عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

عبدالله تركماني

تآكل الوطنية العراقية (*)

 

 

2007-01-24

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

يذكّر المشهد العراقي الراهن بمسرح اللامعقول، فكأنما قدر العراقيين هو الخيار بين السلطوية القاتلة والخانقة، تحت عنوان الاستقرار والأمن كما كان الوضع عليه في زمن النظام السابق، وبين الفوضى الشاملة تحت عنوان الديمقراطية والحرية.

إنّ الأكثر غرابة بالنسبة للمأساة العراقية، التي تزداد تفاقما يوما بعد يوم، أنّ أغلبية الذين يتعاطون معها يرفضون الاعتراف بالحقيقة، فالحرب الأهلية التي تحصد يوميا أرواح العشرات والمئات من الأبرياء والأطفال والنساء والتي لم توفر أي شيء، لا تزال توصف بأنها أزمة سياسية عابرة..! فمنذ بداية الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003، جرى تكوين العراق الجديد على أسس مذهبية وطائفية، اتخذت طابع الميليشيات المسلحة المُخترقة من الخارج والمتطرفة والمتشنجة، الأمر الذي جعل الصراع السياسي على تركة النظام السابق يتخذ هذا الطابع الدموي البشع وجعل المتخاصمين يتفننون في إبادة بعضهم بعضا !! وبالتالي تدمير الذات وتآكل الوطنية العراقية الجامعة.

لقد جاء التعامل الأمريكي مع الواقع العراقي على أساس القبول بمقولة تبسيطية تعتبر أنّ العراق هو ضم قسري لثلاث مناطق من الزمن العثماني، وأنه لكل من هذه المناطق مضامينها الثقافية والإثنية: فالشمال " كردي "، والوسط " سني "، والجنوب " شيعي ". والاعتراض هنا ليس أنّ هذه المقولة خاطئة جملة وتفصيلا، بل أنها تفرض على المجتمع العراقي أصالة ثابتة لحالته قبيل تشكل العراق كدولة حديثة، فيما تنفي من باب الطارئ والدخيل والمفتعل تطور الهوية العراقية الوطنية الجامعة على مدى قرابة قرن من الزمن.

وعلى ذلك، لعل مشكلة الميليشيات تبدو مستعصية في ظل غياب الدولة ومرجعيتها وهيبتها وقوتها العسكرية، وفي ظل سياسات التخبّط والتشظي والتفتت، وكذلك في ظل تصاعد الاحتقان الطائفي والمذهبي والإثني، ونهج التطهير الطائفي، الذي طال ما يزيد عن ربع مليون إنسان، في حين ما زال قانون الأقاليم مصدر اختلاف جذري، رغم موافقة البرلمان عليه، وقد ينفجر مع الألغام الكثيرة التي تتعلق بتعديل الدستور.

وإذا كانت الفيدرالية، التي أقرها الدستور، ليست بدعة عراقية‏،فهي مطبقة بنجاح في العديد من الدول التي تنعم بالتوحد والتماسك فيما بين مكونات شعبها، فإنّ الخشية أن تكون في العراق نظاما لإدارة الانقسام، بدلا من أن تكون نتيجة للإرادة السياسية في التقارب والتوحد. فالعراقيون المحتكمون الآن إلى السلاح لن يكون بمقدورهم مناقشة مشكلات عيشهم المشترك ووضع حلول لها، لأنّ كل مجموعة منهم ستكون مشغولة، ولفترة طويلة، بتسوية مشكلاتها الداخلية وترتيب أوضاع إدارتها الذاتية، فتستسهل الانطواء في إقليمها منعزلة عن الآخرين، لتصبح حدود الأقاليم خطوط تماس ومواجهة ودفاع عن المصالح والنفوذ والموارد.

إنّ أية خطوة، باتجاه التغيير وتقديم البديل الوطني، لن تعطي ثمارها الإيجابية عن طريق الشعارات، وإنما بالقدرة على قيام كتلة سياسية عراقية كبيرة، تتجاوز أطرافها الخلافات الثانوية وتملك الحد الأدنى من الانسجام، تمهد لانبثاق جبهة وطنية شعبية عريضة تعتمد على المقومات التالية:

- أن تعتمد في بنيتها التنظيمية على قوى وحركات وشخصيات سياسية معروفة بولائها للعراق وتنبذ الطائفية، ولديها الخبرة السياسية القادرة على التعامل مع الظروف المستجدة.

- أن تمتلك الوضوح الكامل في الخطاب السياسي المؤكد على تحرير العراق واستقلاله ووحدته.

- أن تعلن موقفا واضحا من الإرهاب، بكل أشكاله، والتفريق بينه وبين المقاومة الوطنية.

- أن تعلن حربها على الطائفية ومناهجها السياسية، فالولاء للوطن أولا.

وفي هذا السياق، ثمة مجال واسع جدا لبلورة سياسة عربية جماعية تساعد العراق على الخروج من كبوته، تنطلق من مبدأ أساسي: حق العراقيين في الاستقلال والسيادة والتعايش فيما بينهم على أسس وفاقية يقومون هم ببنائها ورعايتها، دون إقصاء من طرف لآخر أو هيمنة فئة على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد. فالعراق ينتظر المساهمة العربية - الشعبية والنخبوية والحكومية - في مستقبله، من خلال احترام تجربته وألمه. إنه ينتظر استفاقة العرب إلى عواقب تغيّبهم عن العمل الدؤوب على انتشاله من شفير الهاوية، إنه ليس فقط موقع قدم انزلاق العظمة الأمريكية، وإنما هو أيضا موقع قدم انزلاق العرب إلى الحضيض ما لم يُسند بجدية.

إنّ ما يحتاجه العراق من العرب - الآن - ليس المزيد من التحريض ضد حكومته وضد القوات الأمريكية، لا سيما وأنّ كثيرا من العقلاء العرب يرى في الخروج السريع لهذه القوات دمارا أعظم للعراق وشرذمة وإفرازات إقليمية رهيبة. إذن، من مصلحة العرب الاستثمار في العراق، ليس فقط لصد الهيمنة الإيرانية عليه واستعادته إلى البيت العربي، وإنما أيضا لاستعادة ثقة شعبه بالعرب شعوبا وحكومات.

إنّ مسلسل أحداث العراق، خلال التاريخ المعاصر، يقود إلى النتيجة القائلة أنّ الفشل في إقامة دولة وطنية حديثة قادرة على العيش والتطور هو فشل مركب، أول أسبابه قراءة خاطئة للتطور العالمي، وثانيه أنانية مفرطة من قبل اللاعبين المحليين.

 

    الدكتور عبدالله تركماني

  كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة