التخلف، التنمية... وأشياء أخرى:
دعونا نتفق أولا على أننا مجتمعات "سائرة في طريق النمو" أو "متخلفة" أو حتى "سائرة في طريق التخلف"... (نرفض "نامية" لنفس الأسباب التي ذكرها سمير أمين في دراسة أصبحت اليوم قديمة: "التراكم على الصعيد العالمي..."1956م)، فتلك مجرد أسماء سميتموها لمضمون واحد مفاده: العجز، والقصور، والحاجة للآخر، والاعتماد عليه لتلبية الحاجيات، بما فيها الضرورية، إننا في وضع إعاقة، وعاجزون عن الانفلات من التخلف، بل نتورط في رماله المتحركة أكثر فأكثر عند كل حركة...
دعونا نتفق ثانيا على أننا لا نريد تشكيل مجتمع مطابق للنموذج الأمريكي أو الياباني... وأن جرينا وراء التقليد المبتسر سيعيدنا إلى تجارب (رأسمالية/ اشتراكية) سابقة، ميزتها الأساس أنها فاشلة، ذلك أن لكل تجربة ميزاتها الذاتية الخاصة، وإنتاجنا "للنمو" – في حال توصلنا لإنتاجه فعلا - أو تجربتنا، ستكون خاصة أيضا، تشترك، وتستفيد، من التجارب الأخرى، هذا أكيد، لكنها خاصة في النهاية. بل قد تنتج فهما، ومفهوما، خاصا للنمو، دون تمييع له (المفهوم)، فلا يتحول في النهاية إلى مادة استهلاكية للإعلام، بل يفرض نفسه على الجميع بحيث يصعب أن ينكره أحد.
لتحقيق ذلك لا بد لنا – أنا وأنت – أن نؤمن إيمانا قويا بالمشروع، بحيث يفرض على الجميع، بما في ذلك النظام، الانخراط فيه في نهاية المطاف.
أسئلة التقديم والتجاوز:
- إننا نشتغل كثيرا، في حين يستفيد آخرون في هذا الواقع المتعفن؟
- ولماذا هو – الواقع – متعفن أصلا؟
- ثم كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟
- ولماذا علاقاتنا لا تسير بشكل طبيعي؟
- ما الذي يجعلنا نصور أنفسنا (واقعنا) في صورة كاريكاتورية مثيرة للسخرية عندما نقارن أنفسنا (ذواتنا) مع الآخر (المتقدم)؟
- وكيف لنا أن نطلب من الآخرين تقديرنا إذا كنا نحن نحتقر ذواتنا؟
إن تغيير تصورنا لذواتنا هو الخطوة الأولى لتحقيق النجاح، يجب رفض الحماية والوصاية التي يفرضها علينا الآخر. أن ننتفض وننظر إلى داخلنا ونشجع ما فيه من إيجابي (إعادة الثقة والطمأنينة) لإثبات الذات. أن ننطلق وفق مقدرتنا الخاصة (معدلات نمونا)، على أن يكون تسريعها بالتدريج هدفا جوهريا (والابتعاد عن مفهوم الحلول السريعة الجاهزة)، لأن الأمر يستدعي سنوات طويلة من العمل ومراكمة الخبرة.
التركيز على المعاني الإيجابية وبناء استراتيجية التأثير الإيجابي لدفعنا دفعا نحو تحقيق ما نريد، بخلق جو من الثقة، دونما تمييع للحريات والعلاقات، ودونما استبداد متسلط، وهذا يعني استعداد الجميع لدفع "ثمن" التقدم من خلال مجهودهم ومثابرتهم.
النظام الناجح هو النظام الذي ينجح في علاقاته "البينية" – أي بين أعضاء مجتمعه – وعلاقاته "الخارجية" – أي مع أنظمة خارجة عنه -، فإرساء جو من الثقة بين "النظام الحاكم" ومجتمعه شرط أساس لتحقيق التنمية، حتى لو كان هذا النظام مفتقرا لوسائل وأدوات التنمية المادية، إذ أن هذه يمكن تحصيلها مع الوقت ومع التجربة. ذلك أن النظام، إذ يحظى بالثقة، يضع الاستراتيجيات التي توصل إلى الهدف، وسيوافق الجميع (فاعلين ومنفعلين اجتماعيين) على هذا الهدف وعلى الاستراتيجيات ويسعون للمثابرة والإنجاز، أما في حالة فقدان الثقة فإن المسألة لن تعدو أحد اثنين:
1) إما أن يرسم النظام أهدافا مضللة (لا تستجيب إلا لمصلحته).
2) وإما أن تكون الأهداف إيجابية فعلا، لكن المجتمع يتقاعس في المثابرة لتحقيقها لعدم ثقته بها، لأنه لا يثق بنظامه أصلا.
والنتيجة أن الإنجاز لن يتحقق، والأهداف تبقى حبرا على ورق.
علينا أن نتعلم كيف نختلف "فن الاختلاف"، ونتحاور في هدوء للإقناع والاقتناع، والاختلاف يجبرنا على التنازل من أجل التعايش في التزام ومسؤولية، إننا جميعا مدعوون لتغيير تصوراتنا للسلوك وتوجيهه نحو التغيير الهادف، نحن نرى تخلفنا واقعا ملموسا، وفي ذهن كل واحد منا تصور لما يفترض أن يكون عليه واقع الحال، وبدل أن نبذل جهدا معينا لتغيير الواقع نحو التصور، نبذل جهدا أكبر للتكيف مع الواقع كما هو.
رصد الواقع:
في صيف 2005 كنت منشغلا بموضوع (من بين مواضيع أخرى كالانسحاب الإسرائيلي من غزة وغيره...) كتابة الدستور العراقي والخلاف المرير الذي دار حوله بين أعضاء لجنة صياغة الدستور، مما دعا إلى تأجيل تقديم المسودة أكثر من مرة، نظرا للصراع الحاد بين الفرقاء السياسيين حول بنود المسودة وصياغتها. ورغم أن صياغة دستور أمة ما مسألة عظيمة وحساسة، ولا شك أنها تستدعي كثيرا من النقاش والخبرة السياسية والقانونية الخ، إلا أن الأمر لا يتطلب أيضا كل الجدل والصخب اللذان رافقا صياغة الدستور العراقي.
وفيما كان أعضاء اللجنة منشغلين في بغداد بمشروعهم الذي بدا أنه لن ينتهي، ساءلت نفسي ماذا لو طلب مني الاشتراك في لجنة مماثلة؟ وساءلت نفسي كيف يمكنني أن أتلافى مثل هذه المشاكل والمنزلقات؟ ثم ساءلت نفسي إن كان بإمكاني إرضاء الجميع، أو على الأقل الأغلبية للاقتناع، بدستوري، والتصويت لصالحه؟... أسئلة كثيرة عنّت لي عندها، وبدت أنها عصية على الأجوبة، لكن شيئا فشيئا بدت خيوط الشبكة تنحل بهدوء، وذلك برد الأمور إلى أساسياتها البسيطة الأولى.
- س: ما هو المطلوب؟
- ج: وضع دستور للأمة.
- س: دستور الأمة يفترض أن يكون ملزما لها، وإلا فما جدواه؟
- ج: هذا أكيد.
- إذن الشرط الكبير لنجاح هذا الدستور هو أن "يمثل" هذه الأمة، وذلك بإشراكها، عبر ممثليها الحقيقيين، في صياغته، ولنتذكر قاعدة: "لا التزام بدون مشاركة"، هذا أولا.
التمثيل، ثانيا، يعني البحث عن المصالح العليا للوطن والمواطنين. لنتساءل عن جوهر الخلاف وكنهه ومسبباته، في سؤال يختزل كل ذلك: لماذا النزاع عادة؟ الجواب: لأن هناك من يبحث عن منفذ لإقحام مصلحة شخصية أو دينية أو إثنية، أو أي "رمز سلطة" آخر يحركه، مما يدعو لإثارة الآليات الدفاعية "لمحور سلطة" آخر يرى أن هذا يتعارض، أو سيتعارض، مع مصلحته... والخلاصة أنه لن يكون هناك أي نزاع، رغم حضور التعارض دوما لأننا بصدد الحديث عن مجتمع بشري في النهاية، لو أن بنود الدستور كانت تعبر حقيقة عن المصلحة العليا للوطن والمواطن بإطلاق، بغض النظر عن جنسه ولونه ودينه...
لن تكون هناك أية مشاكل لو كانت المبادئ صحيحة والنوايا خالصة، لوضع دستور يلزم الجميع ويوحدهم، في نفس الآن، لأنه يعبر عنهم جميعا: إنه "يمثلهم"... لكن الأمور عادة ما تجنح نحو الأسوأ لأن هناك دائما من يخطط للشر.
التخطيط للشر.
هل هناك (إنسان/مجتمع/دولة/نظام...) من يخطط للشر؟ ما الذي يجعلك تصبح جلادا أو قديسا؟ الظروف المحيطة الخارجية أم القرارات النابعة من الداخل؟ (لا نريد أن نقحم هنا عنصرا آخر يرتبط بتأثير الشيفرة الوراثية لأننا كنا قد عالجناه في مكان آخر: غوردو، من التاريخ إلى هندسة التاريخ...).
العاجز الفاشل يتعجل الجواب ليلقي كل اللوم على "الخارج" حتى لو كان هذا الخارج جبلا جامدا أو طقسا... محايدا في النهاية، أو على أقل تقدير. والناجح يحول – بقرار داخلي – هذا "الخارج" إلى صديق حميم يضخ فيه مزيدا من الطاقة لتحقيق أهدافه.
"الإرادة الحرة" اختيار، وحتى عندما يلقي العاجز كل اللائمة على الظروف (الخارج) يكون قد مارس حريته في الاختيار، غير أننا لا ندرك، إلا بشكل متأخر غالبا، أننا كنا طوال الوقت نمارس اختيارات فاسدة، بحيث نكون قد خططنا للشر بأنفسنا، لكن ودون أن نجازف في متاهات فلسفية لتحليل الشر وأصوله وأهدافه... ومن يخطط لمن... فإن الشر عندما يفلت من عقاله لن يصيب أهدافه التي صوب نحوها فقط، لأنه كالمتفجرات العنقودية ينتشر في كل مكان بما في ذلك وجه من صوّبه، لذا فنحن (بشرا أو دولا أو مجتمعات...) كثيرا ما نمارس اختياراتنا الفاسدة دون وعي منا بتبعاتها: "إنني على ما أنا عليه الآن بسبب اختياراتي بالأمس" (ستيفن كوفي،العادات السبع، ص101).
إن ما يقع لنا في الحقيقة ليس إلا جزء من التاريخ، وتأتي استجابتنا لما يقع لتتمم الجزء المتبقي، أو الجزء الأكبر من التاريخ. فإذا علمنا بأن التاريخ ليس ركاما من المشاعر والعواطف، بل أحداثا وأفعال نراكمها باستمرار، جاز لنا التنبيه إلى من يختفي وراء "الأفعال"، أي الفاعل الذي راكمها ويراكمها أبدا، وفهمنا بالتالي كيف أن الفاعل يمتلك القدرة على صنع الأفعال، أي الأحداث، وإذا استفاد "الفاعل" من أحداث الماضي استفادة صحيحة، استطاع أن يصوب أحداثه الراهنة والمستقبلية بصورة أفضل.
الخطأ خطأ، وعدم الاعتراف به خطأ آخر، والاعتراف به دون التعلم منه خطأ ثالث، والتاريخ يا له من مختبر حي زاخر بالأخطاء: أخطائنا وأخطاء الآخرين، فهل من متعلم؟
نتحدث عادة عن الحدود التي تحاصرنا، في الواقع ليس هناك حدود إلا ما يضع الإنسان لنفسه: 1) لا بد أن نتعلم كيف ننجح. 2) لا بد أن نحب أن ننجح. 3) لا بد أن ننزل ما نحب للفعل. 4) لا يجب أن نترك أحلامنا وأهدافنا تموت.
قال أينشتاين: "عندما نكون صغارا نطرح أسئلة وننتظر إجابات شافية عليها، وعندما نصبح بالغين لا نعود لطرح تلك الأسئلة أبدا. ولأني تأخرت في البلوغ فقد ظلت تلك الأسئلة تحاصرني... في الحقيقة إن كل ما فعلته في حياتي هو أنني طرحت بعض الأسئلة."
أنظمة ضد مجتمعاتها:
في علم النفس التربوي يبعث لنا الأطفال برسائل احتجاج يومية تحتاج إلى فك شيفرتها: يرفضون تناول الفطور، يرفضون الذهاب إلى المدرسة، يرفضون ارتداء الملابس... رسائل تعبر عن حاجات نفسية عجزنا عن فهمها، وعوضا عن معالجة المشكلة من الأصل بمحاولة الاقتراب منهم وفهمهم وإقناعهم... نلجأ لأسلوب الإكراه والضغط، فيرضخون تحت العنف ويقومون بإنتاج السلوك بشكل سيء ويكبتون أحاسيسهم أو حتى ذكاءهم العاطفي وقدرتهم على التعبير، وأحيانا يعاندون ويتمردون فتتكرر رسائل احتجاجهم، وعن ذلك أيضا تكرار إنتاج السلوكيات السيئة، وندخل في دوامات لا تنتهي.
هذا مثال استعرناه من علم النفس التربوي للعلاقة غير السوية بين الآباء وأبنائهم، لكن هناك علاقة غير سوية أكبر منها بكثير تربط "النظام" بمجتمعه.
يتساءل "النظام" (على افتراض أنه يحب الخير لمجتمعه كما يحب الأب الخير لأبنائه): لماذا يكرر المجتمع إنتاج نفس الأشكال من التخلف؟ ينسى النظام أن العناد في تكرار نفس الإنتاج هو مجرد شيفرة تحتاج إلى الحل، فالمجتمع لا يسعى إلى تطوير قدراته لأنه يرفض هذا التطوير وليس لأنه غير قادر عليه، أو أنه يدعي تطوير أدائه، تحت الضغط والإكراه، لكن الواقع أن لا شيء يسير على ما يرام: لا إدارة ولا إنتاج ولا تعليم... غاب الإقناع والاقتناع فأصبح كل شيء عبارة عن تمثيل مشوه ممسوخ.
نعرف أيضا انطلاقا من سيكولوجية الجماعات، أن النجاحات الفردية تسبق النجاحات الجماعية (اعتمادا على أن المجتمع هو مجموع الأنا التي تكونه)، لا بد إذن من تطوير "نظام" يدفعنا ويحفزنا على تحقيق نجاحات فردية، على أن هذا لا ينبغي أن يفهم منه الاستكانة والانتظار إلى أن يتحقق "النظام الأمثل" الذي سيدفعنا لذلك، لا شيء يمنع من أن تكون المبادرات فردية لتشكيل الجماعة في النهاية، وإجبار "النظام" على الانخراط في هذه العملية، أو عليه أن ينسحب، أو يطوّح به، إذا لم يدرك الدور الحقيقي المنوط به.
على أن "النظام" نفسه هو مجموع أنا مصغر، وعليه أن يدرك أن مصلحته في مصلحة مجموع "الأنا" الأكبر (أي المجتمع)، وأن أي تقوية لعضلاته على حساب المجتمع ستنتهي به حتما إلى الدمار، كما دلت، وتدل عليه التجارب التاريخية. ولتقريب ذلك علينا أن نقارن بين شخصين يتقنان التصويب بالبنادق في خفة ورشاقة، لكن أحدهما منخور القوى والثاني سليم البنية. لا أحد سيجادل في أن الأول بإمكانه الدفاع عن نفسه طالما يحمل بندقيته، لكن هذا لا ينفي عنه أنه هو نفسه مقتنع بعلته، أو علله الداخلية، فضلا عن أنه إذا ما تم تجريده من أداته الدفاعية سينهار عند أولى الضربات.
لا شك أن "الأنظمة" التي تختفي وراء أجهزتها القمعية قد فهمت جيدا ما أعنيه.
الدكتور عبد العزيز غوردو، أستاذ باحث من المغرب،


