو مسؤولية الجماعات والمنظمات المدنية والحقوقية في المستويات المحلية والاقليمية والدولية، التي ينبغي أن تتقدم لمعالجة المشكلة وفقاً لمضمون القانون والاتفاقات الدولية ذات الاختصاص وبما يتفق والشرعة الدولية لحقوق الانسان، التي تشكل مأساة السوريين في العراق انتهاكات فاضحة لها جميعاً.

__________

٭ كاتب سوري