يعرّف
المجتمع المدني بأنه مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي
تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح
أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي
والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف.
وبالنسبة للعالم العربي، يذهب بعض الباحثين إلى القول بأنّ بوادر المجتمع المدني وأشكاله الأولى نشأت منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث تشكلت النقابات العمالية والمهنية في بداية القرن العشرين، وكذلك الجمعيات التعاونية وسواها من المنظمات التي تدخل في إطار تعريف المجتمع المدني.
وفي العقدين الأخيرين شغل مفهوم المجتمع المدني حيزا واسعا من الخطاب العربي، ولا يزال يشكل إحدى أهم المسائل التي تستحوذ على الاهتمامات الأساسية لهذا الخطاب، بحيث يمكن اعتباره جزءا أساسيا من بنيته. لكنّ اللافت هو التباس مفهوم المجتمع المدني وتناقضه واختلاطه في الفكر العربي الراهن إلى درجة يضيع معها جوهره ومضمونه والأسس التي يقوم عليها، مع تغييب المرجعية التي تسنده ويستمد منها وجوده ومكوناته وقيمه. ويرجع أصل هذا الاختلاط والالتباس إلى أنه لم يتم التعامل معه بوصفه مفهوما حديثا نشأ وتكوّن مع ثورة الحداثة العلمية والتقنية والإنتاجية في الغرب، مترافقة مع تحوّل غير مسبوق في السياسة والثقافة والفكر والاجتماع، ما أسس لنشوء مفهوم الفرد والحرية الفردية والعلاقات المدنية المختلفة، بما يشكل اختلافا جذريا عن تلك القائمة في مجتمع القبيلة والعشيرة والطائفة، أو ما يمكن تسميته بـ " المجتمع الأهلي " الذي تحدده الروابط الدموية القرابية أو المعتقدية الإيمانية.
وفي الواقع، يكاد المجتمع المدني الحديث في المجتمعات العربية يدين في انتشاره النسبي لظاهرة العولمة، من حيث ما تنطوي عليه من تدفق للأفكار عبر الحدود أو من حيث ما ترتبط به من تطور في تقنية الاتصالات الجديدة. فهي التي قدمت له الإطار النظري والوسائل التي مكنته من الحصول على حد أدنى من حيز الاستقلال عن النظم القائمة.
وهكذا، تظل إشكالية عدم الاتفاق علي مفهوم المجتمع المدني، تمثل عائقا أمام التوصل إلى مقاربات للوضع الراهن للمنظمات غير الحكومية العربية. ولعل من أهم الإشكاليات الفكرية:
- الدور الذي يمكن أن تقوم به مؤسسات المجتمع المدني، فإذا كان هدف الأحزاب السياسية الوصول إلى السلطة، فإنّ مؤسسات المجتمع المدني لها آليات وأساليب أخرى، وإن اشتركت أحيانا في بعض الأهداف.
- ضعف الثقافة الديموقراطية، وكذلك النقص الشديد في الوعي الحقوقي.
- معاناة مؤسسات المجتمع المدني العربي من غياب المبادرة أو ضعفها على المستوى الفكري والعملي، وعدم التوجه إلى دراسة الظواهر الجديدة.
- انشغال مؤسسات المجتمع المدني، وخصوصا منظمات حقوق الإنسان، بالحقوق المدنية والسياسية على حساب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى درجة أنّ الأخيرة غالبا ما تهمل أو تُنسى.
- توجه مؤسسات المجتمع المدني إلى الاحتجاجات والنقد والأهداف المطلبية، وإن كانت هذه مسألة مهمة من خلال الرقابة والرصد، إلا أنها لا يمكن أن تساهم في وضع تصورات حول التشريعات الوطنية، سواء بمواءمتها مع الاتفاقات والمعاهدات الدولية وتطور القانون الدولي على هذا الصعيد، أو تعديلها أو اقتراح قوانين وتشريعات جديدة بديلة منها.
- هناك بعض المواقف المتناقضة من بعض القضايا الحساسة بحجة الخصوصية والشمولية، وهذه تشمل قضايا مثل المرأة والموقف من المساواة، والأقليات القومية والدينية والفئات المهمشة أو ذوي الاحتياجات الخاصة.
- الارتياب من العلاقة مع الآخر، ولعل بعض الأطروحات الإقصائية لا تدرك أنّ العالم كله أصبح قرية عالمية صغيرة، وأنّ هناك قيما إنسانية مشتركة لبني البشر بغض النظر عن دينهم أو عرقهم أو لغتهم أو منشئهم الاجتماعي أو جنسهم.
ومما لا شك فيه أنّ تطور المجتمع المدني في العالم العربي، منذ العقد الأخير من القرن الماضي، قد تأثر بظواهر المناخ السياسي الدولي والإقليمي. حيث شهدت تسعينيات القرن العشرين تعديلات في القوانين المنظمة لعمل المنظمات غير الحكومية في العديد من الأقطار العربية، وتركيز الخطاب الرسمي في بعض الدول العربية على ضرورة تعزيز دور هذه المنظمات وحتمية علاقة الشراكة بين هذه المنظمات والحكومات.
كاتب وباحث سوري مقيم في تونس


