"الاشتراكيين المصريين"

 يعتصرنى الألم وأنا أكتب حول الأوضاع الفلسطينية، وفى تقديرى أن هناك بعض الملاحظات الأساسية التى أود أن أناقشها مع أكبر عدد من الرفاق الفلسطنيين، وأبدأ بما يلى:

 1- تتعرض الإمبريالية الأمريكية لهزيمة ثقيلة على أرض العراق. والشواهد كثيرة. ليس أهمها خسائر القوات الأمريكية وتصاعد عدد القتلى والجرحى بشكل يومى, بل الصراع الدائر بين أركان الطغمة الحاكمة (الجمهوريين والديموقراطين) حول كيفية الخروج من المستنقع العراقى، وتقليل حجم الهزيمة ما أمكن، بما لها من تاثير بالغ على مستقبل المصالح الاستراتيجية الأمريكية فى المنطقة العربية والعالم. ويؤكد آخر تصريح لوزير الدفاع الأمريكى هذه الحقائق بإعلانه أمام الكونجرس: إن الولايات المتحدة لن تنتصر فى الحرب على العراق، ومن جهة أخرى فخروج الشعب الأمريكى من تحت عباءة الحرب على الإرهاب مجرد خرافة.

 

2- كما يواجه مشروع الشرق الأوسط الجديد وسياسة الفوضى الخلاقه فشلا زريعا على يد المقاومة الفلسطينية والشعب اللبنانى الصامد فى اعتصامه فى قلب بيروت لأكثر من أسبوعين بعد أن تلقت الآلة العسكرية الإسرائيلية هزيمة ثقيلة على أرض لبنان منذ وقت قريب . فلا هى استطاعت تصفية المقاومة اللبنانية المسلحة، ولا هى فرضت الشروط الأمريكية/الصهيونيه على النظامين السورى والإيرانى، وهو ما أربك الأنظمة العربية التابعة فى مصر والسعودية والأردن، وفاقم من أزمتها، وفضحها أكثر أمام شعوبها. بل وأضاف زخما لقوى المقاومة فى العراق و فلسطين وباقى البلدان العربية.

 

 3- وانعكس ذلك بتكثيف الهجوم الاستعمارى على المقاومة والشعب الفلسطينى بالحصار والتجويع والعدوان المستمر على المدن والقرى الفلسطينية، وضرب كل إمكانات الحياة على الأرض حتى يتمكن العدو الصهيونى والأمريكى من تقليص حجم خسارة مشروعه الاستعمارى وهزيمتهم الاستراتيجيه على يد المقاومتين العراقية واللبنانية. إذ يرون أن المقاومة الفلسطينية والوضع الفلسطينى هو الحلقه الأضعف. وتحقيق النصر بكسرها يستعيد المبادرة للمشروع الاستعمارى من جديد، ويرمم وضع الأنظمة العربية التابعة.

 

4- تتميز حركة الإدارة الأمريكية فى هذه اللحظة من توالى الهزائم على مشروعها الاستعمارى فى العراق ولبنان مع صمود الشعب الفلسطينى، وتصاعد المد الثورى لدى شعوب أمريكا اللاتينية ، تتميز بالشراسة والعنف اللامحدود، والاستعداد للقتل الواسع فى مواجهة الانهيارات المقبلة على يد الشعوب.

 

5- لذلك تدفع الإدارة الأمريكية بالعناصر العميلة المرتبطة بالمشروع الاستعمارى والأكثر سفورا فى العراق وفلسطين ولبنان لمواجهة المقاومة الشعبية، فالمالكى والحكيم فى العراق، والسنيوره وجنبلاط فى لبنان وعباس ودحلان فى فلسطين، تدفعهم الى مقدمة المسرح لتنفيذ ما يمكِّن المشروع الاستعمارى من استعادة المبادرة، وتقليص حجم الخسائر العسكرية والسياسية، وتأجيل لحظة التراجع الواسع من العراق والمنطقة العربية.

 

6- هنا ينبغى أن نتوقع أن الأيام القادمة هى الأكثر دموية وصعوبة، باتجاه تنفيذ تصفية المقاومة، عن طريق الاحتراب الداخلى، وعلى أسس طائفية ومذهبية، كما يجرى فى العراق، والمحاولات الجاريه والمستميتة لفرضها على لبنان وفلسطين.كما ينبغى أن نؤكد على أن الأنظمة العربية - وفى مقدمتها مصر والسعودية والأردن - قد أصبحت جزءا من المشروع الاستعمارى الأمريكى الصهيونى الذى يستهدف الشعوب العربية ومواقعها وثرواتها. ومن ثم فإن دخول أي من القوى الوطنية المقاومةِ فى تحالفات أو أعمال مشتركة مع تلك الأنظمة، والقبول بما تلقيه لها من فتات تحت زعم رفع المعاناة أو تخفيف الحصار .. الخ. إنما يروج لسياسات تلك الأنظمة التابعة، ويطيل من عمرها، ويساعد فى تزييف وعى الشعوب، ويعمى عن الدور المعادى الذى تقوم به هذه الأنظمة لصالح المشروع الأمبريالى. إن السلطة الفلسطينية هى جزء من مشروع السلطات العربية التابعة بحكم المولد فى مدريد وأوسلو. وإن مشاركة المقاومات العربية فى العراق وفلسطين ولبنان - تلك السلطات العميلة - ألعابها السياسية يصيب الشعوب العربية خاصة الشعب الفلسطينى بالارتباك السياسى والضعف النفسى، والتوقف عن تطوير فعله المقاوم، ويجعل الفرصة سانحة لاستخدام فزاعة الحرب الأهلية للنيل من صموده، وهى لعبة يجيدها الأعداء المحليون والخارجيون. المؤكد أن الخاسر فيها هو الشعب الفلسطينى والشعوب العربية، وهو ما ينبغى تجنبه بكل الوسائل دون أن يصرفها عن المقاومة المسلحة وغير المسلحة لأعدائنا التاريخيين .

 

7- بعد أن أصبح الاستقطاب فى منطقتنا العربية أوضح من أى وقت مضى بين الشعوب وقوى المقاومة فى العراق وفلسطين ولبنان وعلى امتداد الوطن العربى، وبين الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيونى، كمالم يعد ينطلى على أحد أكاذيب الأعداء حول الديموقراطية والحرية والمدنية بعد أن تقدمت نضالات الشعوب العربية وقوى المقاومة المسلحة فأوقعت العديد من الهزائم بالاحتلالات الاستعمارية فى العراق وفلسطين ولبنان.

         لذلك لم يبق أمام أعدائنا غير طريق زج الشعوب العربية إلى أتون حروب أهلية -كما يحدث فى العراق - وقودها الطائفية والمذهبية، بهدف تدمير الأرض والشعب، وتحويل الوطن الى كانتونات يسهل إخضاعها للمشروع الاستعمارى بأقل تكلفة ممكنة، بعد أن يكون قد تم القضاء على المقاومة الوطنية، وتدمير مشاريع التحرر العربية، وتكريس واقع جديد أسوأ بكثير من الواقع القائم حاليا. وبكلمة أخرى خلق مزيد من الفوضى والاحتراب الداخلى بين القوى الوطنية على أسس مذهبية وعرقية وطائفية، ومن ثم استنزاف طاقتها فى غير مواجهة المشروع الاستعمارى وعملائة، والانحراف بالنضال التحررى الى قضايا عرقية وطائفية ومذهبية. لتكون الغلبة فى النهاية للمشروع الأمريكى الصهيونى والخروج من مستنقع هزائمه الراهنة.

         تلك هى الملامح الأساسية للحظة الراهنة التى تعيشها المقاومه والشعوب العربيه فى فلسطين والعراق ولبنان بعناصر قوتها وعناصر قسوتها وضعفها .

         واذا انتقلنا الى الوضع الفلسطينى المباشر. نرى أن عناصر المشروع الأمريكى أكثر افتضاحا، إذ تحمِّل صمود الشعب الفلسطينى مسئولية الحصار والقتل اليومى الذى تقوم به القوى الاستعمارية بقيادة أمريكا وبدعم الأنظمة العربية العميلة.

         إن الإدارة الأمريكية وإسرائيل ومعهم الأنظمة العربية، أكثر المتمسكين بالسلطة الفلسطينية الآن، وبرموزها المرتهن وجودهم بالرضى الأمريكى والصهيونى والتفريط فى حقوق الشعب الفلسطينى على كامل ترابة، وحماية الكيان الصهيونى وحقه فى الوجود العنصرى الاستعمارى على أرض فلسطين التاريخية.

         من المؤكد أن هذه السلطة "المسخ" أصبحت أشبه بعجلة شيطانية تجر إليها كل القوى الفلسطينية، سواء منها المقاوِمة أو غير المقاومة، وأصبحت أحجيه يتحول معها الشعب الفلسطينى - بصموده الأسطورى وتضحياته الجسيمة على مدى أكثر من نصف قرن - إلى مجرد تجمُّع بشرى من المتسولين يعيش على الإعانات الخارجية القادمة من أوروبا الاستعمارية والأنظمة العربية العميلة. وتصبح سلطة أوسلو بتفريطها فى الحقوق الفلسطينية لصالح الاستعمار الصهيونى هى الضامن لاستمرار هذه الإعانات المذلة والمدمرة للقضية الفلسطينية. وعندما تدخل حماس إلى ساحة هذة السلطة وتتمسك بها باسم الديموقراطية فعليها أن تتراجع عن أى نقاط مقاومة فى برنامجها. إنها سلطة تحت الاحتلال وجاءت بشروط الاحتلال.كما أن التنازلات اليومية التى تقدمها حماس تحت زعم الحرص على حكومة الوحدة الوطنية هى نفس الطريق التى جاءت بعرفات وأوسلو إلى الأرض الفلسطينية .وهى المفجِّر للحروب الأهلية القادمة .

         لقد أصبح الاقتتال الأهلى الفلسطينى ضرورة ملحة لإنقاذ المشروع الاستعمارى على أرض فلسطين، وكذلك فى العراق ولبنان والسودان وباقى المنطقة العربية. وهو ما يفسر شراسة قيادات أوسلو الحالية بهدف تدجين المقاومة، وإضعاف صمود الشعب الفلسطينى تحت سياط الحصار والتجويع الضالعين فيه استجابة للأمر الأمريكى. ولكن هذا لا يخفى الذعر الأمريكى والصهيونى من الانتصارات التى حققتها المقاومتان اللبنانية والعراقية بما تمثله من طاقة دعم وإمكانية مباشرة لنقل الخبرة وتطوير قوى المقاومة على أرض فلسطين.

         إن أهم نجاحات الأعداء التاريخيين، ومعهم رجال أوسلو والأنظمة العربية على الصعيد الفلسطينى هو تدمير إمكانات اعتماد الشعب الفلسطينى على ذاته فى استمرار الحياة المادية والثقافية والانسانية بكافة جوانبها.

         إن الأساس هو الصمود على الأرض مهما طال الزمن بالاحتلال. فحتى نهاية انتفاضة 87 وما سبقها من عهود قاسية، سلك الشعب الفلسطينى فى مقاومته للاحتلال - ككل الشعوب التواقة الى الحرية - طريق الاعتماد على النفس فى تسيير حياته اليومية بكدِّه فى الأرض والمشاريع الصناعية الصغيرة، وأشكال التضامن المختلفة فى التعليم والصحة والثقافة والسكان وغيرها. بالإضافة إلى دعم أبنائـه العاملين فى الخارج. دون أدنى مساعدة من الأنظمة العربية. وكانت هذة الصورة الملهمة لجميع الشعوب العربية والعالم هى سر صموده ومقاومته للاحتلال على مدى عشرات السنين, والحاضنة لانتفاضته الأولى وسر نجاحها واستمرارها لخمس سنوات.

         وهو ما أزعج العدو الصهيونى والإمبريالى, وقد وعى الدرس، فاستعان بالأنظمة العربية وقيادات منظمة التحرير فى تدمير الانتفاضة، وتدمير إمكانية الشعب الفلسطينى الخلاقة فى الاعتماد على الذات. وصار الشعب الفلسطينى فى الضفة والقطاع الى ما صار عليه الآن من الاعتماد على المعونات الخارجية فى كل شئ. وليس المهم مصدرها من الأعداء أم من الأصدقاء, المهم هو سد رمق الشعب الفلسطينى. وفقط حتى يتم إذلاله وتركيعه وتصفية قضيته إلى الأبد.

         وقد جرَّت طريق الآلام تلك على الشعب الفلسطينى البطل الكثير من التشوهات السياسية والاجتماعية - بعد أن خرَّب الأعداء اعتماد الشعب على ذاتة - أهمها أن الاستقطاب السياسى بين الطبقات والفئات الشعبية لم يعد يتم على أساس الانحياز لمشروع المقاومة وحق العودة والتحرير. وإنما أصبح يتقاطع معه - لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين - كيفية استمرار الحياة اليومية التى يضمنها القرب من السلطة وفتح جالبة المعونات الدولية والعربية. أو القرب من حماس والدعم القادم لها من السعودية ودول مشابهة أخرى . وهذا لا يعنى التشكيك فى انتماء كل المنتمين أو المؤيدين لفتح وحماس الى مشروع المقاومة، ولكن هذا خلق عناصر ضعف وتربة مواتية للمشروع الاستعمارى الصهيونى والبرجوازية الفلسطينية ورجال السلطة الذين ترتبط مصالحهم بهذا المشروع المعادى مهما ادَّعوا الواقعية واختلال موارين القوى لصالح الصهاينة.فالانتصار اللبنابى القريب يؤكد عكس ذلك، والانتصار النهائى تحقق دائما لكل الشعوب المناضلة ضد الاستعمار.

         وإذا كان الشعب الفلسطينى وقواه الحية والمناضلة قد نجح حتى الآن فى تفويت الفرص المتتالية على المحتلين وقوى التبعية الفلسطينية على إشعال الحرب الأهلية، إلا أن الإصرار من الطرف الآخر لن يتوقف طالما أن هناك احتلالا وعملاء وسلطة، وليس هناك من ضمان غير تحديد أهداف النضال العملية فى تلك اللحظه بشكل واضح فى إطار اعتماد استراتيجية تحرير كامل الأرض الفلسطينية، وعودة نصف الشعب الفلسطينى المقتلع، واعتماد حرب التحرير الشعبية طريقا لتحقيق تلك الاستراتيجية، شرط أن تتشكل جبهة شعبية متحدة لها قيادة موحدة للنضال على أساس تلك الاستراتيجية، وذلك الطريق انطلاقا من الاعتماد على الذات.

 

أما بالنسبة للأهداف المباشرة للنضال فى تلك اللحظة فأرى:

 

1- رفض أى انتخابات تشريعية بكافه الوسائل والأشكال.

2- خروج حماس من سلطة الحكم الذاتى.

3- الدعوة والعمل اليومى على إزاحة سلطة الحكم الذاتى من طريق مقاومة الشعب الفلسطينى، والعودة إلى مبدأ الاعتماد على الذات لحياة الفلسطنيين. كما كان قبل أوسلو.

4- الشروع فى تشكيل لجان الجبهة الشعبية المتحدة، والقيادة الموحدة عبر عملية نضالية يتحقق معها تحرير كامل الأرض الفلسطينية وعودة نصف الشعب الفلسطينى وهزيمة الكيان العنصرى الاستعمارى!

______________