تبدو ايران اليوم وكأنها محور في احداث الشرق الاوسط، سواء بالنسبة للاحدث الجارية او للاحداث المستقبلية. ذلك انه من الصعب رؤية ما يجري في لبنان والعراق وفلسطين ومناطق اخرى بعيداً عن حضور ايران، كما ان موضوع ملف ايران النووي وما سيؤول اليه من نتائج امر يفرض نفسه ليس في منطقة الخليج وحدها، وانما في الشرق الاوسط كله.

وحضور ايران في احداث ومجريات المنطقة، لا يعود الى انها واحدة من أكبر واهم بلدان المنطقة فقط، انما يعود الى السياسة التي تتابعها في المنطقة وفي العديد من بلدانها، والتي تركز على تدخلات نشطة من شأنها تقوية حضور وفاعلية ايران عبر علاقة مع الدول ومع الجماعات السياسية المحلية، اضافة الى ما تقوم بها اجهزة ومؤسسات الدولة الايرانية من خطوات لتوسيع قاعدة حضورها في المستويات الشعبية وفي اوساط النخب. 

لقد ركزت الدولة الايرانية منذ نهاية الحرب العراقية – الايرانية في اواخر الثمانينات على اعادة ترتيب علاقاتها مع دول الجوار الاقليمي، ثم كانت فترة تولي الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي زمام السلطة في ايران لمدة ثماني سنوات مناسبة مهمة في تحسين العلاقات الايرانية مع البلدان العربية وتركيا بما مثله العهد الخاتمي من لجم لفكرة تصدير الثورة وفتح لبوابات الحوار وتطوير العلاقات مع دول المنطقة. وبفعل تلك السياسة تعززت وتقوّت العلاقات الايرانية – السورية أكثر من ذي قبل، وفُتحت وتطورت خطوط مهمة في العلاقات الايرانية مع المملكة العربية السعودية ومعظم دول الخليج العربية، اضافة الى تحسن نسبي في العلاقات مع مصر والجزائر والاردن. وبالنتيجة توسع الحضور الايراني في سياسات وعلاقات دول المنطقة، ولعل ما هو قائم من تحالف بين ايران وسورية، وما يجري من حوار حول القضايا الاقليمية بين طهران والرياض، يمثل بعض وقائع الدور الذي قامت به الدولة الايرانية لابراز حضورها في الشرق الاوسط ودوله. والمسار الثاني في تعزيز حضور ايران في المنطقة، اعتمد على علاقة طهران ببعض الجماعات السياسية في عدد من الدول. ولعل الابرز والأوضح في هذا المجال ثلاث من الجماعات المختلفة، اولاها حزب الله في لبنان، والثانية جماعات المعارضة العراقية، لا سيما المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق، والثالثة الجماعات المسلحة الفلسطينية وخاصة حركتي حماس والجهاد الاسلامي.

واتخذ تعزيز الحضور الايراني في العلاقة مع الجماعات السياسية المحلية مسارات زاوجت علاقة تلك الجماعات مع الدولة الايرانية من جهة ومع المرجعية الدينية من جهة اخرى، فأدت الى علاقات مركبة، يصعب الفصل فيها. وكمثال على ذلك، علاقة حزب الله اللبناني الذي يعتبر زعيمه السيد حسن نصر الله وكيلاً للمرشد الاعلى للثورة الاسلامية في ايران الامام علي خامنئي، مما يربطه بالمرجعية الدينية العليا، فيما يرتبط الحزب بعلاقات قوية مع الدولة الايرانية ومؤسساتها. وهي حال تتكرر ليس مع الجماعات العراقية ذات الاتجاه الشيعي فقط، بل ايضاً مع حركتي حماس الفلسطينية ذات الاتجاه السني، والتي تحوز على دعم مزدوج من جانب الدولة الايرانية ومن المرجعية الدينية في وقت واحد على ما تأكد في الدعم المالي الذي حصلت عليه حماس وحكومتها في الآونة الاخيرة.

لقد اعطت ايران دعماً كبيراً مادياً وسياسياً للجماعات الحليفة، وناصرت سياساتها ومهماتها، ووظفت مجمل علاقاتها لخدمة تلك الجماعات مقابل مستوى متقدم من علاقة تلك الجماعات وتوافقها مع السياسة الايرانية ومع مواقف المرجعية الدينية الايرانية الى درجة بدا وكأن هناك تطابقاً بين مواقف تلك الجماعات ومواقف ايران في الموضوعات المطروحة.

والمسار الثالث في تعزيز الحضور الايراني في المنطقة اتخذ طابع عمل المؤسسات، وهو مسار شاركت في صنعه مؤسسات متعددة من بينها مؤسسات عسكرية وامنية. وهو ما كان أوضح في العراق، حيث عملت عناصر امنية وعسكرية على دعم ومساندة بعض الجماعات العراقية، أو اقامت لها شبكات مساندة للنفوذ الايراني مباشرة وللاثنين معاً، كما أكدت تقارير عما يحدث في جنوب العراق. وحدثت تطورات مماثلة في لبنان من خلال العلاقة مع حزب الله وبعض اوساط المجتمع اللبناني. وترافقت مع هذه الانشطة نشاطات ثقافية – دعوية، قامت بها مؤسسات ثقافية ودعوية وشخصيات ثقافية وسياسية ورجال دين، مما وسع قاعدة الحضور الايراني في العراق ولبنان.

 غير انه، وفي اغلب بلدان الشرق الاوسط، جرى التركيز على الانشطة الثقافية - الدعوية، حيث كانت الملحقيات الثقافية الايرانية ومثقفون وسياسيون ورجال دين يقومون بدور مزدوج، الجانب الاول منه تعميم الثقافة الايرانية من خلال الندوات والمحاضرات ومعارض الكتب والافلام السينمائية، والثاني احياء المعالم الشيعية والتبشير بالمذهب الشيعي، ودفع بعض الافراد وسكان بعض المناطق للتحول اليه. وقد ادى ذلك الى انتقادات للسياسة الايرانية بلغت حد العلنية في بلدان منها سورية والاردن ومصر وفلسطين والسودان، واثير ذلك من جانب رجال دين وشخصيات رسمية في أكثر من بلد عربي.

لقد بدا ان الهدف الاجمالي للنشاط الايراني في الشرق الاوسط، يركز على كسب التأييد للجمهورية الاسلامية وسياساتها في المنطقة، وتعزيز حضورها ونفوذها في بلدان المنطقة وعلى كافة المستويات الرسمية والشعبية، وتوسيع حدود الوجود الشيعي في بلدان المنطقة.

وقد حققت ايران تقدماً في بعض مفاصل هدفها الاجمالي الى الدرجة التي يمكن معها تفسير المكانة المركزية التي باتت تشغلها في قضايا الشرق الاوسط، وهو امر ما كان ليتم لولا ثلاثة عوامل اساسية، اولها دخول ايران على القضايا المركزية للمنطقة وشعوبها وبخاصة الصراع العربي – الاسرائيلي والقضية الفلسطينية، والثاني سعيها الى تولي مركز الزعامة بين الدول الاسلامية، والثالث الضعف والانقسام، بل التناقض القائم بين البلدان العربية وفي نظامها الاقليمي.

لقد برز الدور الايراني في المنطقة، موازياً للدور التركي وفي مواجهة الدور الاسرائيلي، لكنه في ما هو أسوأ، بدا وكأنه على حساب الدور العربي واضعاف لقدرات وطاقات البلدان العربية، على رغم ما يقوله الايرانيون من ضرورات تعزيز قدرات وطاقات المنطقة العربية – الاسلامية في مواجهة خصومها ومن اجل التنمية والتقدم.