أهم بكتابة هذه المداخلة كمساهمه في الحوار القائم حول الانتخابات القادمة في سوريا. إن العملية الانتخابية هي جزء من الحراك السياسي  العام الذي ينتاب المجتمع بشكل دائم، هذا الحراك السياسي يتسارع أو يتباطأ حسب الظروف المحلية والعالمية .

إن المشاركة بالعملية السياسية هي عمل دائم متواصل يقوم به المواطنون من خلال الانتخابات والاتصال بالسلطة التشريعية التي يفترض أن تكون السلطة الأعلى في الدولة كونها الممثل الشرعي للمواطنين .

كذلك يشارك المواطنون في صنع القرار السياسي من خلال استطلاعات الرأي والتصريحات ومواقف المؤسسات المدنية والأحزاب السياسية التي تتنافس على كسب ثقة الجماهير وتمثل شرائح مختلفة من الشعب . كذلك يقوم المواطنون بالتظاهر والاعتصام والإضراب والكتابة لوسائل الإعلام كالصحف والراديو والتلفزيون ....الخ

كل ما سبق تواجه السياسة العامة للدولة التي تقوم بمراعاة رغبات الشعب لكي تستطيع نيل ثقة في انتخابات مقبله .

إن السلطة مفسدة، لقد أدركت الشعوب ذلك، لذلك أوجدت المجتمعات البشرية وسائل وآليات تمنع تغًول السلطة التنفيذية على المجتمع وعلى السلطات الأخرى التشريعية والقضائية، ومن هذه الوسائل على السبيل الذكر لا الحصر، الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، عدم السماح بإعادة انتخاب الرئيس لأكثر من عدد محدد من الدورات الانتخابية، وغيرها من الضمانات التي تتناسب مع كل زمان ومكان، وتقوم الجماهير من خلال منظمات المجتمع المدني بالسهر على حسن تطبيق هذه الآليات الضابطة لفصل السلطات أو غيرها .

إن تاريخ البشرية يؤكد أن السلطة التنفيذية تحاول بشكل دائم أن تنفرد بالقرار وأن تتحول تدريجياً إلى سلطة مطلقة لحزب ثم مجلس قيادي ثم فرد. لكن المجتمع المدني والسلطتين التشريعية والقضائية تحول دون تحول السلطة التنفيذية إلى التسلط والفساد بحق المجتمع. بعدة وسائل تبدأ من سحب الثقة وإسقاط الحكومات البرلمان إلى حد حمل السلاح للدفاع عن الديمقراطية. هناك عدة أمثلة من تاريخ الولايات المتحدة الأميركية وحتى في زمنها الحاضر على ذلك . حيث قام المجتمع المدني الأميركية بكبح جماح إدارة الرئيس جورج بوش الابن وفرضت علية التراجع عن كثير من إجراءاته التي تتعارض مع روح الدستور الأميركية وحقوق المواطنين الأميريكان وحتى غير الأميريكان.

هذه المقدمات يجب أن لا تنسينا أن الدولة هي أداه من أدوات السيطرة حسب التعريف الماركسي ولكنها في العصر الحديث تمارس هذه السيطرة بشكل حضاري يراعي حقوق الإنسان والمفاهيم البشرية التي أصبحت عامة بعد ثورة الاتصالات، فالصراع الطبقي أو غير الطبقي لم يعني مجازر ومذابح جماعية ضد المواطنين كما هو حال النظام السوري أو غيره من الأنظمة التي تعفنت حتى في وسائل النهب والسيطرة التي تمارسها.

لنعد الآن إلى الدولة التي أقتبسها حزب البعث العربي الاشتراكي وفصلها الرئيس الراحل حافظ الأسد على مقاسه الشخصي، ولن أنخرط هنا في كيف تمكن أن يلغي كل التقاليد الديمقراطية؟،  التي رافقت نشوء الدولة السورية الحديثة حتى عام 1963 لكني سأقوم بقرائه موجزه للواقع السوري.

استطاع الرئيس حافظ الأسد أن يبطئ الحراك السياسي في سورية إلى درجة توحي بالتوقف الكامل. وحرم المواطنين من حق المشاركة في الحياة السياسية وأصبحت حرية التعبير شيئاً من الخيال العلمي في سورية وعبارة يتندر بها السوريون عندما يذكرون مظاهر الترف في أوروبا. ولن أستطرد في الحديث عن الحقوق المسلوبة لكي لا أذر الملح على الجرح.

فكل مواطن سوري يعرف انه مسلوب الكرامة وأنه عرضه لانتهاكات أجهزة الأمن بدون رادع أو رقيب.

تحول مجلس التشريعي أو ما يسمى مجلس الشعب إلى مسرح تلجأ السلطة التنفيذية إليه بين الفينة والأخرى لأسباب سياحية، ولم يبق في سوريا وسائل إعلام حرة، فقام النظام بسجن الكلمة والفكرة، وأنتشر الفساد كإبن شرعي للاستبداد وكعنصر أساسي في إعادة إنتاج وجود هذا النظام. هذا ما جعل المواطن يفقد الثقة في الدولة كراعية لمصالحه ولجأ كتحصيل حاصل إلى تشكيلات ما قبل إنشاء الدولة كالقبلية والطائفية لإيجاد فضاء يستطيع فيه أن يشعر بالأمان من هذه الدولة التي تقف له بالمرصاد.

لأسباب عدة ليس أقلها شده التنكيل بالمعارضة السورية، أصبحت هذه المعارضة ضعيفة وغير قادرة على خرق الحصار الذي فرضه النظام حولها مما أدى إلى أن فقد المواطنون الثقة في ألمعارضه ، فأصبحت قليله العدد والعدة وبدون تعاطف شعبي .

هذا خلق حلقه مفرغه لم تستطع المعارضة السورية كسرها حتى الآن.

إن السؤال الذي يثير الضحك لحد المرارة، هو لماذا يقوم النظام بتنظيم هذه الانتخابات؟  فليس هناك ضغط شعبي ولا يحزنون. إن النظام ربما يستقطب كوادر فاسدة جديدة تتنافس على تقديم الولاء والانحياز له، أو للتخلص من هؤلاء اللذين لديهم "نفس أمارة بالسوء" على حد تعبير رئيس مجلس الشعب السابق عبد القادر قدوره عندما تجرأ أحد النواب وتساءل عن عملية تغيير إحدى مواد الدستور لكي تتناسب مع عمر المرشح الرئاسي الرئيس بشار الأسد .

 فعلى قوه المعارضة بكافه أطيافها أن تحدد خطة عمل لمواجه هذه التحديات وأنا لا أجانب الصواب عندما أدعي أن ليس هناك اتفاق عام على ماهية التحديات فما بالكم مواجه هذه التحديات.

وأقر أن التحديات هي متغيره بشكل دائم ومواجهتها ستكون متغيره بشكل دائم أيضاً.

إن الحراك الذي بدأه المجتمع المدني في سوريا ونضال نخبه من المواطنين السوريين خلال السنوات القليلة السابقة يشكل مفتاح الأمل وخطوه نحو بناء وطن يتسع لجميع أبناءه .

وأنا أتوجه لجميع القوى والشخصيات المعارضة إلى مؤتمر وطني ينعقد قبل بدأ مهزلة انتخابات أخرى، وعلى هذا المؤتمر أن يحدد خطه عمل إما المشاركة في هذه الانتخابات أو خلق حاله بديله لها تشكل فضحاً للممارسات النظام التي ملً الشعب السوري منها. وعلى هذا المؤتمر أن يقدم لهذا الشعب المثكل، بدائل يستطيع أن يصطف خلفها .

29-01-2007