q       أولا : التعليم والثقافة في النصف الأول من القرن العشرين

شهد النصف الأول من القرن العشرين صراعا جادا حول التعليم الذي حاول الإنجليز تضييقه إلى أقصى حد، بتقرير المصروفات التي ينوء بها كاهل الأسرة المتوسطة والفقيرة ، والاكتفاء بتعليم أولي مقفل، بالإضافة إلى الكتاتيب بالنسبة لغالبية الشعب، ثم قصر الهدف علي ما تبقي من التعليم في المدارس والمدارس العالية علي تخريج الموظفين اللازمين لجهاز الدولة وإداراتها المختلفة .

ومن هنا فقد تبلورت حول التعليم حركة أهلية مدنية سعت لإتاحة التعليم وفتح أبوابه أمام الجماهير. وكان السعي لإنشاء الجامعة الأهلية- التي افتتحت فعلا في ديسمبر سنة 1908- بعيدا عن سيطرة الاحتلال إداركا من الحركة الوطنية لاهمية دور التعليم في النهضة والتقدم والاستقلال .

ومنذ ذلك الوقت أصبحت المطالبة بحق الشعب في التعليم أحد أهم مطالب الحركة الوطنية مثل الجلاء والدستور سواء بسواء، واحتلت المطالبة بمجانية التعليم وتعميمه المكان المناسب لها علي راس برامج الأحزاب المصرية .

وفي أعقاب ثورة الشعب المصري العظيمة- سنة1919- وتحقيق الاستقلال (المشروط) نص دستور 1923 علي أن التعليم الأولى مجاني . وهذا هو أول نص علي مجانية التعليم في الدستور المصري.

واستمرت مطالبه الشعب وحركته الوطنية بالتوسع في مجانية التعليم وزيادة نشره وتعميمه، وفي سنة 1944، تم توحيد التعليم الابتدائي مع التعليم الأولي وكان التعليم الابتدائي تعليما بمصروفات، مفتوحا علي ما بعده من مراحل تعليمية حتى الجامعة، فاصبح بعد ذلك تعليما مجانيا، وفي سنة 1950 وفي ظل تولي "طه حسين" لوزارة المعارف العمومية، تقررت مجانية التعليم الثانوي،

ويمكن ملاحظة الملامح العامة للعلاقة بين التعليم والثقافة في تلك الفترة، فقد تولي وزارة المعارف مفكرين كبار، أصحاب رؤي فكرية واضحة مثل: سعد زغلول، احمد لطفي السيد، محمد حسين هيكل، عبد الرزاق السنهورى، احمد نجيب الهلالي، بالإضافة إلى طه حسين، كما سبقت الإشارة .

كما نلاحظ انه علي الرغم من احتدام المعارك الوطنية ضد الاستعمار البريطاني إلا أن تلك المعارك لم تنعكس بشكل "شوفيني أو دوجما طيقي"  علي الموقف من الثقافة الغربية كما بدا واضحا في الجدل الذي دار حول الثقافتين الانجلوسكسونية والفرانكفونية  أو علي الفكر الغربي بوجه عام واللغات الأوروبية التي كان الاهتمام بها واضحا منذ المرحلة الابتدائية.(1)

وقد كان تيار الحداثة تيارا أساسيا وأصيلا من تيارات الثقافة والفن، تجلي واضحا في النحت والسينما والتصوير، والأدب والشعر والرواية والصحافة وغيرها من منتجات الثقافة والفنون.

وسعت المدارس الفكرية المختلفة إلى بلورة رؤاها حول شخصيتة مصر، وتفاعل الحقب التاريخية والثقافية المختلفة (الفرعونية والقبطية والإسلامية والحديثة). (2)

وشكلت معارك الدستور والديمقراطية زاد اسياسيا لتفاعل مؤسسات التعليم مع معطيات الواقع المصري الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والوطني بشكل عام.

وشكل المعلمون وطلاب المدارس الثانوية والجامعة قوي أساسية من القوي التي اعتمدت عليها الأحزاب السياسية في مختلف أساليب ومجالات المشاركة السياسية الهادئة والعنيفة علي السواء .

وعلي الرغم من ان معظم سنوات النصف الأول من القرن العشرين لم تشهد سوي إنشاء جامعة واحدة هي جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) . ولم تنشأ جامعة فاروق الأول (الإسكندرية حاليا) إلا في منتصف الأربعينيات، إلا انه كان هناك اتجاه متزايد لتعزيز دور الجامعة في المجتمع وإرساء تقاليد الحرية الأكاديمية والعقلانية والتنوير .

وقد أدرك الكثير من المفكرين أهمية أن تكون الديمقراطية السياسية أساسا لحركة التعليم بوجه عام

"فالتعليم الذي لا يتجه إلى الديمقراطية. ولا يستند إليها ولا يستمد منها قوته لا يكون سوى نوع من التغرير بعقول الجماهير، والباب البسطاء لا وجود له إلا في القواميس الفاشية والنازية ولا حقيقة له إلا في أدمغة الاوتقراطيين ". (3)

وعلي الرغم من كل ذلك فقد كان الفقر، وجمود النظام الطبقي، وتشوه البناء الاقتصادي لصالح الزراعة التقليدية والاقتصاد الريعين ما حال دون خلق فرص عمل متجددة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المتعلمين . كل ذلك قد حال دون أن يلعب التعليم الدور المرجو منه في تطوير المجتمع .

q       ثانيا: التعليم والثقافة في ظل ثورة يوليو

 

حرصت ثورة يوليو – منذ بدايتها- علي الحفاوة بالطبقات الفقيرة والتي طال حرمانها فسعت لفتح أبواب التعليم أمام الفقراء، ومن هنا فقد انحازت إلى فكرة الكم وتعليم الجماهير، وبعد أن طال الصراع قبل الثورة بين القوي الشعبية من أنصار نظرية الكم وتوسيع قاعدة التعليم المجاني، والقوي المحافظة من أنصار نظرية الكيف وقصر التعليم علي الأغنياء والذين يستطيعون تأدية نفقاته  .

كما سعت الدولة نحو تقرير مجانية التعليم الجامعي والعالي سنة 1961 ، وهكذا اصبح التعليم كله بالمجان  لتحقيق تكافؤ الفرص بين المواطنين والطبقات وعلي الرغم من ذلك، وفي ظل المتغيرات السياسية التي ارتبطت بتكوين التنظيم السياسي الوحيد، ورفض العمل السياسي المستقل أيا كانت مؤسساته أو صورة أو مظاهرة، بالإضافة إلى الاتجاه المتزايد نحو مصادرة وتأميم جميع مصادر الثقافة والفنون المستقلة والهيمنة الكاملة عليها، نظر النظام إلى مثقفي "العهد البائد" نظرة ريبة وشك وخاصة أولئك الذين رفضوا الانضواء تحت لوائه والترويج لفكره ومبادئه، وتم توجيه جميع فعاليات الثقافة والفكر نحو خدمة النظام السياسي وشعاراته .

وفي ضوء هذه الظروف تحددت وظيفة التعليم في تحقيق هدفين اثنين هما :

الحشد الأيديولوجي خلف النظام والقيادة السياسية، والثاني هو الإعداد المهني والفني للموظفين اللازمين  لمؤسسات الدولة وإداراتها وخططها التنموية وفي ظل الحشد الأيديولوجي، تمت عسكرة المدرسة وإدخال نظام الفتوة والحد من انتشار وتأثير أصحاب الأفكار المختلفة من مؤسسات التعليم سواء كانت مؤسسات تعليم قبل الجامعة أو الجامعات.

وصيغت مناهج التعليم صياغة تدعم فكرة الحشد الأيديولوجي، فعلي سبيل المثال احتفت كتب التاريخ في مختلف مراحل التعليم بمعارك الاستقلال ومقاومة الاحتلال البريطاني لمصر بينما غاب منها تماما معارك الدستور والبرلمان والديمقراطية رغم أنها معارك لم تكن تقل ضراوة ولا وطنية عن معارك الاستقلال الوطني .

وفي سبيل تأكيد فكرة الحشد كذلك كرست المناهج الدراسية فكرة الانفصال الثقافي والسياسي عن مرحلة ما قبل يوليو، وتم توجيه الحقائق والأحداث التاريخية لتصب في صالح النظام السياسي وأعيد كتابة تاريخ المنطقة لتتفق مع توجهات الدولة ووصمت مختلف الأحزاب السياسية قبل الثورة بالانتهازية والعمل في خدمة الملك والإنجليز وبالفساد .

وتميز التأليف المدرسي بالركود، ففي أحد الأبحاث التي تناولت مقرر التاريخ بالصف الثالث الثانوي لوحظ أن هذا الكتاب من تأليف : أبو الفتوح رضوان؛ ومحمد البطريق ، لم يتغير فيه حرف واحد منذ طبعه سنه 1959 ، حتى طبعه سنه 1974 . عندما بدأت كثيرا من التغيرات الفكرية تطول النظام السياسي  . (4)

أما بالنسبة للأعداد المهني والفني للموظفين والفنيين ، فقد اصبح النظر إلى مهنه الطب والهندسة والصيدلة

والمحاماة ، وغيرها من المهن باعتبارها فنونا من الفنون التطبيقية لا باعتبارها تمثل قمما من قمم الثقافة والمنهج العلمي والتطور الإنساني

واختفي أو كادت ظاهره وجود الطبيب المثقف والمهندس الفنان كما كان مألوفا قبل ذلك ( لاحظ علي سبيل المثال :  (إبراهيم ناجي، علي محمود طه ، محمود سعيد ... وغيرهم ) هذا فيما يتصل بالجامعة وخريجها فما بالنا بخريجي التعليم الفني الذي حرصت حكومة الثورة علي توجيه معظم الطلاب إليه في مرحله التعليم الثانوي ، لمجرد إعداد العمالة الفنية التي لم تحصل علي قسط من الثقافة قليل أو كثير .

وفي سبيل السعي للتخفيف من أعداد الناجحين في الثانوية العامة والذين يرغبون في دخول الجامعة ، سعت الدولة لإنشاء المعاهد الفنية المتوسطة التي تميز خريجوها بتدني مستواهم المهني والفني والثقافي جميعا .

ومع التزام الدولة بسياسة تعين الخرجين من ناحية ، وسيطرتها الكاملة علي جميع مؤسسات التعليم وجميع فعالياته من ناحية أخرى ، كان من العسير ملاحظة ذلك التدهور المهني والثقافي الذي يتفاقم عاما بعد عام .

وسادت في الفكر التربوي المدرسة الامريكية البرجماتيه التي تؤكد علي فكره الخبرة والمنفعة المباشرة ، واختفت من مناهج التعليم الفلسفات الإنسانية أو تم عرضها من وجهة نظر النظام بلا حيده ولا موضوعيه

وهيمنت علي العملية التعليمية مدارس علم النفس التي تركز علي الفنيات والتفاصيل كالذكاء و مقاييسه ،

والفروق الفردية وغيرها .

وفي ظل غيبه رؤية اجتماعيه وسياسية واضحة لتحديث الريف والقري في الوجه البحري والوجه القبلي

فان التعليم بصورته تلك قد ساهم في تفريغ الريف من العناصر النشيطة التي كان يمكن إن تلعب دورا

حيويا في تطور ذلك الريف ، عندما كانت تضيق القري بطموح المتعلمين فيهجرونها للعيش في العاصمة والمدن المختلفة

ولقد ألقت معارك الاستقلال الوطني التي خاضتها البلاد ضد الاستعمار الغربي بجميع أشكاله في ضوء الظروف التي أحاطت بمؤسسات التعليم ، وفي ضوء تهافت التكوين الثقافي للمعلمين بظلال إضافيه من الشك والريبه علي مدارس الفكر والفلسفة الغربية كالماركسية والو جوديه الفرويدية .

وعلي الرغم من سعي الدولة نحو توحيد التعليم وفرض فكره المشروع القومي علي مختلف المؤسسات ، ومحاصره الجزر الثقافية المنعزلة _ وهي في مجملها الأفكار التي صاحبت قانون تطوير الأزهر

 ( رقم103_لسنه1961 ) إلا إن ذلك القانون جاء ليؤكد انحدار قيميه الثقافة إلى درجه شديدة التدني من أولويات القائمين علي التعليم في ذلك الوقت بالسماح بتجاور ثقافة عصرية حديثه ، مع ثقافية شرعيه تقليديه عتيقة ، مما يؤكد  إن ألاولوية للحشد الأيدلوجي والإعداد الفني ، إما التفافة فليس  لها  بين الأولويات مكان

مؤسسة طه حسين للتربية المدنية

kmougheeth@yahoo.com