كانت إشارة ذكية من الأمين العام لجامعة الدول العربية عندما شبّه الأزمة اللبنانية ببناية من أربعة طوابق: لبناني، عربي، إقليمي، دولي. ويبدو أنّ للطابقين الإقليمي والدولي دورا فاعلا في استمرار الأزمة، حيث أن فريقي الصراع الداخلي فقدا القدرة على اتخاذ القرار النهائي والحاسم في حل المشكلة الداخلية، وأنّ المماحكات السياسية حول الشأن اللبناني أصبحت في دهاليز الصراع الإقليمي – الدولي الأكبر في الشرق الأوسط.

والأسئلة المطروحة على الأمين العام لجامعة الدول العربية كثيرة، من أهمها: كيف يكون فض الاشتباك بين هذه الأدوار المتداخلة في لبنان ؟ وكيف تكون أولوية التنسيق بين تأثيراتها ؟ وما العمل إذا كان هذا الدور المحلي متداخلا مع أدوار إقليمية ودولية أخرى؟ وهل تكون أولوية التنسيق مع الدور العربي والإسلامي ؟

يدرك العرب جميعا أن الوضع اللبناني هو ساحة اختبار أساسية لدى سائر الأطراف، لذلك فإنّ عودة الأمين العام إلى بيروت مهمة، لأنها تحيي الآمال في عودة الاتصالات والمساعي السياسية، في وقت بات لبنان على شفير الانزلاق إلى حرب أهلية. إلا أنّ اللبنانيين، الذين يشهدون بأم العين انعكاس الصراعات العربية ـ العربية على العراق تحت الاحتلال، أو على فلسطين تحت الاحتلال، يخافون من أن تكون هذه الصراعات سببا إضافيا لتأجيج نار الأزمة في لبنان، ولو بإيقاظ الفتنة وإطلاقها في الشوارع لتلتهم الأمل بحل يرتكز إلى توافقهم برعاية من إخوانهم العرب.

لقد غاب عمرو موسى، مجمدا مهمته اللبنانية، عندما أدرك أنها لا يمكن أن تُنجَز بينما بعض العرب يرون في نجاحها فشلا لسياستهم، وبعضهم الآخر يريد لها الفشل كاستثمار مهم في حربه على من يريدون لها النجاح. ولكنه، قرر العودة إلى بيروت معززا مهمته بمحصلة المشاورات المستمرة بين عدد كبير من العواصم الدولية والإقليمية المعنية بالشأن اللبناني، خاصة بعد أن وصلت الاتصالات السعودية - الإيرانية، بشأن الملف اللبناني، إلى نقطة متقدمة.

إنّ ركيزتي التوازن والتوازي  شكلتا أساس المبادرة العربية في موضوعي حكومة الوحدة الوطنية  والمحكمة الدولية، إضافة إلى وجوب التوصل إلى تسوية سياسية تنقذ الموقف في لبنان، ولا يكون هناك غالب أو مغلوب. أما على الجبهة الإقليمية فإنّ المفاوضات السعودية الإيرانية استمرت على قاعدة السعي إلى إيجاد حل لمسألة المحكمة ذات الطابع الدولي التي تحاول السلطة السورية عرقلتها، مما قد يدفع المجتمع الدولي إلى الانتقال بالمحكمة إلى الفصل السابع من الميثاق الأممي.

لا شك في أنّ السعودية لن تتخلى عن دورها الإيجابي في لبنان، فهي صاحبة إنجاز سياسي حقيقي في هذا البلد، إذ أنّ جمهورية الطائف استطاعت أن تخلق توازنا نسبيا بين الطوائف اللبنانية، وتؤمن عدالة في توزيع الصلاحيات، وتخرج البلد من ثقافة الحرب إلى آفاق التنمية والحوار. لكنّ الظروف اليوم اختلفت، فالمشكلة في لبنان لم تعد مجرد خلاف بين فرقاء محليين، بعد أن صار ممرا أو مقرا لحلول إقليمية ودولية لقضايا الآخرين. ويبقى أن تتفهم الأطراف الإقليمية الدور السعودي، وعدم النظر إلى لبنان كساحة لتصفية حسابات إقليمية، فلبنان ينبغي أن يبقى عاملا للتهدئة، وليس ساحة للتوتر والتوتير، فقوته كانت وستبقى بقدرته على استيعاب التنوع والتعايش، وأية محاولة للمساس بهذه الميزة الحضارية تعني القضاء على لبنان وتعميم الفوضى في المنطقة.

وهكذا، سيكون موضوع المحكمة الدولية، باعتبارها أصل القضية وموطن الهواجس والشكوك، أحد أهم الموضوعات المطروحة أمام معالي الأمين العام: كيف السبيل إلى توافق لبناني يقبل فيه البعض، بشجاعة، المسؤولية الأخلاقية والقانونية لكشف الحقيقة وإدانة الجناة عن عمل إجرامي بشع ودنيء مقابل أن يرفض البعض الآخر أي توظيف سياسي محتمل للمحاكمة من جانب القوى الأجنبية الكبرى؟

ولعل ما يمكن أن يساعد على نجاح مهمته هو المخرج الذي توصلت إليه الاتصالات السعودية – الإيرانية، بموافقة الأكثرية على صيغة لإقرار المحكمة ذات الطابع الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في الحكومة الجديدة بعد توسيعها، وبعد درس الملاحظات على المحكمة في لجنة خبراء من الجانبين.

وبعيدا عن المكابرة عند طرفي النزاع اللبناني، فإنهما باتا في مأزق حقيقي وأسرى مواقف لم يعد سهلا عليهما التراجع عنها. وليس في استطاعة المعارضة، تحديدا، أن تتجاهل واقع أنّ تحركها صار روتينيا ورتيبا، رغم كل محاولات إعطائه دفعا وزخما جديدين. ولعل أسوأ ما في الواقع السياسي الراهن، أنّ أية ملاحظة على أداء المعارضة إنما تضع أصحابها في خانة " المحور الأمريكي – الإسرائيلي "، كما أنّ أية ملاحظة على أداء الحكومة إنما تسجَل في خانة " المحور الإيراني – السوري "، واستنادا إلى تصريحات كثيرة، سواء من جهة الأكثرية أو المعارضة، فإنّ ثمة اعترافا واضحا من الجميع بالفشل والوصول إلى مأزق. ومن هنا، فإنّ المهمة المتجددة للأمين العام لن تكون سهلة على الإطلاق، ولو جرى حقنها ببعض " المقويات " الإقليمية والدولية.

والتساؤل الأكثر صعوبة بكل علامات الاستفهام الممكنة: هل وكيف ومتى يمكن صياغة الحياة السياسية في لبنان على مرجعية عقد اجتماعي جديد قوامه مفهوم المواطنة ؟ عقد اجتماعي ينصهر فيه اللبنانيون جميعا، على اختلافاتهم، يكون جديرا بلبنان الذي صدّر للعرب الكثير من قيم التنوير والحداثة، لكنه استبقى لنفسه  نظاما طائفيا يحد من انطلاقه.  

وهل يتمكن عمرو موسى من تحقيق ما لم يتمكن من إنجازه العديد من الوسطاء المحليين والدوليين الذين سعوا إلى وضع حد للأزمة اللبنانية المتفاقمة ؟

 

   كاتب وباحث سوري مقيم في تونس