لا يزال مؤتمر هرتزليا،
منذ انعقاد دورته الأولى في العام 2000، يستقطب
اهتماما واسعا لدى مختلف الأوساط الإقليمية والدولية،
المهتمة والمتابعة للشأن الإسرائيلي. وينبع هذا
الاهتمام المتزايد من واقع ماهية وشمولية مواضيع
التفكير الاستراتيجي
التي تتخلل أوراق العمل والمناقشات والأفكار والتوصيات
التي يتم تداولها في أعمال المؤتمر ويصار إلى إجمالها
في تلخيصات ووثائق تصدر عنه، خصوصا أنّ
المؤتمر يعكس اتجاهات التفكير المختلفة المعبرة عن رأي
النخبة الإسرائيلية المتنفذة في شتى المجالات، وبهذا
المعنى هناك من بات ينظر لما يتناوله
المؤتمر
بمثابة التئام لـ " العقل الجماعي الإستراتيجي المفكر
" لإسرائيل.
ومن أبرز القضايا التي تم تداولها المؤتمر في دورته السابعة لعام 2007، فضلا عن إعلان المؤشرات المختلفة وفي صلبها " مؤشر الوطنية وميزان المناعة والأمن القومي "، اتجاهات لتجديد الجيش الإسرائيلي وتعزيز قوته، وإنعاش الحوار الاستراتيجي الأمريكي - الإسرائيلي، ومواجهة إيران المتحولة إلى دولة نووية، وتبعات العدوان الإسرائيلي على لبنان في الصيف الماضي، وتغيير بنية النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي، والسلام الإسرائيلي – السوري، ومكانة الجيش في المجتمع الإسرائيلي وعلاقته بالمستوى السياسي، وتحديث العلاقات الاستراتيجية مع الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي، فضلا عن جملة من التحديات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي. وقد تحدث في المؤتمر عدد من وزراء الحكومة وقادة الجيش ورؤساء أحزاب المعارضة، كما شارك عدد كبير من كبار الأساتذة الجامعيين في مختلف المجالات، وعدد من المدعوين الأجانب.
لقد كرس المؤتمر نصف جلساته للموضوع الإيراني، إذ بدا واضحا انشغال القيادات السياسية والأمنية والأكاديمية الإسرائيلية في إعداد الخطط ضد التسلح النووي الإيراني، وممارسة الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية لإجهاض المشاريع الإيرانية لتطوير القدرات النووية. وتوصل غالبية المخططين الإسرائيليين إلى الاستنتاج بأنّ الخيار العسكري ينطوي على أخطار جسيمة لإسرائيل، ولكن إذا تم تنفيذ الضربة العسكرية لإيران بالتعاون التام مع الولايات المتحدة الأمريكية فسيخفف الأمر من الأضرار على إسرائيل. لقد كرس رئيس الحكومة أولمرت خطابه في المؤتمر للتهديد الإيراني وسبل التصدي له، ومما قاله " الشعب اليهودي، الذي تشق ندوب الكارثة جسده، لا يمكنه أن يسمح لنفسه بأن يقف مرة أخرى تحت تهديد على وجوده، في الماضي العالم صمت والنتائج معروفة، مهمتنا منعه من تكرار هذا الخطأ مرة أخرى ".
وبدا من خلال أوراق المؤتمر أنّ الحدود والقدس واللاجئين هي القضايا الأساسية للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، وقد نُقل عن نائب رئيس الوزراء شمعون بيريس قوله " في ما يتعلق بقضية الحدود، إنّ إسرائيل قريبة جدا من الاتفاق مع الفلسطينيين، وقد وافقت على إعادة 90 % من أراضي الضفة الغربية، وقالت للعالم العربي أنه ليس لإسرائيل ما تتفاوض عليه في شأن قضية اللاجئين، وإنّ المبادرة السعودية تتطرق على نحو مختلف إلى القضية، وإنّ أحدا لا يتحدث عن حق العودة وإنما عن حل عادل لقضية اللاجئين ".
كما كشف النقاب عن خطة أعدها عضو الكنيست البروفيسور شلومو زنتس، المقرب من رئيس الوزراء أيهود أولمرت، تقتضي: انسحاب إسرائيلي من معظم مناطق الضفة الغربية، وتفكيك عشرات المستوطنات ودخولها إلى الكتل الاستيطانية، وإنهاء الاحتلال وتسليم إدارة المناطق (المحتلة)، بما في ذلك قطاع غزة، إلى قوة مهام أوروبية حتى إقامة دولة فلسطينية.
وفي ندوة بعنوان " عرب إسرائيل ودولة اليهود " وتعقيبا على ورقة " المنظور المستقبلي لفلسطينيي الـ 1948 " الصادر عن " لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب في إسرائيل "، والتي ترى أنهم أقلية قومية، وتؤكد التناقض بين يهودية الدولة وديموقراطيتها، وتدعو إلى تغيير طابعها، اعتبر خبراء إسرائيليون أنّ مطالبة الفلسطينيين بالحقوق المدنية والمساواة الكاملة مع اليهود في إسرائيل أشد خطرا من التهديدات الإيرانية. وكانت الناشطة السياسية العربية عايدة توما قد دعت الإسرائيليين إلى حوار جاد، بموجب الوثيقة المذكورة، لافتة إلى أنّ الفلسطينيين في إسرائيل أقلية قومية تبحث عن حكم ذاتي ثقافي لا سياسي.
وفي المسار الإسرائيلي – السوري أعد مدير مركز هرتزيليا للدراسات الاستراتيجية خطة لحل قضية استمرار احتلال إسرائيل لهضبة الجولان السورية، تقوم على مبدأ تبادل الأراضي بين كل من سورية وإسرائيل ولبنان والأردن، لأنّ الحدود الوحيدة مع سورية هي هضبة الجولان، والمناطق البديلة ينبغي أن يحصل عليها السوريون من لبنان أو الأردن، اللذين يعوضان عن ذلك من قبل إسرائيل. وفي ما يتعلق بلبنان، فإنّ الخطة تقترح التخلي لسورية عن شريط حدودي على الحدود السورية - اللبنانية، في مقابل حصول لبنان على شريط في شمال إسرائيل قريب من الحدود الإسرائيلية - اللبنانية. وفي الجانب الأردني، تفترض الخطة أن تحصل سورية على شريط محاذٍ للحدود الأردنية - السورية، في مقابل حصول الأردن على أراضٍ من إسرائيل جنوبي البحر الميت.
وهكذا، فإنّ اتجاهات تفكير النخبة الإسرائيلية تطرح مجموعة أسئلة، منها: هل كانت الحلول المطروحة في مؤتمر هرتزليا، المرتكزة على صفقة عقارات واسعة تخصص في إطارها مناطق من دول مجاورة للدولة الفلسطينية أو لسورية، فرارا من الواقع ؟ وهل تعتبر التوصية بشن الحرب على إيران وصفة حكيمة ؟ وإذا كان خبراء هرتزليا يقرأون الواقع بصورة صحيحة، أولم يكن من الأفضل لهم البحث عن أقوم المسالك للسلام العادل والشامل والدائم للصراع العربي – الإسرائيلي ؟
تونس
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس


