روى لي أحد الأصدقاء العائدين من أحدى البلدان الأوروبية، مؤخراً، أنه حاول إقناع بعض أصدقائه الأجانب بضرورة مشاهدة إحدى القنوات الفضائية العربية، الناطقة باللغة الإنكليزية - وهي الوحيدة في هذا المجال! - كي يتعرّفوا على حقيقة ما يتعرض إليه الشعب الفلسطيني من قتل ودمار وحصار على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي. وحين شاهد أحدهم نشرة أخبار هذه القناة بادره بالقول: "يبدو أن الذي يحصل على الأرض هو أن الفلسطينيين يقتلون بعضهم البعض..".

  للأسف، تعكس هذه الحادثة البسيطة تطورات الأحداث الأخيرة في الأراضي الفلسطينية، وخصوصاً بعد تصاعد عمليات الاقتتال والخطف بين حركتي "حماس" و"فتح"، وانهيار ما سمي "اتفاق وقف إطلاق النار". وتشير إلى تطور خطير حصل في ملف القضية الفلسطينية، وبدأ يأخذ منحى مختلفاً تماماً عن حقيقة الصراع بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الصهيوني، حيث يخرج كل من يشاهد أحداث المواجهات في غزة بانطباع مؤلم ومحزن، يشي بأن الصراع بدأ يتحول إلى صراع داخلي، فلسطيني – فلسطيني، وهو أخطر من مجرد صراع على السلطة وعلى مكاسبها. 

  لا شك في إن مشاهد الاقتتال الفلسطيني صادمة ومؤلمة، ليس فقط لأن القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية، وشكلت على الدوام الرافعة الأساسية لوجدان أمتهم، بل لأن الاقتتال الفلسطيني يخيب آمال أولئك الذين ينظرون إلى القضية الفلسطينية في جانبها التاريخي الذي يظهر مقدار الظلم والإجحاف الذين ارتكبا بحق شعب جُرّد من أرضه وهُجّر من بلاده. وتثير هذه المشاهد جملة من الأسئلة التي تهزّ كيان الأمة التي جعلت من فلسطين قبلتها الثانية، وبوصلة تربط شعوباً مختلفة الأجناس واللغات. إضافة إلى أنها تثير غضب أهل القضية في فلسطين والعالم، وكذلك تثير استياء كل من يتعاطف مع القضية، لأنه ليس مفهوماً أو حتى مقبولاً لدى هؤلاء أن يراق الدم الفلسطيني على أيدي فصائل فلسطينية، قابعة كلها داخل سجن الاحتلال وتحت سيف حصاره.

  لا داعي للاسترسال في تبيان الحيّز الذي تشكله القضية الفلسطينية في الذاكرة الجمعية للعرب والمسلمين، ويكفي التذكير بأن الضرر الذي يلحق بهذه القضية له انعكاساته وتأثيراته البالغة السلبية على المؤمنين بعدالتها، وأن ارتداداته وإرهاصاته أقوى بكثير من تلك التي تحدث في العراق، ومن تلك المشادات والتوترات التي تحصل في شوارع بيروت والتي جعلت المقاومة تنساق إلى زواريبها الضيقة.

   لقد توسمنا خيراً بعد لقاء الرئيس محمد عباس بالسيد خالد مشعل في دمشق.  وكان السؤال المطروح بعد انتهاء اللقاء، هو: ماذا بعد لقاء الرئيس محمود عباس والسيد خالد مشعل؟ وما الذي سيترجم على الأرض؟ وقلنا أن الوضع الفلسطيني الداخلي يحتاج إلى ما هو أكبر من مجرد لقاء بين أبو مازن ومشعل، كونه وصل إلى حدود الاقتتال الكارثي في الآونة الأخيرة، وأن المطلوب هو التفاهم والحوار وتوحيد الجهود، بغية الوصول إلى الإجماع الوطني ما بين مختلف القوى والفصائل الفلسطينية، وكي يقوى الفلسطينيون بمختلف أطيافهم على التصدي للممارسات العدوانية للاحتلال الإسرائيلي وللمشاريع الأميركية التي لا تأخذ بالحسبان سوى مصالحها والمصالح الإسرائيلية. لكن يبدو أن ذلك اللقاء لم يحقق شيئاً للصالح الفلسطيني العام. وبالتالي، فإن السؤال الجديد الذي يطرح اليوم، هو ماذا يريد السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس؟ وماذا يريد الرئيس محمود عباس؟

   إن ما يجري في شوارع غزة خطير، وخطورته البالغة على قضية الشعب الفلسطيني لا تخفى على أحد، والأخطر من ذلك كله هو تحويل الصراع الخارجي، الإقليمي والدولي، إلى صراع داخلي من خلال تباعد الأجندات والأهداف وجرّ الفلسطينيين إلى أتون حرب أهلية، أي تحويل الداخل الفلسطيني إلى ساحة لصراع الإرادات الإقليمية والدولية، وبالتالي تركيز الصراع في صورة صراع على السلطة ما بين "حماس" و"فتح"، مع أنها سلطة محدودة جداً، ومازالت تحت نير أبشع احتلال في التاريخ البشري. ويبدو أن قيادتي "حماس و"فتح" لا يهمهما محاولات الاحتلال الإسرائيلي الذي يبذل أقصى جهوده من أجل تشويه صورة القضية الفلسطينية، وتصويرها على أنها مجرد ساحة لاقتتال داخلي أو لصراع إقليمي، وبالتالي تحويل أنظار العالم عن ممارساته وانتهاكاته اليومية بحق الشعب الفلسطيني.

  بالمقابل، تبيّن التظاهرات المدنية في غزة والضفة الغربية، أن الشعب الفلسطيني يرفض رفضاً قاطعاً أحداث العنف والفلتان الأمني، وأن بعضاً من قيادتي "حماس" و"فتح" تدفعانه إلى اتجاه لا يريده، بالرغم من كل التعهدات التي قطعتها والتطمينات التي تحدثت عن حرمة الاقتتال الفلسطيني، وعن كون الدم الفلسطيني يشكل خطاً أحمر، حيث بات كل طرف من هذه القيادات يلقي بالمسؤولية على الطرف الآخر، جاعلاً منه السبب وراء هذا التصعيد والاقتتال، ولا ينسى أن يشير في كل مرّة إلى وجود أطراف شبحية أو مجهولة الهوية وأيادي خفية، تسعى إلى توتير الأجواء واستمرار الصراع لصالح أجندات وحسابات تحقق أهداف ومصالح الاحتلال.

  المؤسف هو أن الأمور في الأراضي الفلسطينية تبدو سائرة نحو الأسوأ، وأملنا هو أن تشكل دعوة الملك عبد الله للاجتماع في مكة المكرمة، وبحث الخلافات ما بين حركي "حماس" و"فتح" نقطة عبور للخروج من المأزق الفلسطيني، لأن الظروف المعقدة والصعبة الذي تعصف بالقضية الفلسطينية وبالمنطقة لا تحتاج إلى الحلول الترقيعية، بل بحاجة إلى حلول تنهي حال الاقتتال والاحتقان الداخلي، ودفعة قوية تسهم في إعادة توجيه البنادق صوب الاحتلال.

  وتعكس الدعوة السعودية لحركتي "فتح" و"حماس" للحوار في مكة المكرمة مدى خطورة الوضع الفلسطيني، ومدى التهديد الذي يعصف بالقضية الفلسطينية. ونأمل بأن تكشف استجابة الطرفين وترحيبه السريع بالبادرة وجود رغبة صادقة للتحاور وإنهاء القطيعة المكلفة. ذلك أن المطلوب فلسطينياً هو التوحد حول برنامج وطني، يوحد الجهود والطاقات، ويعطي الأولوية الصراع مع الاحتلال، وليس للصراع والاقتتال الداخلي، وأن لا يبقى كل طرف أسير مواقفه وإرهاصاتها. وعدم الاطمئنان إلى مقولة حرمة الدم الفلسطيني وعدم جواز الاقتتال الأهلي، بل السعي لتشكيل حكومة وحدة وطنية بأسرع وقت ممكن، تشارك فيها كل الفعاليات المدنية والسياسية، حول برنامج وطني قادر على الوقوف بوجه التحديات الذي تتطلبها الظروف الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني.