عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

علي ديوب قوة الخروج على القانون

 

 

2007-02-04

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

هل هي فورة الروح، تلك الحالة من الانتعاش التي يبدو عليها النظام السوري اليوم؟ ام انها نوع من استعادة فعلية منه للمبادرة، بفضل الضعف الذي آل إليه الاحتلال الامريكي للعراق؛ و شعور هذا الأخير بالحاجة للاعتماد على قبضايات المنطقة، للسيطرة على الانفلات العراقي الرهيب، اذ لم يجد بدا من التعامل مع المكروه، وهو هنا النظام السوري، الذي سبق له أن تعامل معه واستخدمه في السيطرة على الحرب الأهلية في لبنان السبعينات؟ إذا كان الاحتمال الأول هو المرجح، فهذا لا يجافي طبيعة الأمور، على النول التقليدي الذي يرسمه المسار العام لحركة التاريخ، بوصفها تلفظ الخارج عليها، أو المتخلف عنها. ولكن الاحتمال الثاني بما ينطوي عليه من اعتراف بنفوذ التدخل السوري في اوساط ما تسمى المقاومة العراقية، يتأسس على إقرار نهج القوة الغاشمة مبدأً سيدا في السياسة وفنون الصراع الحديثة. وهذا يعني أن القرن الجديد ينذر بسلسلة من الانحطاطات تتخذ شكل حروب من النوع الذي قد لا تجد لها حلولا.. بعد استنفاد دور الامم المتحدة، من جانب، وبروز نوع جديد من القوة غير المألوفة، من الجانب الآخر، وأقصد العصابات النووية ـ بما تحمله الكلمة من معنيين بالعربية: نواة ونوية ـ أي جماعات صغيرة فاعلة نشطة ومرنة، تستفيد من منتجات ثورة الاتصالات، و تتسلح بأخطر المبتكرات البشرية من الأسلحة غير التقليدية، التي تسربت عبر مافيات ما بعد انفراط الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية.. وفي هذا مؤشر لانعطافة جديدة في تاريخ البشر.
حفلة استقبال المخلّص
أيا تكن نوايا الادارة الأمريكية من غزو العراق، فإن مآل الأمور شرّع، أو أنه طبّع مع كل ما كان يبدو من قبل نشازا، بمنظور البشر: للسلوك المافياوي، وقانون البلطجة وقطع الطريق( هنا على سيرورة الديمقراطية)، و ما يجمع ذلك من روابط متينة مع نظم الحكم الاستثنائية، بشموليتها، و قوانينها العرفية، وحالة الطوارئ المرتبطة ـ أبديا ـ مع دوام غلبة النظام الشمولي نفسه. و في هذا ما فيه من إعاقة للخطوة النوعية التي يتأسس عليها تقدم التاريخ الإنساني، باتجاه إنشاء محكمة دولية تمتلك أسباب التدخل في شؤون محميات القرن التاسع عشر وما سبقه، و اتخاذ احكام عادلة تحمي الضعيف من القوي، وتقتص للمجني عليه من الجاني.
و أكثر من ذلك فإن المؤشرات الباعثة على الشؤم، تنبئ بانقلاب على التاريخ، بل بجرّه والسير به نحو عودة أبدية محمولة على عقائد قيامية( من قيامة)، تمهد لعودة ظهور الإمام المنتظر، هنا، أو المسيح، هناك؛ كما لو ان هذا أو ذاك لا يستطيعان الظهور من غير تمهيد الأرض بسفك الدماء!
و لكن ولكي لا أخلط الواقع بالمتخيل، وأقفز عن المعطيات للأخذ بالاحتمالات، أميز بين ديمقراطية أمبريالية، إذا جاز التركيب، في توصيف السياسة الأمريكية النازعة إلى تعميم الديمقراطية بالقوة ـ ما يسيء إلى مفهوم الديمقراطية أساسا ـ وبين نظام عروبي اعجوبي (سوريالي، بحسب يوسف عبدلكي)، لا يزال يستفيد من خصوصية قضايا المنطقة، و على رأسها القضية الفلسطينية التي تستقطب عدالتها التعاطف الدولي، علاوة على الإسلامي و الإقليمي، فينجح في التلطي خلفها واستثمارها والمتاجرة بها، على نحو غفر له الخطايا وبرر له الأخطاء. بل وأول الكثير من سلوكاته المشبوهة، ما اسبغ عليها معاني البطولة والشجاعة، على يد جهابذة اتحاد المحامين العرب أنفسهم. من يفترض فيهم أن يكونوا دعاة دولة القوانين والحريات.
الديمقراطية مفهوم ينطوي على الاعتراف الفعلي والعملي بالتعدد، فأمريكا أكثر من أمريكا: هناك أمريكا واحدة النظام، كما هنا أمريكا الاحتلال. فهذه التي يقترف جنودها في العراق الفظائع، سواء في السجون، أو في الشوارع، و البيوت حتى؛ تجد من وما يضبطها هناك ـ كما هو حال نظم الديمقراطيات الحديثة، باختلافات طفيفة ـ و ذلك عبر آليات رقابة وفضح ومحاسبة. ولهذا نجدها تحاكم على الاقترافات، وتتخذ الأحكام.. الخ.( و هذا لا يبطل وجاهة الانتقادات التي توجه إليها لامتناعها عن إخضاع جنودها للمحاكمة في أي بلد آخر).
أما الأنظمة المخلدة ـ وبسبب من أنها التعبير السرمدي القائم الكافي والوافي عن شرف الأمة( قومياً)، والبشرية( دينياً)، وعزتها وروح الصمود و التصدي فيها ـ فإن السلطة الحاكمة فيها تتصرف، بكل زهو المتحدي، و جلافة المتغطرس، وعنجهية الفالت أو الخارج على أية قوة في العالم ( مثلها في ذلك مثل ربيبها حزب الله الذي يتفاخر بتحدي أي قوة (دولية أو محلية) تحاول نزع سلاحه ـ الأمر المشترك الذي يؤكد أنهما يستعملان السلاح لأغراض ظاهرها المقاومة ضد المحتل وحقيقتها المقاومة ضد العدالة العالمية، ودولة القانون)؛ بل وإعلان النظام الشمولي العروبي الأعجوبي عن تحدي كل أنواع القوى هذه، عبر التصريح الصلف برفض تسليم أي متهم للمحكمة الدولية.
و في شرح موجبات المصطلح الذي نحتناه آنفا، لمقاربة تركيبة فريدة في التاريخ، لنظام يدعي هذه الفرادة و رن حيثما نقرته، يبرز السؤال عن معنى رفض النظام السوري أن يحاكم ـ في محاكمه، التي تدار من قبل جهاز السلطة مباشرة ـ أصغر جندي ممن ارتكبوا الفظائع الأشنع ضد كل الفرقاء في لبنان( الشقيق)، قبل وبعد أن استقامت له الأمور فيه، وأمن هناك ما يسميه استتباب الأمن: والمواطن السوري أدرى بترجمة العبارة هذه ـ التي أصاب داعية حقوق الانسان هيثم مناع، بوصفها بسلام القبور!!؟؟
لن نسأله عن الارتكابات منذ دخول جيشه.. فهذه تحتاج لمحاكمات لا تنتهي بسنين وسنين.. ولكن لو فعل وعقد ولو محكمة صورية لمحاسبة صورية لمن حدثت جريمة اغتيال الحريري في عهده.. لا .. بل لو فقأ أعين الحاسدين بمساءلة ضابط صغير عن سرقة لا دولة بقضها وقضيضها، وليس فقط براد شاي، وليس براد منهوبات من كل الأصناف: تحف، أدوات كهربائية، منزلية، مفروشات.. وحتى الأكسسوارات الثابتة، من قبيل صنابير المياه، والنوافذ ( تحسبا للأيام السوداء، فإذا طرد من الباب، يجد النافذة بين بيديه.. فيفتحها ويدخل بلا استئذان!)!
أما إذا كان الإباء هو الذي منعه من التدخل في شؤون الغير، بأن يحاسب جنوده على الأرض اللبنانية؛ فهل منعه الإباء نفسه من الاعتراف بأن هذا من صلاحيات السلطة القضائية اللبنانية ـ طالما كان عمله مجرد نوع من التضحية المخلصة، لما فيه "مصلحة الشعبين الشقيقين والأمة العربية"؟ وهنا لا يمكن للمرء إلا أن يتذكر أحكامه القرقوشية، من مثل الملاحقات القانونية بحق مواطنين لقاء مبالغ مالية من فئة أجزاء الليرة السورية الواحدة، رغم أن هذه ـ و لا شماتة ـ من أصغر وحدات النقد في العالم. و هذا ليس من عندي، أو على السمع، بل من أخبار منشورة في الصحف المحلية، تجد مساحة حرية في نشر تساؤلات عن أهمية تبليغ مالي لا يتجاوز بضع الليرات، يكلف دوريات الشرطة أضعافا مضاعفة ـ هذا إن لم تقارن بالأموال المنهوبة من الاقتصاد الوطني و مؤسسات الدولة، كما من جيوب المواطنين المضغوطين بنسبتهم الغالبة تحت خط الفقر المتعارف عليه عالميا. وتبقى المفارقة، مع ذلك، في أن سورية من البلدان التي يكاد يكون الفساد فيها مقونناً؛ أوله الفساد السياسي، الذي بدأ مع فرض النظام عقد زواج بالإكراه على مجموعة من الأحزاب، تحت اسم الجبهة الوطنية التقدمية، التي اقتصرت مهمتها على تشريع جميع ما يرتكبه من خروقات ـ بحقها هي قبل سواها ـ و كبائر بحق الدستور والمواطن والوطن وسواهما من الأشقاء والأصدقاء، مقابل حصة محددة( فتات) من منهوبات الوطن الذي استأثر الأسد منه بحصته؛ بعد أن أحاله إلى بلد أمني مهمته، بحسب توصيف الطيب تيزيني: "إفساد من لم يفسد بعد، وجعل الجميع مداناً تحت الطلب!".. دون أن يبدو سلوكه بتحريم تأسيس أحزاب على أساس ديني( الأخوان المسلمون وغيره) متناقضاً مع موقفه المناصرـ بل الداعم المحرك و المتلاعب ـ لأحزاب دينية في بلدان شقيقة، مثل لبنان و فلسطين: مرة اخرى، الجواب لدى اتحاد المحامين العرب!!؟
الشرع و رؤيا العودة
حدثني قريب لي خدم الجندية، في بلدة بحمدون اللبنانية، عن شكوى تقدم بها أحد أثرياء المنطقة للضابط قائد الكتيبة، بشأن رفض الخادم الآسيوي لديه الاستمرار بالخدمة، ونيته في العودة لبلده؛ فاستجاب الضابط بأن أخضع الخادم المستوحش لعملية تعذيب على أيدي جنوده ( قوات الردع العربية ـ كما كان اسمها في لبنان)، حتى انتزع منه إذعانا بالخضوع والرضوخ لخدمة سيده.. و لما سألت قريبي إن كان ساهم بقسط من النضال ضد هذا الآسيوي؟ أشار بحركة من رأسه تعني الإقرار.. ثم أكمل، بنوع من تبيان الأسباب: لقد أنذرنا الضابط بحرمان من يرفض الأمر؛ ولقد عاقب أحد الجنود بحرمانه ليس فقط من المغادرة الدورية (زيارة خاطفة للأهل)، بل حرمه طيلة الخدمة الإلزامية من رؤية خطيبته في البلدة المجاورة عاليه، على بعد بضعة كيلومترات، فتبدلت حاله إلى كآبة مخيفة وصار كالمخطوف، أو المجذوب، تتعلق عيناه بعاليه الحلم المستحيل. قوات الردع تسمية ليست عن عبث!
كم من قصص وحكايا سوريالية اقترفت في لبنان، ليست هذه السالفة إلا من هامشية بالقياس لها.
هنا تحضر إلى الذاكرة المنهكة عبارة الشرع المتنمر حول ما يعانيه لبنان، اليوم، وقوله بنوع من الشماتة الدفينة خلف سحنته الديبلوماسية، وبحركات المتمنع المتصابي بأنهم لن يدخلوا بلبنان؛ ولكنهم لو دخلوا لحسموا الأمر بسرعة!
يحق له أن يتنمر، كما حق لضابط مخابرات سابق أن حذر أمريكا من النتائج الكارثية المرتقبة، التي ستعقب إخراجهم من لبنان؛ ما دام قانون المنطقة هو هذا.. و لم تبلغ الرشد بعد. أو لم يعترف لها بأنها بلغته، و لن يسمح لها بأن تبلغه، على يد هؤلاء الولاة­ أصحاب المجد التليد، و الخبرة المتأصلة فيما يخص تأديب الناس، عبر ألوان من السلوك المنفلت من أي عقل أو قانون أو حساب.

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة