تقول الأخبار أن البروفسور عارف دليلة، يعاني وضعاً خطيراً، في السجن؛ وما الجديد؟ ألم يكن يعاني مثل ذلك ـ وإن عصبياً ونفسياً ـ من قبل؟ بل ألم يكن، ولا يزال، وطنه يعاني مما هوأشد وطأة وعسفاً وفظاعة؟
من الذي أجبره على أن يكون خبيراً في شؤون وشجون وطنه وشعبه؟ ومن أغواه في أن يستخدم عقله ـ تلك الأداة الحادة، والممنوعة على غير البالغين، من الرجال (الساهرين على أمن الوطن والمواطن)، وعارف دليله ـ مثله مثل وطنه ومواطنيه ـ لم ولا ولن يبلغ مثل هذه المرحلة المملوكة حصريا لصاحب الغلب والحول والطول والجبروت، يرهب بها عدو الله وعدوه (ولا فرق)!!؟
مجرد وجود شخص مثل عارف دليلة، في وطن يقوم على أسطورة محاربة إسرائيل وحماية الحدود والبلاد والعباد من مخاطرها على وجود ومستقبل وهوية "الأمة"؛ كان يكفي لفضح ما تنطوي عليه هذه المتاجرة الفاسدة، والمزايدة في سوق السياسة السوداء. لقد أشهر عارف دليلة حقيقة المسؤولين في البلد، حين كشف عن الخراب الذي تخفيه دعاياتهم الكاذبة، واتهمهم ـ وجهاً لوجه ـ حين أنهى محاضرات له ـ حاولوا مراراً طمسها، مرة بالتأجيل، وأخرى بالتعتيم ـ ضمن برنامج جمعية الثلاثاء الاقتصادي، في المركز الثقافي، فرع المزة: "لا تظنوا أني أشكومن جهل المسؤولين في هذا البلد. بل أنا أشكو من فرط ذكائهم. وأعتقد أنه لو كان يحل محلهم مسؤولون إسرائيليون لما استطاعوا أن يعيثوا فساداً وتخريباً بالبلد كما فعل هؤلاء، وبهذه السرعة"؟ وذلك قبل أن يحدد مواضع الدمار الذي ألحقته آلتهم البيروقراطية المؤسسة على التشويه والتجهيل، لتوفير كل السبل الممكنة لجعل الفرصة المتاحة للنهب، المفتوح على كل الجهات، بأقصى الإمكانيات، بكل الأوقات، وفي كافة الأماكن والمكامن التي تختزن ثروات الوطن.. مما ترك الوطن في حالة من الموت السريري؛ التي من علاماته (بل أخطرها طرا) الفارقة عن أية دلالة على الحياة، في الإنسان وفي موطنه على السواء، هي علامة تقنُّع المواطن بقناع الجهل، وسيلة وقائية ـ توصل إليها بتجاربه المرة، أوبمشاهداته لـ"رأس الذئب المقطوع"، أو بغريزة الخوف الوطنية التي يحق للنظام الأمني أن يسجلها براءة اختراع محلية ـ يتنصل المواطن بفضلها من كل صنوف المعرفه اتقاء شر العقاب العسفي المريع.. وهذا على النقيض من الدافع الطبيعي لدى بني الإنسان، في التقنع بقناع المعرفة، والتمظهر بسلوك خادع ـ بالأصح متجمل ـ يبدي أفضل صورة له، معرفياً، خلقياً، في الهيئة، أو في ما سوى ذلك من الخلال والخصال، والأوجه التي تضفي على الإنسان معاني ودلالات أكثر تحضراً ورقياً وجمالاً.. ويخفي ما سواها من النسخ المشوهة!
وعلى ذلك فقد كان لا ينقص المجرمين المتلبسين سوى أن يلحقوه بالوطن، فيما هو بين الخراب الذي ألحقوه بالوطن، والدمار الذي خلفوه بالمواطن البسيط، ذي التطلعات القريبة واليومية، بالتدمير الذي أوقعوه بالمواطن العالم العارف الحر الكريم الأبي (بالتخصيص والتعميم)، الذي يحملون تجاهه حساسية مرضية خبيثة (معندة)، تستنفر لها كل أجهزتهم الدفاعية، على نحو مفرط ـ على منوال المرض المناعي ـ يجعل من أي دواء مجرد مسكن مؤقت، ويحول أي حلم بالعلاج الناجع إلى مجرد وهم!
ولا تزال الأخبار عن سوريا تسابق خيال كتاب الواقعية السحرية، وتقف تحدياً لكتاب محليين كسر الواقع العبثي عين خيالهم، فباتت كليلة خجلة.. وإذا خرجت قليلاً عن موضوعي، أتساءل إن كانت أخبار القرن الواحد والعشرين تتحمل نكتة مثل التي حدثت في مدينة السلمية، حيث استدعيت طفلة في الصف الأول الثانوي (بعمر خمسة عشر عاماً)، للمثول أمام المحافظ ـ في حماه ـ ليحقق معها، ويؤنبها، ويحذرها (لا ليكافئها) على مقاصدها من كلمات قصيدة ألقتها في مدينتها!!؟ أو مثل ما حدث لطفلة أخرى، من إدلب، أصغر منها، نالت جائزة ـ في واحد من المهرجانات العالمية ـ وراح والدها يعد خسائره للوقت والجهد والمال، بعدد سفراته إلى العاصمة، تعقباً لمصير الجائزة.. ومن سفير إلى وزير.. ومن وزير إلى رفيق.. ومن رفيق الى رفيق.. والجديد في الخبر ليس محاولة الاختلاس، وتضييق الطريق ومحوالأثر، وتهديد المطالب بالحق؛ الجديد هو وقوع المختلس أمام فضيحة عالمية دفعته أخيراً لاختراع حل للمشكلة!
ترى هل كانت شخصية العارف دليله (كما أطلق عليه الزميل نبيل صالح) تحضن ازدواجية بين القول والسلوك، إلى الدرجة التي جعلته يقدم على الترشح للبرلمان في نظام طارد للعقول، مبدد للثروات الوطنية، مخمد للطاقات، ومبيد لفاعلية المؤسسة التشريعية، على قدم المساواة مع المؤسسات الأخرى، بدءا من نقابات الفنانين والعمال والشبيبة (الشباب)، والمعلمين والكتاب والصحافيين والفلاحين، والمحامين والأطباء والمهندسين وغرف التجارة والصناعة، انتهاء ـ وربما ابتداء ـ بالتمثيلات المحلية الصغيرة.. هذا عداك عن التوغل في عملية التجني على الأطفال، عبر ما يسمى "منظمة طلائع البعث"، على نموذج الأنظمة الشمولية البائدة ـ كنوع من اغتصاب عقول القاصرين.. الخ؛ بل ويحرص على أن تنحدر (المؤسسات) إلى ما دون اللافاعلية، بمعنى الفاعلية السلبية. عبر عملية إفساد طويلة المدى، أفضت إلى تجنيدها في ركابه ـ بدلاً من تمايزها في سلطات موازية له ـ دفاعاً عنه، وفتكاً بخصومه (بأبنائها، الذين يفترض بها أن تنتصر وإياهم للحياة، ضد الموت والأموات)، مما حولها إلى ما يشبه القطعات العسكرية، متعددة الاختصاصات، تجمعها مؤسسة واحدة وحيدة، هي مؤسسة المؤسسات (مؤسسة الفساد)، التي حازت شرطاً إعجازياً ـ هو ضروري في زمن التقليعات الديموقراطية ـ يؤكد صدق تخوف الدكتور عارف دليله من فرط ذكائهم، يتجلى في ضمان مظاهر الديموقراطية الحقيقية، متمثلة بصندوق الاقتراع، وتأمين تأبيد النظام، بنفس الوقت، عبر تقديمها له نظاماً مدنياً حضارياً، ليس بمقدور أحد المزاودة عليه (من يمين أو يسار).
أكان عارف دليلة إذن يحمل مثل هذه الازدواجية البسيطة، والتي لا تليق بعقل مركب كالذي يحوزه خبير في الاقتصاد، وفي السياسة مثله؟ أعتقد أن الجواب بالنفي. ودليلي على ذلك اشتغاله فردياً، في بلد طالما أحبه، واستشف معان نجاح مواطنيه أفراداً (لا سيما في الغرب)، وفشلهم جماعات. وهي معاني لا تنفصل عن فساد النظام الشمولي. ولا يختلف انخراطه في العملية الانتخابية، غب مفاخرة النظام بالشروع بعملية الإصلاح، عن حربه الدونكيشوتية ـ النبيلة وغير المتكافئة (الشاعرية) قبل ذلك ـ في العملية التعليمية، التي هزمه الأقزام فيها، آنذاك، على يد كبيرهم المنتحر (كما أشيع)، لأسباب تتعلق بنزاهته، المكتشفة، بين ليلة وضحاها، بعد 15 سنة من خدمته الإفسادية الأمينة. أوالمنحور (كما أشيع أيضا)، بأكثر من طلقة، ولأسباب تتعلق بتوهمه أنه يشغل مكانا يسمح له بوضع الشروط!!؟
لقد خاض عارف دليلة الانتخابات النيابية غير واهم (إلا بالقدر الذي تحمله النبالة من وهم)، بأن ثمة جديداً سيوفر شرطاً سحرياً من العدالة والصدقية والمنافسة الشريفة، قبيل وخلال وبعيد العملية الانتخابية؛ إن لم يكن له ولشريكه في القائمة الانتخابية (الصناعي الوطني رياض سيف)، فله هو بالتحديد والتعيين والتخصيص. وبرغم السابقة التي انفرد بها الشريكان (تقديم برنامج انتخابي)، ولم تكن من قبل معهودة، وبرغم أن المترشحين تقاسما الأصوات؛ ولكن، ولأن سيف لم يكن قد وضع بعد على لائحة الثروات الوطنية المطلوب رأسها.. فقد اكتفت الديمقراطية المحلية برأس عارف.. وأتذكر التقائي به مصادفة في الحلبوني، يومها، وكان قافلا من ميدان وزير الداخلية، حيث أنهى للتو معركته هناك مع طواحين البشر، متحدياً الوزير ـ المتظاهر بالأسف ـ أن يكون أي من الصناديق خالياً من أعداد مقترعين له.. وطالب بحقه في فتح أحد الصناديق، ليكتشف البطاقات التي تحمل اسمه بالعشرات. والتي لم تهز شعرة في شارب الوزير. وكان هذا أمراً طبيعياً ـ يدركه عارف ـ ما دامت شوارب الوزير ليست ملكاً له! كما يدرك الآن أن شوارب خلفه ليست ملكاً له أيضاً. في وطن لا ملك ولا إله فيه إلا لواحد أحد.. وسواه لا أحد.. ولهذا فمن المؤكد أن مرض عارف داخل سجنه، ومثله مرض الوطن داخل قيوده، هي مجرد أشياء تزول.. والمهم أن يبقى الفرد الصمد.. وإذا كانت الحضارة الحديثة تتعرف بقيمة الفرد، فحضارتنا أجدر بالتسمية؛ لأنه ليس فيها سوى الفرد!

(*) صحفي سوري