منذ سنوات وأنت وكثيرون معك تنتظر قدوم الربيع في رحاب وطنك لتستنشق عطره وتضمه لصدرك وتسمع آهاته بين ذراعيك. لم تيأس من الحلم، لكن الشتاء كان طويلا جدا والغيوم كالحة والريح تزمجر متوعدة بالأسوأ.

طال انتظار اليوم الموعود كثيرا وضاق صبرك. فلم تجد بداًًً من التحليق بروحك لعالم الأبدية الذي وعدك بالخلود في جناته. على أن تنادينا لنتبعك اليه ونخبرك عن الذين تركتهم وراءك وعن أولئك الذين بقوا هناك ينتظرون عودتك. أولئك الذين لم تكحل أعينك برؤيتهم قبل أن تغمضها على هذا العالم الفاني الذي قصف الأعمار قبل فوات الآوان. قبل العودة لمكان الانطلاق والرحيل في زمن الترحيل. فوداعا يا أبو رشا، سلطان الالتزام، وأبازيد الرصانة، أو بالأحرى إلى اللقاء. 27 عاما في المنفى.. فكيف يمكن أن يرتسم الوطن في ذهن الإنسان صورة جميلة ضرورية للبقاء على قيد الحياة السياسية والثقافية ؟

كان الجمع يبكيك ويزرف دموعه على ذاته عبرك. كانوا يبكون واقعهم في بلد الاغتراب الذي أرادوه بلدهم الثاني، لكن حساباتهم لم تتفق مع حساباته. السنون مرت سريعة وهم يأملون العودة لنقطة الانطلاق.. منهم من أمل على الأقل أن يغمض عينيه بعد أن يشبعها بألوان تراب بلاده. لكن حتى هذا بدا صعب المنال للكثيرين.

ففي تلك البلاد، هناك من نصب نفسه حامي الحماة وصدق نفسه بأنه يتحلى بمنة سماوية أو مشروعية إلهية ليكون في المكان الذي هو فيه. فأحاط نفسه بكل موازين القوة التي خولت له التمترس في حصون تبيح له اجتراح كل الموبقات باسم "الدفاع عن مصلحة الوطن". لدرجة أن الذين لم يقترفوا أي ذنب تجاهه ولم يكن لهم ضلع في شعوره بالمهانة كانوا مبعث خوف لديه. فتحولت البلاد لمزرعة تستباح خيراتها وكراماتها عند كل مطلع شمس.

لكن هل علم هؤلاء الحكام الذين استفردوا بالسلطة وأمموا كل أشكال ممارستها أن للرجال والنساء المعارضين لسياساتهم مشاعر وأحلام، كما لهم كرامات وأخلاق وطاقات وابداعات بالتأكيد أكثر منهم؟ هل فكروا يوما أن من حق أولادهم أن يتعرفوا على البلد الذي فتح أهلهم أعينهم على نوره وأن ينعموا به بمعيتهم متى شاؤا وكيفما أرادوا؟ هل توارد لذهنهم لحظة أن الشعب الذي تمتهن كرامته وتسحق امكاناته مع كل مغيب لن يستطع الصمود أمام الغزاة الطامعين ببلده لحظة واحدة وأنه قد يذهب لحد الاستنجاد بالشيطان لتخليصه من براثنهم؟  إلى متى سيستمرون بتجاهل العالم الذي يمضي على ايقاع دقاته خارج أسوار قصورهم بينما هم يجمعون أموال الشعب في جيوبهم معتبرين أن خيراته مباحة لهم؟ متى يتعظوا من دروس الماضي القريب ويفقهوا بأن لكل ظالم نهاية وأن ساعة الحساب تدق في اللحظة الموآتية؟   

يمر الانسان خلال سني عمره بمراحل عدة، والشيخوخة هي في طبيعة هذه الصيرورة. من المعروف أنه مع تقدم الزمن تتبدل قيمه وايديولوجيته ورؤيته للآخر وتقييمه للمجتمع المحيط به. كما تتغير صورته عن ذاته بسلبياتها وايجابياتها، بما يتعلق منها بملكاته وممتلكاته، بوضعه الصحي الجسدي والنفسي، بما يوحي به للغير وما يحتفظ به لذاته، بقدراته على التأقلم مع الآخرين وبدرجة محافظته على نشاطه وآماله ومشاريعه المستقبلية.

لكن الشيخوخة في بلد الاغتراب مسألة تغدو أكثر تعقيدا بالنظر لحاجات الإنسان الأساسية وإمكانية تلبيتها. ذلك بدءا من الحاجات الفيزيولوجية وتأمين ضرورات العيش، مرورا بالحاجة للشعور بالاطمئنان على الصحة  ودرء المرض وأنواع الحرمان المختلفة، كما لتلبية الحاجات الاجتماعية والركون لمشاعر الحب والصداقة والانتماء للمكان والزمان، انتهاء بحاجات تحقيق الذات والنجاح والثقة بالنفس وعدم الاحتياج للآخرين في تسيير أمور الحياة. فالبيئة المحيطة هي أكثر ما تتحكم بهذه المشاعر زيادة أو نقصانا وتساعد على انطلاق الانسان نحو الغير أو الانكماش والتقوقع على الذات. وبالتالي فالسلوكيات لا يحددها فقط المعطى الشخصي وإنما أيضا الآخر وطبيعة العلاقة معه في المكان والزمان الذي يجري فيهما هذا التفاعل.

بالطبع، إن كانت الخلية الاسرية هي الحاضن الأول للفرد، قد لا تتمكن بفعل الغربة، وغياب الرافعة الفعلية للكينونة التي قد لا تتواجد حسيا أو معنويا في نفس مكان التواجد الفعلي، من الاتكاء كفاية على افرادها المنشغلين كل من ناحيته باشكالاته الفردية. خاصة وأن من لم تتسنى له القدرة على التواصل المستمر مع من هم أساس وجوده، قد يفتقد الشعور بالأمان. حتى أن الواحد  يمكن أن يحمّل الآخر الذي هو باحتكاك دائم معه تبعات اشكالاته الشخصية أو النفسية لمجرد أنه طرف في المعادلة وجزء من صورته عن نفسه. فالأحزان تفوق طاقة احتمال الفرد بحيث يبحث عمن يمكن أن يسانده فيها أو يلقيها عليه.

الموت في وضع كهذا يحيي وأحيانا بشكل عنيف مشاعر الألم لذكرى الانسلاخ عن الأرض الأم والاختفاء في ظروف غير طبيعية من حياة الآخرين. وما كان سهل الاحتمال في سن الشباب قد يصبح شديد الوطأة في عمر الشيخوخة. ففي المخيلة حلم يراود باستمرار بالعودة لمكان الانطلاق من الصعب أن يتحول لسراب بعيد المنال. وظيفته المساعدة على تحمل مصاعب الحياة بحيث، وإن كان يبدو وهما أكثر منه واقعا، يبقى ضروريا للمساعدة على الاستمرار. وعندما تنطفيء شعلة الحياة فجأة تكون وظيفة الحداد تأكيد الفصل بين الحياة وعالم الابدية. لكن هنا الحداد يصبح حدادين: على المتوفي وعلى ما كان يرنو له من عودة لبلد المنشأ ولو متأخرة قبل أفول العمر وبعدما اسدى دوره تجاه البنين والمجتمع.

حياته كانت تمر باستمرار وكأنها بين مزدوجتين بانتظار العودة. البقاء لم يكن مشروع وجود حيث مهما طال الزمن كان الأمل بأن ينتهي المطاف بالعودة. عودة ولو لقضاء عطلة أو فترة من الزمن يلتقي بها مجددا بذكريات طفولته وجزء من شبابه بعدما أخفق في تحقيق أحلام التغيير المنشود الذي من أجله عانى وقدم التضحيات وتحملت عائلته الثمن الكبير معه. البقاء في البلد المستقبل يوفر ليس فقط المكوث قرب الأولاد الذين يرفضون العودة مع أهلهم وإنما ايضا ضمانات الطبابة والشيخوخة. لكن الثمن النفسي المدفوع مقابل ذلك باهظ بفعل تزايد العزلة والانقطاع عن المجتمع وانحسار دائرة العلاقات. مما يزيد من مظاهر الانطواء والردة الدينية والتحجر الايديولوجي والمواقف الرد فعلية والمتشنجة انتقاما من التهميش وعدم الاعتراف به كمواطن من غير تمييز عرقي او ديني او غيره ضده. خاصة في بلد لم يقبل أصلاً بالمهاجر أو المنفي شابا، فكيف له أن يقبل به شيخا بعدما لم يعد يقوى على تقديم ما حاول جاهدا ان يقدمه في شبابه ؟

الرحيل في ظروف كهذه صعب، خاصة عندما لا تستطيع العائلة العودة بالجثمان للبلد الأم أو عندما يؤثر المرء الموت في المنفى بعد الحياة فيه لأن بلدا لم يحتمله حيا لا حاجة له به جثة. وما كان يتخوف المرء من مواجهته والتحضير له أو مجرد التفكير به يصبح فجأة واقعا عليه التعامل معه وتقديم جواب سريع له. وضع من تبقى وخاصة الشريك يصبح أكثر صعوبة. والأصعب منه أوضاع أولئك الذين يعيشون بمعزل عن عائلة أو في جو تفكك أسري أو وحيدين. فالعالم الخارجي يصبح غير جدير بالاعتبار بحيث تتراجع الاهتمامات فيه لدرجة الخوض في سلوكيات انتقامية وتدميرية للذات. كما أن الأمراض تكون طريقة للتعبير عبر الجسد عن آلام النفس وعما لا يقال بالكلام. وهكذا فإن السيرورة التي كان يراد لها أن تكون انتصارا على الذات والظروف تحولت لشئ آخر لم يضبط ايقاعه وخرج عن مساره. فهل في وضع كهذا معمم على مستوى جماعات وأوطان يمكن أن نتفاءل بالمستقبل ؟

 * باحثة عربية من لبنان