على الرغم من أن كل فكر حر نبيل، مؤمن بحق الآخر في "الاختلاف"، يربأ على نفسه أن يحشر في زمرة التكفيريين، إلا أنه يجد نفسه مجبرا على اعتناق النهج "التكفيري" وهو يوجه عدسة مجهره لمراقبة أوضاع الديمقراطية في الوطن العربي.
فإذا كانت الليبرالية التي اختزلت العالم في شبكة عنكبوتيه (جاعلة من أمريكا محور الشبكة) قد اقتنعت بخطاب الأمركة نموذجها الثقافي، وبنظامها الدولي الجديد/الأحادي القطب بديلها السياسي/العسكري... فإن ثنائية التوليف بين الدين والدولة، القبيلة والمؤسسة، الدكتاتورية والحرية... ما زالت تختزل الحراك السياسي/الاجتماعي في الوطن العربي، لتنتج في أحسن أحوالها أنظمة توفيقية/تلفيقية لا تنفك تجتر نفسها، وتعيد إنتاج تاريخها المعاصر المحبط والمثقل بالتجارب الفاشلة.
وحتى الأنظمة العربية الحربائية – من حِرباء- التي ادعت في زمن ما (بعد رحيل الاستعمار عنها) أنها تنطلق من القاعدة وتعبر عنها، في خطابات اشتراكية أو قومية، أو اشتراكية قومية، سرعان ما أدارت ظهرها لخطاباتها، ولشعوبها، بعد انهيار المعسكر الشرقي، لتميط اللثام عن وجهها الحقيقي، وتؤكد أنها لا تختلف في شيء عن "شقيقاتها" العربية، فيتطابق الجميع على قاعدة "ليبرالية عربية موحدة" ليس لها من "الليبرالية" إلا اسمها، وليس لها من "الوحدة" إلا شكلها.
وهكذا شحن الخطاب الرسمي العربي قاموسه، وشحذ عدته وعتاده، ورصد كل قنواته وإمكانياته... للحديث عن تجاربه المتفردة في الليبرالية والديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان... (نتحدى أي شخص عاقل رصين أن يجلس أمام قناة تلفزيونية عربية، رسمية، ساعة دون أن يصيبه الغثيان): من المحيط إلى الخليج، تحول كل قطر عربي – عبر إعلامه الرسمي – إلى فردوس مشتهى، بينما الواقع المرير يبرز عكس ذلك تماما، بحيث إذا دخلت إدارة معينة لا تكاد تميز – لولا تباين اللهجات – أين أنت: ففي الرباط، كما في تونس أو دمشق أو القاهرة أو الرياض... نفس الأجهزة البيروقراطية، والروتين العابر المكبل.
أما التضامن العربي المزعوم، أقصد دعم هذه الأنظمة لبعضها البعض، فلا يكاد يعدو النفاق، الذي تردده نفس الأجهزة الإعلامية الرسمية إياها. إذ دلت تجارب عدة، على أن هذه النخب الحاكمة والمتمترسة خلف أجهزة قمعية داخلية، ورضا قوى وأنظمة خارجية – تقف خلفها أمريكا في معظم الأحيان – لا تكاد تسند بيوتها التي هي في كل الحالات أوهى من بيوت العنكبوت، وما مثال العراق وليبيا منا ببعيد... إذ ما إن يحشر نظام ما في الزاوية، ويصبح مارقا عن "المنظومة الدولية" حتى تتخلى عنه باقي الأنظمة "الشقيقة" وتتبرأ منه كما تتبرأ من الجذام.
لن نثير هنا معضلة منهجية حساسة، يختزلها السؤال الأكثر تعقيدا، التالي: هل الليبرالية الغربية، وخصوصا عبر نموذجها الأمريكي، هي الأصلح لشعوب العالم عامة، وللشعوب العربية خاصة؟
نقفز على هذا السؤال المزعج، ونترك الأجوبة للمثقفين الغربيين أنفسهم، قبل العرب، وقبل هؤلاء وهؤلاء، نترك الإجابة لشعوب العالم التي لا تنفك تتظاهر عند كل مناسبة ترمز للعولمة، وللنظام الدولي الجديد، ولكل ليبرالية شرسة...
الأكيد أن كل جواب للسؤال أعلاه، حتى لو كان عدوانيا فاضحا لكل ليبرالية، سيقر بأن لها عيوبها وحسناتها، قبل أن يقيم أي موازنة للعيوب والحسنات... لنجدنا في نهاية التحليل عند مقولة "الاختلاف" التي لا بد أن نؤمن بها في كل حال.
غير أن الأوْكد، والأسوأ، في التجارب العربية الراهنة، أن النخب الحاكمة في وطننا العربي عندما تبنت الطرح الليبرالي، لم تتبنّه بحسناته وسيئاته، بل سطت على عيوبه ومثالبه فقط، لتستعيد تجارب غوانتنامو في كل سجون الوطن العربي، وسياسة المخابرات الأمريكية في كل مخفر شرطة ونقطة بوليس عربية: وبعد، ألم يتم اختطاف العديد من المواطنين الغربيين، ذوي الأصول العربية، من قلب الولايات المتحدة (شمس الليبرالية والحرية)، ومن داخل كندا وألمانيا وإنجلترا...(كواكبها التي تدور في فلكها)، وترحيلهم إلى بلدانهم "العربية الأصلية" – بما فيها المناهضة لخطاب الأمركة - فقط من أجل تعذيبهم سنة أو سنتين... قبل أن تثبت براءتهم من كل تهمة لاحقا؟
أما مجلس الشيوخ
الأمريكي، الكونغرس، فقد أصبح ممثلا في كل قبة برلمانية عربية، مع استثناء بسيط مفاده أن أعضاء هذه القباب - الذين يفترض أنهم وصلوا عبر صناديق الاقتراع، الزجاجية أحيانا - ليسوا أكثر من أرانب سباق لا تغير من نتائج التصويت المحسومة من قبل، فضلا عن شللها التام في "تغيير أي منكر" من بعد. ذلك أن كل شيء يتم إعداده مسبقا في الكواليس، ووفق خرائط رسمت إحداثياتها بدقة متناهية (حبذا لو استعملت نفس الدقة في المخططات التنموية) حتى لا تنفلت الأمور من يد "أهل الحل والعقد"، الذين لا يرون إلا أنفسهم حكاما ويخشون، على أنفسهم، من كل تجربة مختلفة، ذلك أن مقولة "الاختلاف" – التي انتهينا إليها في تحليلنا لليبرالية – هي آخر شيء تفكر فيه أنظمة كافرة... بحق الآخر في "الاختلاف".


