عبارة طالما أزعجتنا، وشكّلت العمود الفقري في كوابيسنا، منذ نعومة الأظافر. كان خطّاً أحمر أن يصفنا أحدٌ بها. كانت تعني خلاصة الرذائل، وحثالة النقائص. كانت العدوّ التاريخي لجيش المفردات المحبّبة، النابعة من ثقافة الفرسان: الشهامة والمروءة والنخوة.
ولكن! ها قد أيقظتنا الأيادي الخشنة من أحلام البراءة المفقودة، وزرعت في أدمغتنا رقاقات إلكترونية، أعادت برمجتها، فإذا بأولاد الشوارع هم المدافعون عن الحقّ، والذائدون عن الحمى، ورسل التغيير الواعد!
قطّاع الطرق!
عبارة كانت تستحضر قراصنة البحار بما على رؤوسهم من عُصابات بالية، وبما على أعينهم المنطفئة من أغشية سوداء، وبما حلّ في معاصمهم من أيادٍ حديدية معقوفة! عبارة كانت تستحضر السارقين، والمتعطّشين إلى الدم، والكائنات الطفيلية، التي تنبت كالفطر السامّ، على جذوع الشجر!
ولكن! ها قد تقدّم العلم، وأدرك أساتذتنا في السياسة وفقه القضية، أن قطْع الطرق، كلّ الطرق، يفتح طريق الشعوب إلى التحرّر، والتعبير عن إرادتها التي لا تُقْهر!
لا تعجب، فلقد هدرت رعود الغضب العبثيّ، وأمطرت السحب البغيضة رجومها، في موسم الفتن المتجوّلة، عبر الشوارع والأزقّة، عبر الصحف والإذاعات، عبر المنابر والشاشات! وإذا شئت أن تلقي باللائمة على أحد، أعياك الطلب، فستلقى "قدّيسين" أمامك، يتباكون، ويقسم كلّ امرئ منهم، بالأيمان المغلَّظة، لأنّ هذه الكلمة محبَّبة إليه، يقسم: إنّ الفتنة، في قاموسي السياسيّ، أشدّ من القتل، وإنّ مشروعي العملاق لا يمكن أن يمرّ عبر قنوات دامية حمراء ، أو فوق جثث بالية مشوَّهة، يقسم: إنّ كلّ قطرة دم طاهرة تسقط فوق التراب الأبيّ، تؤرق منامي، وتقضّ مضجعي، ولربّما أمعن في استـهلاك ألوان البلاغة والمبالغة، فقال: إنّ هذه القطرة سمٌّ زعاف يقضي عليَّ، لأنّ مشاهد العنف تخدش البراءة التي تنبع من قلبي المرهف!
وبعيداً عن هذا القسم الذين سيحاسبهم الله، عزّ وجلّ، عليه، يوم القيامة، يدرك من يحبّ الوضوح، ويرى بعينين لا تعلوهما غشاوة، أنّ الاستقرار في هذا البلد ممنوع، بقرار صارم، لعله القرار الوحيد الذي توافقوا عليه، لأنّ إرادة الدول "الكبرى"، صاحبة الجلالة، هي التي تتحكّم بتفاصيل السياسة، في دوائر هذا البلد الشامخة، ومؤسساته العامرة، وذلك برضا السادة الأجلاّء، أقطاب الحكم والمعارضة، الذين يمثّلون، عن علم أو عن جهل، أدواراً وضيعة، وإنْ متفاوتة، في إذكاء نار الفتن المتنقّلة، غير عابئين بأشلاء القتلى، أو دماء الجرحى، أو أوجاع البائسين، أو صرخات الجائعين.
ها هو العناد المنهجيّ يمسي "ملْح الرجال"، ويفتك بالبقيّة الباقية، من الأوراق الجميلة التي كانوا يقرؤونها قبل صلاتهم اليومية، يفتك بالملفّات المحقّة التي خدعوا الناس طويلاً، إذ زعموا أنهم مخلصون لبنودها وسطورها وكلماتها وحروفها ونقاطها وفواصلها. ها هو العناد المنهجيّ يؤدي إلى مواجهات حمقاء في أزقّة بيروت- وما أدراك ما بيروت- وفي كثير من أطراف هذا البلد المنكوب، دون حفظ حرمات الناس، الذين يتاجر بهم أولي الشأن، هنا وهناك! اعتداء على علماء دين، وتحطيم سيارات، وحيلولة بين الناس وأرزاقهم، وقطع للطرقات العامة، وتعطيل للملاحة الجوّية! ويقف الجيش والقوى الأمنية في عجز، نتيجة ارتباك مؤسسات الدولة نفسها، والتجاذب بين أجنحة الأمن!
وكلّ هذا ناجم عن الخطابات العنترية التوتيرية، والردود "الدامغة" عليها، ناجم عن التحريض المدروس، والمبرمج، من خندقي الصراع، على حد سواء، منذ أشهر. وهذا رغم أشهر العسل الطويلة، التي جمعتهم، وجعلتهم يمتنعون عن التفاضح والتنابذ، ويتعالون على مئات ملفات الفساد السوداء، التي ارتكبها هذا الفريق أو ذاك، حين كان في موقع القرار! فلماذا يصبح "السلم الأهلي" مقدّساً عند الفريقين، ولو سُلِب المالُ العام، وخُرق "الدستور"، وهاجر الناس بحثاً عن لقمة العيش المختطفة؟ ولماذا تستيقظ فجأة، بعد أن نامت نوم أهل الكهف، الشعاراتُ البرّاقة، ويصبح تخريب البلد في سبيلها، شرفاً وكرامة؟
إنّ دوّامة الجدل المحتدم في البلد، منذ أشـهر، حول مدى التمثيل الشعبي لهذه الفئة السياسية، أو تلك، لا يحلّه تعديل في آليات التوافق، أو تغيير في قانون الانتخاب. وإنّ الاحتكام إلى الشارع، لإدراك مَنْ له الكلمةُ الفصلُ، يعني أنّ مؤسسات الدولة غير مؤهّلة للتعبير عن إرادة الناس، ويعني أنّ صيغة هذا الكيان، صيغة هشّة، وهي كذلك منذ ولادته القيصرية، بدستوره المستوحى من مخلفات المستعمر الفرنسي، إبّان "الانتداب".
إنّ على المخلصين، إلى أيّ فئة انتموا، أن يكفّوا عن استنـزاف الشارع، والتلاعب بمشاعر الناس، وأن يعيدوا النظر في أصول اللعبة التي أرغمهم الغربي أن يتحاكموا إليها، دون حيد، وأن ينـزعوا "القداسة" عما يسمونه "دستوراً"، وهو يربك كلّ محاولات الحلّ. آن الأوان لاتخاذ الموقف الجريء من السفارات الغربية التي تهدّد مصير البلد، في سبيل إنعاش مشروعها المسمّى "الشرق الأوسط الكبير"، بل "الشرق الأوسط الأسير". ألم يخطر في أذهان أولاد الشوارع، المتذمّرين من فيلتمان، الأب الروحي لأيتام لبنان، أن يحاصروا عرينه؟ لقد خطر في أذهان من يحرّكونهم أن يشتموه نهاراً، ويستقبلوه ليلاً. فأيّ الموقفين يمثّل ما في القلوب؟؟ أم أنه التذبذب المعبِّر عن ألوان قوس قزح!؟
أمّا أعتاب السفارة الفرنسية، حيث دارٌ أخرى لأيتام لبنان، فترى فيها أفواج اللاهثين، بالصحون الفارغة، والأكفّ المفتوحة، والعيون المتضرّعة، ولا يدري هؤلاء أنّّ الدسم الذي تنتجه هذه السفارة، معلَّباً، عامرٌ بالسمّ. هم يموتون بفعل هذا السمّ، ويسألون: مَنْ قتلنا؟ ويذهب، بعد الدفن مباشرة، أولياءُ مَنْ قتلهم السمُّ، إلى القاتل، حتى ينتقم لهم، ولا ينسون أن يستجدوه جرعة أو جرعتين قاتلتين من شرابه السحري!
أيها السادة، بات النوم على مسامير الفتنة هواية، وبات احتساء علقم الشرذمة هوساً، فلماذا؟ تقولون: هم الذين بدؤوا، ونحن في موقع الدفاع، ولا بدّ من قمع العنف بالعنف، والتعبئة بالتعبئة، والتعصّب بالتعصّب، ولا تلبثون أن تردّدوا قول الشاعر:
دع عنك لومي، فإنّ اللوم إغراءُ وداوِني بالّتي كانتْ هيَ الدّاءُ
بربّكم، هل نسيتم أن قائل هذا البيت، شاعر مخمور، شاعر متهتك، شاعر خليع؟ فهل أمسى أبو نواس نبيّ السياسة في شريعة الغاب، بعد أحدث تعديلات في دستورها!!؟


