q
q
ثالثا: التعليم والثقافة في نهاية القرن العشرين
مع استمرار الآليات الثقافية التي سبقت الإشارة إليها في الفترة السابقة فإننا نلاحظ انه على الرغم من زيادة ميزانيات التعليم، وزيادة إعداد ونسب المتعلمين إلا أن النقاش حولها يؤكد أن تلك الزيادة قد أصبحت هدفا في حد ذاتها، فالنقاش العام نحو التعليم لا يتجاوز اليوم قضايا نسب الاستيعاب والإلزام، وبناء المدارس، وأعداد المدارس التي دخلها الكمبيوتر، والنجاح والرسوب في الثانوية العامة والشهادات المختلفة، وغيرها من القضايا التي يمكن تسميتها قضايا البنية الاساسية للتعليم، ولم يعد مطروحها في هذا النقاش الدور القافي للتعليم أو فلسفة التعليم ، أو سمات المثقف كما يخرجها نظام التعليم
ولقد شهدت سنوات السبعينيات تغيرات أساسية طالت جميع جوانب الحياة في مصر، فلقد أخذت الدولة بسياسة الانفتاح الاقتصادي، كما أخذت بسياسة التعددية الحزبية المقيدة، أصدرت من قوانين الاستثمار ما أطلق العنان للرأسمالية المصرية والعربية والأجنبية، فنشأت العديد من الفئات الرأسمالية الطفيلية ورجال المال، فتحدت الدولة المجال واسعا إمام القروض الأجنبية، وتغير مجرى الصراع العربي الإسرائيلي بتوقيع اتفاقية فض الاشتباك ثم اتفاقية كامب ديفد، وواكب تلك الظروف إطلاق العنان لقوي التطرف الديني الإسلامي التي سعي خطابها الفكري والسياسي نحو احتلال مساحات اكبر في مختلف وسائل النشر والإعلام والتعليم .
وعلي الرغم من الشعور المستمر بضرورة إصلاح التعليم وعلي الرغم من الحديث المستمر عن تحديات القرن الحادي والعشرين وثورة المعرفة والاتصالات، وعقد العديد من المؤتمرات التي تسعي لوضع التعليم في المسار الصحيح. ومع كل ذلك " تؤلف لجان في الوزارة لبحث خطط التعليم وبرامج الدراسة، وتؤلف لجان أخري لوضع كتب مدرسية جديدة، أو يعلن عن مسابقات لوضع هذه الكتب وتقوم لجان الوزارة بفحص الكتب المقدمة واختيار أفضلها وتقرر الكتب وتطبع وتعمم في جميع المدارس، وكثيرا ما تثبت التجربة أنها أسوأ من الكتب السابقة، والنتيجة التي لا يختلف عليها اثنان هي إن المستوي العام في المدارس ينخفض سنة بعد سنة من مختلف النواحي" (5)
"ولا شك أن أشباه تلك الثورات التعليمية هذه لا صلة لها بمشكلات التعليم الحقيقية ولا ما يجري في المدارس، بل إنها نسيت في غمرة الفلسفات التربوية والابتكارات الصعبة المبدأ الأول وهو أن التربية إعداد للحياة مثلما غرقت المدارس ومدرسوها وطلابها وأولياء أمور الطلاب في المشكلات العملية، والنتيجة انه لا تكاد تمر سنة دون أن نفاجأ بأحداث ثورة تعليمية تتمثل في لجان وتقارير ومناهج وكتب، وكثيرا ما تتلقاها المدارس بالرفض المعلن أحيانا، أو المضمر غالبا، وان خلفت إنعاشا ماديا وأهمية مؤقتة لبعض الناس، وكلما جاءت ثورة من هذه الثورات وذهبت، وإز داد مجتمع المدرسة – مدرسين وتلاميذ وإدارة- تشككا وسخرية، وازداد المجتمع الكبير من حولها ابتعادا عن مشكلات الحياة الحقيقية، وعجزا عن روية أهدافه أو النهوض بواجباته . (6)
وتستمر المدارس وهي تخرج لنا " أفراد تسود بينهم حاله من الخمول الفكري والكف عن القراءة والاطلاع، وانخفاض الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي وعدم المشاركة في أي أنشطة، والتخبط وعدم القدرة علي الاختيار الواعي الناقد، وفقدان الإحساس بالكينونة، والاستسلام الكامل للمتغيرات دون استيعابها بالإضافة إلى حالات اللاإنتماء واللامبالاة " (7)
وإذا كانت التربية تعمل في ضوء تناقض أساسي هو السعي للحفاظ على الهوية والحفاظ على ما هو قائم
في نفس الوقت الذي تسعى فيه لتتغير الواقع وتطويره والبحث عن الأفضل وعدم الانغلاق على الذات والتواصل مع الآخر ثقافيا و حضاريا وتأهيل النخبة القادرة على قيادة المجتمع في مختلف المجالات ..
فان التربية في ضوء الإيقاع السريع للانفجار المعرفي وثوره الاتصالات مقارنه بالإيقاع البطيء الذي تتسم به عمليه الاستجابة التربوية وفى ضوء تخلف الآليات والفعاليات التي تحكم العلاقة بين التعليم وبين تلك التغيرات ؛ كل هذا قد أدى إلي أن تطغى وظيفتها في المحافظة على وظيفتها في التجديد (8)
بل الملاحظ أن وظيفة التربية بهذه الصورة ملتبسة في أذهان قاده التعليم وقاده الرأي وخاصة في ظل الخطاب الثقافي الذي ينظر بالتوجس والريبة لكل منجزات العصر ولم يعد الأمر بالوضوح الذي عبر عنة الإمبراطور الياباني "ميجي" في شعار النهضة اليابانية الذي يمكن تلخيصه كالآتي: "الحقوا بالغرب وتجاوزوه" (9) وبدلا من أن تسعي المدرسة للتمايز والتباين عن السياق الاجتماعي المحيط بها لكي تتيح لنفسها القدرة علي رؤية نقدية فاحصة، تمكنها من طرح آليات التغيير والتطوير، واستقر وتربع السياق الاجتماعي بمعاييره وقيمه التقليدية داخل العملية التعليمية، وراح يطرد كل محاولة للتغير والتطوير والتجديد
وسوف نشير هنا إلي مشكلتين رئيسيتين من المشكلات التي تحول دون تجديد نظامنا التعليمي :
* تخلف النسق التعليمي :
مع تسليمنا الأساسي بان وظيفة التربية هي وظيفة محافظة بطبيعتها، فان كثير من دول العالم تسعي لتطوير نظمها التعليمية والتربوية، بحيث تحقق التوازن الذي أشرنا إليه سابقا بين المحافظة والتجديد، وهكذا تنغرس في صميم النسق التعليمي آليات الاختيار والمرونة، فيما يتصل بالمواد الدراسية وأنواع التعليم، وتعدد الفرص وتنوعها أمام الطلاب، وتسعي لتشجيع وإطلاق الطاقات الفردية والإبداعات الفردية، وتحرم العقاب ومختلف مظاهر القمع المادي والمعنوي داخل المؤسسات التعليمية، كما تسعي لجعل التعليم بصفة عامة اكثر جاذبية وتشويقا بعيدا عن الجمود والروتينية والتلقينية. (9)
اما اذا تناولنا نسق التعليم المصري فسوف نلاحظ غلبة تلك الآليات عليه :
الحفظ والتلقين والالقاء، الامتحان، الثواب والعقاب، الاتباع والالزام والالتزام والطاعة، النموذج والنموذجية، الطريق الوحيد للتقدم .(10)
وبصرف النظر عن ان تلك الاليات السابقة هي نفسها اليات النسق الدينى والعسكرى معا، فقد كان لها اثار سلبية بعيدة المدي علي الدور الثقافي للتعليم المصري.
وفالحفظ والتلقين والالقاء قد ادى الي غيبة الحيوية عن العملية التعليمية، وانعدام الاجتهاد في قضايا المعرفة واغفل ملكات التذوق والشعور والاحساس كما اغفل التميز الفردي وسعي لقولبة التلاميذ في قوالب معرفية جامدة وميتة، وفي ظل تلك الالية اصبح كل المراد ان تنتقل المعرفة او بالاحرى المعلومات من صفحات الكتاب المدرسي الي لسان المدرس، الي ذاكرة التلاميذ، الي ورقة الامتحان في نهاية الامر، وهكذا تقفز المعلومات من هنا إلي هنا دون ان تثير عاطفة او تحرك راكدا من الفكر او تدفع الي عمل.(11)
اما الامتحان فقد تعملق حتي التهم العملية التعليمية كلها بينما المفروض ان ذلك الامتحان هو مجرد جزء من المنهج الدراسي يسعي لتقويم التلاميذ وارشادهم الي الصحيح والخاطي من المعارف والمهارات، ولكنه في ضوء ذلك النسق قد اصبح هدفا في ذاته يقيس كمية ما حصلة التلاميذ في ذاكرة قد لا تعي ما تحفظ من معارف ومعلومات واغفل ايضا الذوق والمشاعر والاتجاهات والوجدان.
وساهم في تأجيج سوق المذكرات والكتب الخارجية والدروس الخصوصية، وساهم ذلك بدوره في تأجيج الكثير من مظاهر الفساد المالي والإداري، وشيوع أشكال متنوعة من الغش الفردي والجماعي (12)، وهكذا اصبح التلميذ "يكبر الامتحان وهو تافه، ويعرض عن التعليم وهو لب الحياة وخلاصتها كما يقول طه حسين إما فيما يتصل بالثواب والعقاب ، فسوف نلاحظ انه قد جرت ألسننا على نطق اللفظين معا ، باعتبارهما متلازمين بالضرورة ، ولكن واقع الحال يؤكد أن العقاب هو الأساس فالذين لا تستوعبهم المدارس وهم عدد تصل نسبته إلي 20% من جملة الأطفال في سن دخول المدارس اى ما يزيد على ربع مليون طفل ، يعاقبهم المجتمع ابتداء فيحرمهم لأسباب مادية واقتصادية من دخول المدارس ، يضاف إلي هذا نسبة المتسربين من التعليم ، ثم يضاف إلي هؤلاء المعاقبون ممن قصرت بهم مجاميعهم الهزيلة عن دخول المدرسة الثانوية العامة ، فاضطروا لدخول المدارس الثانوية الفنية التي يزيد عدد الملتحقين بها عن ثلثي عدد طلاب المرحلة الثانوية كلها ، ثم يضاف أخيرا من قصرت بها مجاميهم في الثانوية العامة عن دخول الجامعة فاضطروا لدخول المعاهد الفنية المتوسطة او عن دخول الكليات الجامعية التي يرغبون فيها أو تتفق وميولهم وطموحهم . (13)
هذا بالإضافة إلي العديد من أشكال العقاب البدني والمعنوي الذي كثيرا ما يتجاوز فصول الدراسة إلي صفحات الحوادث في الصحف السيارة وساحات المحاكم .
وعندما اصدر وزير التعليم بآخرة قرارا بمنع العقاب البدني في المدرسة كان المعلمون اكثر الناس سخطا على القرار ورفضا له يضاف إليهم نسبة غير قليلة من الآباء وأولياء الأمور .
كل هذا مع أشكال متنوعة من الإكراه الأدبي فالتلميذ المخطئ يعاقب بزيادة الواجبات المدرسية وهكذا يعد التعليم نفسه لونا من ألوان الإكراه ، فضلا عن الإكراه المرتبط بضيق فرص اختيار المواد التعليمية نفسها .
وفيما يتصل بالاتباع والطاعة والالتزام ، فقد ارتبط بلون من ألوان البطريركية البغيضة التي تمتد من صانع القرار في أعلي السلم إلي التلاميذ في اسفله فالدراء يلتزمون التعليمات والنشرات والمعلمون يلتزمون التفتيش والتوجيه والكتاب المدرسي والتلاميذ يلتزمون الكتاب وأوامر المعلمون والإجابات النموذجية .
وهكذا يرتبط التمرد حتى وان كان حميدا والإبداع بالخروج على النص والخروج على السياق مما يعد بالنسبة للجميع تهديدا خطيرا لاستمرارهم في التعليم وساعدت تلك الآليات على سيادة الورقية في التعليم فالمهم إن يبدوا كل شئ ملتزما باللوائح والنشرات حتى وان كان ذلك على حساب الواقع والحقيقة والعقل .
كما ساهمت النموذجية والنمذجة على احتقار الجديد والمختلف وسيادة نوع من الخطاب الذي يمكن إن نطلق عليه الخطاب المواعظي الذي يهبط من أعلى لاسفل داعيا إلى التزام كل الفضائل وتجنب كل الرذائل ، بلا قراءة حقيقية للأشياء والملابسات والظروف وبلا تفاعل حقيقي على الواقع
ويبقى في النهاية الطريق الوحيد ، فهناك دائما طريق وحيد كالصراط المستقيم الذي يفضي في نهايته إلى الجنة ، طريق وحيد لدخول الجامعة ، وطريق وحيد للترقي .. واصبح على الجميع الإيمان والالتزام بذلك الطريق الوحيد و ألا اصبحوا على هامش النظام التعليمي كله ، واصبح من المستحيل أن يختارالطالب المواد الدراسية التي تتفق مع ميوله ، ونوع التعليم الذي يرغب في مواصلة الدراسة فيه .. وموعد الامتحان ، وارتبط بالطريق الوحيد أيضا الفرصة الوحيدة فهناك دائما فرصة وحيدة ، تضيق من فرص الاختيار والحرية أمام الجميع .
وفي ضوء كل ما سبق من آليات التبست التربية بالتعليم ولم يعد من السهل بالنسبة للجميع التمييز بين التربية وبين التعليم ، وهو تمييز نراه اليوم في ظل التأكيد على قيم الديمقراطية والتميز والتفرد والإبداع ضروريا .
* الخطاب الديني في التعليم :
ونعني بالخطاب هنا محمل المعارف والأفكار والممارسات والسلوكيات والاتجاهات والقيم والأنشطة ، فضلا عن المناهج الدراسية التي تهدف إلى ترسيخ رؤية دينية منغلقة متطرفة للعلم وللإنسان والمجتمع ،و مع تنامي ظاهرة التطرف منذ منتصف السبعينيات بدأت بعض الأقلام تشير على استحياء إلى دور التعليم فيها ،وكانت أحداث أكتوبر 1981 منعطفا حاسما في رؤية الباحثين والكتاب للعلاقة بين التعليم والتطرف الديني وفي الثمانينيات ومع استمرارا أحداث التطرف والعنف وسقوط أعداد كبيرة من أعضاء الجماعات الإسلامية في قبضة الامن أكدت الأبحاث والدراسات تلك العلاقة بين التعليم والتطرف، والتي كان من أهم مؤشراتها أن اغلب كوادر الجماعات المتطرفة وزعاماتها ممن تلقوا تعليما عاليا ، وان مجمل الأعضاء الذين يحملون السلاح في مختلف العمليات الإرهابية ممن تلقوا تعليما متوسطا أو عاليا ، أو تسربوا من التعليم في إحدى مراحله ومن المؤشرات الهامة والتي ينبغي أن نتوقف أمامها طويلا في هذا الإطار غياب الأميين غيابا يكاد يكون تاما عن التنظيمات المتطرفة بمختلف مستوياتها ومختلف أنشطتها في الوقت نفسه. ( 14 )
ولقد أدركت وزارة التعليم خطورة التطرف وأهمية مواجهته على كل المستويات ( 15 ) غير أن الإجراءات الواضحة التي اتخذتها وزارة التعليم هي ما يمكن تسميته بالإجراءات الاحترازية وتعني ابعاد المتطرفين من المعلمين إلى مناطق نائية أو تحويلهم إلى أعمال كتابية او إدارية بعيدا عن التدريس ، غير ان تلك الإجراءات في نهاية الأمر ليست إجراءات ناجحة وليست مضمونة النتائج وخاصة وقد تسرب إلى مناهج التعليم الكثير من أفكار التطرف الديني .
وقد شهدت فترات سابقة تحول كثير من المدارس إلى أوكار للتطرف حيث والغي النشيد الوطني كما الغيت تحية العلم ، وللحق فقد سعت وزارة التعليم إلى القضاء على تلك المظاهر ومحاصرة كل أشكال التطرف في التعليم ، وشكلت اللجان لتطوير المناهج الدراسية ورغم ذلك فمازالت كثير من المناهج تدعو للتطرف الديني وتحض عليه .
فكتب اللغة العربية تحتوى الكثير من الموضوعات التي تنطلق مباشرة من التراث الإسلامي ، كما تحتوي تلك الموضوعات على الكثير من آيات القران الكريم التي ترد في الكتب جميعا مسبوقة بفعل الأمر " احفظ " هذا على الرغم من أن الكتب مقررة على المسلمين والأقباط جميعا .
وتدعو كتب التربية الدينية الإسلامية لما يتنافى مع قيم التسامح وقبول الآخر ونبذ العنف واحتقار العلم فبعض موضوعاتها تسال التلاميذ : هل أطفال الأنابيب من صنع الله أم من صنع الأطباء ؟ وهل يحكم القضاة لارضاء : الله أم الحاكم أم الناس ؟ وقد تجاوز ذلك الخطاب الديني المتطرف كتب اللغة العربية وكتب التربية الدينية الإسلامية إلى كتب العلوم والمواد الاجتماعية ، و أصبحت آيات القرآن الكريم تتقدم موضوعات : الحيوان ، النبات ، الماء ، البيئة وغيرها .
والمشكلة هنا انه بينما يسعى المستنيرون إلى تحويل النص المغلق إلى نص مفتوح، تأتى تلك الآليات في مقدمة موضوعات العلم المختلفة لتحول النص المفتوح بطبيعته إلى نص مغلق. وهكذا تتحول أسباب فشل ونجاح الثورات إلى نصوص مغلقة وكذلك بالنسبة للتلوث والاقتصاد وغيرها من الموضوعات .
ويتسم الخطاب الديني في التعليم بثلاث سمات ( 16 ) :
السمة الأولى : مركزية الدين في جميع شئون المجتمع من سياسة واقتصاد وثقافة وقانون ، فالإصلاح الاقتصادي يتم عن طرق الدين ومن منظور ديني وكذلك الإصلاح الاجتماعي أو السياسي
والسمة الثانية : وهي الإدانة الأخلاقية للمجتمع ، فالمجتمع لا يكون مأزوما من وجهة نظر التطرف الديني لان هناك خللا وظيفيا في الكفاءات أو عدم موائمة أسلوب معين لهدف معين ولكن لان هناك انهيارا في الأخلاق وضياعا للذمة والضمير .
والسمة الثالثة : وهي نقد الفكر من خلال مفهوم الهوية والتي تقوم على الانتماء لدين معين ومن خلال هذا الانتماء يتم رفض الفكر قبوله أو بشكل مباشر، لا يقبل إلا ما هو نابع من الدين ومن المجتمع المعتنق لهذا الدين ، ويتم رفض كل ما ينتمي إلى أي ثقافة أخرى وقد شهدت الأشهر الأخيرة دعوة نشيطة للعودة إلى نظام الكتاتيب تبناها بعض أصحاب التوجه الإسلامي ولا شك أن تلك الدعوةهي صدى للكثير من مشكلات التعليم والشعور العام بتدهوره وتدهور مستوى خريجيه ، وهي في كل الحالات دعوة سلفية تجعل من الكتاتيب مؤسسات مقدسة تستعصي على التطوير والتغيير والتجاوز .
رابعا: التعليم والثقافة آفاق التغيير:
مما لاشك فيه ان الايمان بقيم الحرية والديمقراطية والتعددية والتسامح الفكرى ، والعقلانية ، وحرية الرأى والفكر والعقيدة ، وحقوق الانسان ،محاور اساسية لكل ثقافة عصرية تسعي للتفاعل الايجابي والاخلاق مع متغيرات القرن الواحد والعشرين .
ومن المهم في سبيل التاكيد على تلك القيم – السابق الاشارة اليها – اعادة الاعتبار الى فكرة ان المنهج الدراسي ليس هو الكتاب المدرسي المقرر فحسب – بل ان هذا المنهج من المفروص ان يشمل مجمل الانشطة والتجارب والمعارف والاتجاهات والافكارالتي تدور حول علم معين من العلوم ، ومن هنا فان الكتاب المدرسي هو احد مفردات ذلك المنهج ، وليس هو نفسه المنهج ، ولقد اصبح ذلك الكتاب المدرسي نفسه في ضوء الكثير من الملابسات التي اشرنا اليها محورا للعديد من الظواهر التي تهدم العلم والتعليم من الاساس ، مثل ظاهرة انتشار الكتب الخارجية والملخصات التي اصبحت سوقا رائجة تعج بالمنتفعين واصحاب المصالح ومثل ظاهرة الدروس الخصوصية التي تحول ذلك الكتاب الى برشام او كبسولات يحفظها التلميذ ليضعها في ورقة الامتحان دون ان تترك في نفسه اثرا ، ودون ان تفعل فعلها في عقله وفي وجدانه ، ويظل الكتاب المدرسي مع ذلك محط انظار شلل المنتفعين من المؤلفين والمراجعين والرسامين والمستشارين وغيرهم من عديمي الموهبة والرؤية .
ومن الناحية العلمية والموضوعية لا يملك احد ان يمسك بين يديه كتابا قائلا: هذا كتاب تاريخ مصر الحديث " على سبيل المثال – فكل ما كتب في هذا المجال لا يعدوا كونه وجهة نظر لمؤلفه او مؤلفيه الذين لهم بلا شك توجهاتهم الفكرية وانحيازاتهم الايدولوجية التي ستنعكس على مؤلفاتهم مهما تحروا الدقة والموضوعية ، ولابد انهم في نهاية المطاف سوف يتبنون بعض وجهات النظر ويغفلون بعضها الاخر ، وسوف يبالغون في تقدير قيمة بعض الاحداث والاشخاص ، ويحطون من شأن بعضها الاخر ، وهو ما سينعكس كذلك بطريقة سلبية على العلم والمنهج والموضوعية .
ولقد كان هذا اللون من التفكير مناسبا لفترات الحشد الايدولوجي التي كانت الدولة تسعى فيها لتسويد وجهات نظرها وحجب وجهات النظر الاخرى ، وهو تفكير لم يعد مناسبا في ظل الانفجار المعرفي ، وتعدد مصادر المعرفة ، وحق الانسان في تكوين وجهة نظرة المتكاملة .
ان ما سبق ان ذكرناه عن كتاب التاريخ الحديث مثلا ، يصح ان يكون نموذجا تقاس عليه مناهج اللغة والادب والمواد الانسانية كلها ، بل والمواد الطبيعية والرياضية في نفس الوقت ومع كل ذلك يعلم من عمل بالتدريس او اقترب من عالم المدرسين ، ان المدرس وبفضل ذلك الكتاب المدرسي المقرر نفسه ، يقوم بمذاكرة الكتاب في العام الاول من عمله بالتدريس ، مثله مثل الطالب تماما ، وبعد ان يقوم بتدريس موضوع من الموضوعات مرة واثنتين وثلاث مرات ، يكاد يحفظه تماما ، هنا تنتهي علاقة المدرس بالكتاب ، فضلا عن انقطاع علاقته بالعلم نفسه من الاساس ، ويكتفي المدرس بنقل مذكراته التي سجلها في دفتر التحضير عاما بعد عام ، وتتوققف معلوماته عند ما سبق ان عرفه في اول عهدة بالتدريس ، رغم الحديث المكرر عن تراكم المعرفة في جميع المجالات والعلوم التي تتضاعف اليوم كل بضعة اشهر
وفي ضوء هذه الرؤية للكتاب المدرسي وعلاقته بالمنهج ستظل محاولات تطوير الكتاب جزئية ووقتية ومكلفة ، ومحكومة في نهاية الامر بالاطار الذي تمت فيه التوجهات التي تتبناها .
ومن المهم والحال كذلك ان يستعاض عن ذلك الكتاب المدرسي بدليل صغير الحجم يوضح ما هى الاحداث والمفاهيم والقوانين والتجارب والانشطة التي ينبغي على التلميذ ان يلم ببعضها في اعوام الدراسة المختلفة ، كما يشمل هذا الدليل بعض الاوعية المعرفية لهذا العلم او ذاك كالمراجع الاساسية والمكتبات والمتاحف المتخصصة والافلام التسجيلية او الدرامية المفيدة في بعض الحالات .
وهنا بلا شك تتفتح ابواب العلم امام التلميذ ويصبح عليه ان يحصل معارفه مباشرة من مصادرها الاصلية بلا وصاية من كتاب مقرر او معلم متسلط ، بل يصبح دور المعلم هنا هو تيسير العلاقة بين التلميذ والمصادر المعرفية المختلفة ، ومناقشة تلاميذه للتاكد من قدراتهم على تكوين وجهات نظر حقيقية تجاه المعارف المختلفة ، وارشادهم الى مصادر ووجهات نظر جديدة لم يهتدوا اليها ، وتنظيم النقاش الذي يدور بين التلاميذ في القضايا لعلمية المختلفة بالاضافة الى تقويم بحوثهم وتجاربهم ، ولا شك ان الابواب المفتوحة بشكل مباشر بين التلاميذ ومصادر المعرفة ستجعلهم يدركون بشكل عملى حقيقة نسبية تلك المصادر ونسبية المعرفة فسها ، تلك النسبية التي تعد بلا شك احد اهداف العلوم المختلفة بدلا من الحقائق الجامدة والمعلومات المغلقة التي تهيئ الاذهان للتعصب والتطرف والدوجماطيقية .
كما ان تلك الابواب المفتوحة بين التلاميذ وبين مصادر المعرفة ستجعلهم يتابعون بانفسهم حركة العلم في نموه المتسارع عبر الدوريات العامة والمتخصصة ودوائر المعارف والكتب ، وستجعلهم يضعون الحقائق المتجددة دوما في مكانها اللائق من اذهانهم وهنا ستصبح اخر الاكتشافات حول الكون ونشأته وحول الاستنساخ والهندسة الوراثية وحول اكتشاف انسان ما قبل التاريخ ذات معنى حي وخلاق وفعال عند المعلمين والتلاميذ على السواء .بدلا من ان تعني كل هذه الحقائق المتخصصون فقط فيصبح المعلمون والتلاميذ والتعليم في واد ، وحقائق العلم والحياة في واد آخر . (17)
المهم ان ندرك في النهاية ان مدرسة المستقبل لن تكون هي المدرسة التي تنجح في حشو أدمغة التلاميذ بمعلومات جافة، ميتة عفي عليها الزمان، بل تكون هي المدرسة التي تنجح في تعليم التلاميذ كيف يفكرون وكيف يبحثون بأنفسهم عن المعلومات، وكيف يتعلمون، هنا فقط يمكن الحديث عن تعليم عصري ومناهج تعليم عصرية .
كما ان من المهم ان تؤخذ الامكانيات التكنولوجية في التعليم بجدية تلك الامكانيات التي ستحد من الآثار السلبية المتعددة لكثير من ممارسات القمع داخل المدرسة، كما أن الامتحانات بواسطة برامج الكمبيوتر ستحد من كثيرا من الآثار النفسية المرتبطة بالامتحانات (18) ، كما ستضعها في اطارها الصحيح باعتبارها آلية من آليات التعليم.
وإذا كان من المهم السعي بجدية وبإصرار نحو علمنة التعليم، تنظيما، واداراة، ومناهجا، فمن المهم ان نبدأ بقطع الصلة بين مناهج التعليم والخطاب الديني، والاقتصار علي منهج التربية الدينية في ذلك الخطاب الديني الذي ينبغي ان يكون خطابا دينيا منفتحا ومستنيرا وعقلانيا. كما ان من المهم ان يقوم علي تحديد مناهج التعليم لجان محايدة من اهل الاختصاص والخبرة يتمتعون باستقلال كامل عن الوزارة .
وهنا لاشك ان اعباء وزارة التعليم جد ثقيلة ولذلك فمن الممكن السعي لتخفيف اعبائها لكي تكتفي فقط بإدارة العملية التعليمية، علي ان تضع المناهج لجان مستقلة كما اشرنا، وان تقوم لجان مستقلة ايضا بعمليات التقويم المختلفة للمعلمين والتلاميذ علي السواء، واضعة في اعتبارها توصيف علمي دقيق لمهارات العلوم المختلفة في الصفوف والمراحل التعليمية المختلفة ومراعاة مفاهيم الجودة التي انتقلت الان من عالم السلع الي عالم البشر ولابد ان تكون هناك مواد ومناهج دراسية موحدة في المراحل الابتدائية، تلتزم بها جميع مؤسسات التعليم - الخاص والحكومي والازهري – سعيا لتاكيد التجانس الثقافي والتماسك الوطني، علي ان يطلق العنان للمؤسسات التعليمية في تميز برامجها بعد هذا الحد الادني من المناهج .
ويبقي في النهاية أهمية تصفية احتكار الدولة لإدارة الحياة المصرية العامة، فليس معقولا اليوم وغدا، ان تنفرد الدولة بكل الوظائف العامة، وان تبعد المجتمع والجماعات المحلية عن وظائفهما الطبيعية في إدارة الحيوات الأقتصادية والثقافية والتعليمية والأعلامية...الخ. (19)
وفي هذه الحالة يمكن ان تحتفظ الدولة لنفسها بحق الأشراف علي التعليم مع إتاحة الفرصة لمؤسسات المجتمع المدني لكي تتخذ قراراتها وتدير شؤنها بطريقة مستقلة (20) وتتحول الدولة من دور المحتكر الي دور الضامن .
مراجع وهوامش
(1) سليمان نسيم ، صياغة التعليم المصري الحديث. دور القوي السياسية والاجتماعية والفكرية23/1952
( القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1984،ص198 .
(2) المرجع السابق، ص141 .
(3) محمد ابو الحسن، محمود عثمان، طه حسين وديمقراطية التعليم (القاهرة: دار المعارف، سنة 1951، ص57 .
(4) كمال مغيث: الحملة الفرنسية في مقررات التاريخ بالتعليم المصري في من الزمان محاضرة
" سيداج مايو 1998 " .
(5) شكرى محمد عياد، مدارس بلا تعليم وتعلم بلا مدارس ( القاهرة: اصدقاء الكتاب، سنة 1999، ص47 .
(6) المرجع السابق. ص48 .
(7) الهام عبد الحميد، الهوية الوطنية في المناهج التعليمية. دراسة تحليلية نقدية، بحث في: التعليم وتحديات الهوية القومية، تحرير: كمال مغيث ( القاهرة: دار المحروسة ومركز البحوث العربية سنة 1997، ص245 .
(8) نبيل علي، العرب وعصر المعلومات، سلسلة عالم المعرفة ( الكويت) عدد 184، سنة 1994، ص 385 .
(9) مسعود ضاهر ، النهضة العربية والنهضة اليابانية. تشابة المقدمات واختلاف النتائج، سلسلة عالم المعرفة
( الكويت، عدد 252، سنة 1999)، ص 385 .
(10) نبيل علي، العرب وعصر المعلومات، مرجع سابق، ص 389 .
(11) محمد ابو الحسن، محمود عثمان، طه حسين وديمقراطية التعليم، مرجع سابق، ص112 .
(12) شكري محمد عياد، مدارس بلا تعليم، مرجع سابق ص 46 .
(13) اسماعيل حسن عبد الباري:" انساق الهوية عند الطفل في مجتمع متغير بحث الي المؤتمر السنوي للطفل المصري تحت عنوان: الطفل المصري وتحديات القرن الحادي والعشرين "، جامعة عين شمس، القاهرة مركز دراسات الطفولة، 27- 30 ابريل سنة 1991 ، ص 16 .
(14) كمال مغيث، الخطاب الديني في التعليم ( القاهرة: رسائل النداء الجديد العدد 41، سنة 1997 ) ص 9، 102 .
(15) حسين كامل بهاء الدين، التعليم والمستقبل ( القاهرة: دار المعارف سنة 1997 ) ص 54 .
(16) انور مغيث، التعليم والتطرف: ملاحظات حول منهج الفلسفة للثانوية العامة بحث في : التعليم وتحديات الهوية القومية، مرجع سابق، ص 234 .
(17) كمال مغيث، نحو مناهج تعليم عصرية، صحيفة الاهرام 27/7/1998 .
(18) بيل جيتس، المعلوماتية بعد الانترنت . طريق المستقبل، ترجمة: عبد السلام رضوان ( الكويت: سلسلة عالم المعرفة، عدد 231، سنة 1998 ) ص 316 .
(19) عبد المنعم تليمة، التحولات العلمية وخصوصية الثقافة المصرية، بحث في : الثقافة المصرية في مطلع القرن الحادي والعشرين ( القاهرة : الهيئة العامة لقصور الثقافة، سنة 1999 ) ص 20 .
(20) السيد يسين، العولمة والطريق الثالث ( القاهرة: دار ميريت للنشر والمعلومات، سنة 1999 ) ص 149 .
مؤسسة طه حسين للتربية المدنية


