السرقة هي نتيجةٌ وثمرةٌ للتقسيم الاجتماعي ولظهور الطبقات الاجتماعية, لأنه بدون الملكية الفردية لا توجد سرقة.

في المجتمعات القديمة(المشاعية البدائية) لم يكن موجود ملكية فردية, أو بالضبط لم يكن يملك أيّ شخص أيّ شيء, لهذا لم يكن للسرقة وجود, لأنه لا يمكن سرقة لا شيء.

طبعاً لم يكن الناس يعرفون أنهم لا يملكون شيئاً, ولهذا لم يكن مفهوم السرقة معروفاً للناس, ولكونهم ما كانوا يملكون شيئاً لذلك كانوا سعداءً لأنهم لم يكونوا يعرفون أنهم لا يملكون شيئاً, أي أنه بكلمة واحدة لم يكن في عصر المشاعية البدائية سرقة!

 

وبعد آلاف السنين وبعد ظهور التقسيم الاجتماعي الطبقي, صار من الصعب تقبّل واستيعاب هذه الحالة, بأنه للبعض يوجد شيء وللبعض الآخر لا يوجد شيء, وحاول الذي لا شيء له مساعدة نفسه, وحاول أولاً قتل من كان يملك شيء, وصار الذي لا شيء له _صار_ عنده(ملكه) شيء, وبعدها أخذ يشعر أنه قد يتم قتله من قبل الذي لا شيء له.

لهذا صار ورثة من عنده شيء يعطون قسماً من أشيائه إلى الآخرين كي يقوموا بحمايته(وظهر العساكر), أو توجّه مباشرة للذي يتوقع أنه سيقوم بقتله وأعطاه شيئاً(رشوة) كي يقوم الأخير بقتل إنسان آخر يملك شيئاً(وظهر القتل بالأجرة).

 

بعد قرون عديدة شعر الناس أنه من العبث قتل بعضهم بشكل يومي دائم, لذا كان يكفيهم في كل سنة مرة يقومون بالقتل أو كل عشر سنوات, وطبعاً كان ذلك بشكل جماعات لأنه صار الذين يجب قتلهم أكثر(وظهرت الحروب), وبين كل حربين متتاليتين كانوا يستخدمون طرقاً للسرقة(استعباد الخاسرين, الأتاوة, الجزية, نسبة من المحصول...).

 

وصار يُسمى السارق "حرامي", وبقي تعبير الحرامي تعبيرٌ وضيع, ويُقال أنه في السجون لا توجد علاقة ودّ بين الحرامية وبين القتلة من أجل السرقة.

 

ولا توجد للحرامية نقابة رسمية ولا جمعية لحماية مصالحهم, لكنه عندهم آلهة منذ قديم الزمان(اليونان, الرومان) أو ربما أنصاف آلهة في هذا الزمان(زعماء المافيا بما فيها السياسية).

 

ومما لا شكّ فيه أنه يجب التفريق بين الحرامية الصغار والكبار, وللسرقة درجات كثيرة, منها سرقة عادلة مثلاً عندما "روبين هود" أو أنا نقوم بالسرقة, وهناك سرقة غير عادلة وذلك عندما تتم السرقة من "روبين هود" أو منيّ أنا.

 

وعندما يقوم شخصٌ بسرقة شخص آخر يصرخ المسروق "امسكوه لقد سرقني", وعندما يفلت ويذهب بعيداً يقوم المسروق بالدعاء على السارق ويقول "ليكن مكانك جهنم وبئس المصير".

 

والطفل لا يسرق بل يأخذ شيئاً, وعندها نقوم بضربه على يديه حتى تؤلمه, وبعدها يُحسّ الطفل أنه يمكن السرقة بدون استخدام اليدين, كي لا يتم ضربه, وبعدها لن تكون عقوبته بضربه بالمسطرة على يديه بل بالسجن,

ويمكن سجن السارق عشر سنوات عقاباً على سرقة مليون ليرة, لكنه لا يمكن سجنه مئة سنة على سرقته عشرة ملايين ليرة, لأنهم يخافون أن يموت بالسجن والعقوبة لا يمكن لورثته أن يقوموا بإتمام تنفيذ مدتها!

 

والسرقة في النظام "الاشتراكي " تختلف عن السرقة في النظام الرأسمالي, في النظام "الاشتراكي" كثير من الناس تسرق قليلاً, وفي النظام الرأسمالي قليل من الناس يسرقون كثيراً, في النظام "الاشتراكي" للسرقة شكلين سرقة ما هو ملك الآخرين والشكل الثاني سرقة ملكية الدولة, وللحقيقة أن الأكثرية تسرق الشكل الثاني _أي الدولة_.

 السرقة من شخص ما شيء وضيع وحقير, أما سرقة الدولة_مكان العمل_ فهو شجاعة وشطارة, وحتى هذه السرقة هل يمكن تسميتها "سرقة"؟

لأنه ما كان للدولة فهو للجميع(لنا نحن) وما هو للجميع(لنا نحن) فهو ملكي أنا(لي),

ومن يعود من عمله بحزمة من الدفاتر أو الأقلام أو ربما بدلات عمل ... فإنه يقوم بتوزيعها على أفراد أسرته وربما على أصدقائه, لأنه قد يحصل من أصدقائه على أشياء أخرى بالمقابل مما استطاعوا جلبه(سرقته) من أماكن عملهم,

بينما إذا سرق شخصٌ دجاجةً من عند جيرانه فمن غير المحتمل أن يقوم بدعوة جيرانه للعشاء من لحم الدجاجة التي سرقها من عندهم.

 

ومما لا شكّ فيه أنه بعد تحقيق أهداف الجبهة الوطنية التقدمية العظمى في سوريا والتي يحثوّا السير فيها ستفقد السرقة موضوعيتها ووجودها لأنه لن يكون حاجة لها, وربما تصبح السرقة عندنا في سوريا مجرد هواية شبيهة بالهوايات الرياضية والألعاب, وأعتقد أنه سيأتي يوماً قد نبادر فيه إلى إدخالها في برامج الألعاب الأولمبية والتي كل الدلائل تشير إلى أننا سنكتسح الجوائز فيها.

 

وخلال لقاءات دورية بين ممثلي جبهتنا الوطنية التقدمية العظمى وبين جماهيرها الأكثر تقدمية وعظمة قام الرفيق أحمد بطرح السؤال التالي: أين اختفى هذا وذاك وذلك من الأشياء العامة(ملكية الدولة)؟

وفي اللقاء الثاني بعد أسبوع قام الرفيق إبراهيم بطرح السؤال التالي: أين اختفى الرفيق أحمد؟

 

بودابست, 4 / 2 / 2007.