عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

    مصطفى حواء

حزب الله والفرصة التاريخية

 

 

2007-01-21

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة مفتوحة

إلى الأخ العربي المجاهد حسن نصر الله المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فيما يلي اجتهاد محدود في بعض القضايا المطروحة نأمل أن يكون فيه بعض الإضاءة لبعض جوانبها في ظل ظروف دقيقة للغاية يحاول فيها التحالف المعادي للأمة العربية "اصطناع" تحديات ومعارك ومواجهات يستهدف منها حصار وتطويق قوى التحرر العربية لثنيها عن متابعة مهامها . ونعتقد أنه آن الأوان للتعامل مع الفرصة التاريخية التي قدمها الانتصار الإلهي للأمة بدون لبس أو تردد أو تسويف .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته                                                                      

 

   أخوكم 

مصطفى حواء

 حلب

حزب الله والفرصة التاريخية

 

فيما يلي نقاط لحروف غير منقوطة لبعض المصطلحات والأفكار والقضايا التي تضمنتها كلمات السيد الأمين العام لحزب الله أثناء معركة الوعد الصادق وما بعدها في خطاب النصر ، وتأتي هذه المداخلة استجابة للدعوى التي تلمسناها في مفاصل مهمة من الكلمات المشار إليها بالإضافة إلى الوعد بالمراجعة الشاملة للتجربة التي نعتقد بأن جميع الأحرار في الوطن العربي والعالم أصبحوا معنيين بها بذات القدر الذي تعني قيادات وكوادر وقواعد الحزب .

إننا نعتقد بأن ظروف الحزب المحلية ومسار ونتائج المعركة "أسست" لـ "ولادة جديدة" لحزب الله تنشدها الجماهير المظلومة في أمتنا العربية، لم يكن مخططاً لها في استراتيجية الحزب وأهدافه المعلنة .. إنما طبيعة وحقيقة المعركة ونتائجها و"القضية" التي تم التعامل معها صنعت هذه الفرصة التاريخية وقدمتها للجميع .. حزب الله وقياداته وجميع الأحرار والقوى الحية في الأمة العربية ، فرصة ذهبية تناشد الصادقين من هذه الأمة عدم تفويتها والاستفادة منها للانعتاق النهائي من القهر والظلم والاستعباد والهمجية والاستعلاء الذي يفرضه التحالف المعادي على الأمة .

1.  لقد استخف العدو بإمكانيات وقدرات حزب الله على الصمود والمواجهة لما اعتمد في حساباته على موازين القوة المادية . فالذي يملكه الحزب من قوة تدميرية وتكنولوجية يكاد لا يقارن بما يملكه العدو . أما حزب الله فقد اعتمد في حساباته على ما لا تستطيع حواسيب العدو ترجمته وإدخاله إلى ذواكرها :

-   الإيمان بالله وبحتمية النصر واعتبار الشهادة جائزة وبشرى لحياة أبدية بجوار الخالق وملائكته وأنبيائه والصالحين من عباده .

-   إمكانيات متواضعة من العدة والعتاد والوسائل التكنولوجية.

-   إمكانيات متقدمة من التفكير والتدبير والتخطيط وحكمة ودقة في التنفيذ.

بذلك تبلورت أهم وأثمن النتائج وأمضاها تأثيراً وتحديداً لمصير الوطن والأمة : الإنسان المسلح بالإيمان بالله وبرسالته والمرتبط بعلاقة عضوية بقيادته ومجتمعه والمؤهل والمدرب على مواجهة العدو هو العامل الحاسم في تحقيق النصر على أرض المعركة .

لقد أسقط هذا الدرس وهدر كل الجهود التي بذلها العدو خلال خمسة عقود من الزمن ليغرس في عقول الحكام والساسة العرب .. أنه طالما أن إسرائيل متفوقة تكنولوجياً ومن ورائها كل مصادر القوة العسكرية والمادية ، الغربية والأمريكية ، على ما تستحوذه الجيوش العربية مجتمعة فلا أمل للعرب بالنصر في أية معركة .. وبالتالي فإن خيار المقاومة المسلحة لاسترداد الحقوق المغتصبة غير وارد مطلقاً وليس أمامهم سوى خيار السلام الذي يصدره التحالف الغربي الأمريكي الصهيوني إليهم ويضع له مضامينه استسلاماً نهائياً للعدو وقراراً ذاتياً بالانتحار وتصفية للأمة العربية كوجد تاريخي وهوية ورسالة .

2. "القضية" التي تبين لحزب الله أنه يقاتل لأجلها .. فقد كان الهدف من أسر عدد من جنود العدو مبادلتهم بعدد من الأسرى والمعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية ، فإذ بحزب الله يجد نفسه (لا يقوم الآن بمعركة حزب الله ولا يخوض معركة لبنان ، نحن الآن أصبحنا نخوض معركة الأمة شئنا أن أبينا شاء اللبنانيون أم أبوا ، لبنان الآن والمقاومة في لبنان تخوض معركة الأمة ). *

إذاً .. وهذه ثاني أهم وأخطر النتائج على مصير الوطن والأمة العربية ، فقضية تحرير عدد من الأسرى العرب ليس قضية جزئية ، محدودة ، لا تعني سوى حزب الله ، وفي أحسن الحالات الدولة اللبنانية ، وإنما هي أكبر وأشمل من ذلك بكثير إنها قضية الأمة العربية ، إنها قضية قومية لا تقل في صفتها تلك عن قضية فلسطين والجولان ومزارع شبعا والعراق وسائر الأجزاء المغتصبة من الوطن العربي ، إن هذا الوعي الجديد "يسقط" إلى الأبد كل المشاريع والخطط والاستراتيجيات التي تعاملت أو تفكر بالتعامل مع قضايا التحرر العربية باعتبارها قضايا تخص تلك الأجزاء التي وقع عليها العدوان دون سائر أجزاء الأمة .. وبالتالي يتوجب "الكف" عن توهم إمكان تحقيق نصر نهائي على العدو بدون الاعتداد بالصفة القومية التي تطبع معارك التحرير العربية بدءاً من تحرير عدد من الأسرى إلى تحرير فلسطين والعراق ، إن هذه الصفة "تلزم" المتصدين للعدو في المعارك القادمة ما ترتبه على "أداة" المواجهة في بنيتها الداخلية وعلى استراتيجية المواجهة من حيث القيادة والخطط المرحلية والإمكانات الضرورية لتنفيذ تلك الخطط.

إن الخطاب القومي ، العربي الإسلامي ، شرط ضروري للتعبئة السياسية والمعنوية للمعركة ولكنه غير كاف لاستكمال التعبئة على الأصعدة الأخرى بما يتناسب مع شمول المواجهة وحقيقة القضية التي فاجأت الحزب وقيادته . إن قومية القضية والمعركة تضع حزب الله والجماهير العربية أما تحديات جديدة وجدية وهذا ما دفع بقيادة الحزب إلى توجيه النداء (أين أنتم أيتها الشعوب العربية والإسلامية ، ماذا ستفعلون، كيف ستتصرفون ؟ . هذا شأنكم ) * .

إن الجماهير العربية تنشد حضورها في جميع المواجهات والمعارك المفروضة عليها لأنها معاركها والقضايا التي تخاض من أجلها قضاياها مدفوعة بالإيمان بفريضة الجهاد عن الأرض والعقيدة وإن جميع المؤمنين أخوة وانهم شركاء في الأرض والحرية والكرامة والمصير ، والبذل والفداء لا تحده المبادئ بل تحده السدود والحدود وأجهزة المراقبة التي رتبها الأعداء مع أنظمة سايكس-بيكو ، وتتدفق إمكانيات الجهاد على ساحات المعركة "تهريباً" و "تسللاً" من سطح الأرض وجوفها عبر الأنفاق لتفادي العراقيل والعقبات التي تستهدف قطع خطوط الإمداد عن ساحة القتال . وما فرضه العدو منذ سايكس-بيكو حتى 1701 من معاهدات واتفاقيات وقرارات لا يستهدف سوى الحؤول دون الجماهير العربية وقضاياها لانه في ذلك الضمان الوحيد لاستمرار الهيمنة ونهب الثروات ، يجب منع الشعب العربي من خوض معاركه بفرض التجزئة والتبعية واقامة القواعد العسكرية وشن حملات الغزو المباشر واقامة الكيان الصهيوني وتسيده على المنطقة واقامة التحالفات بين العملاء من الحكام العرب وتسخيرهم لخدمة المخططات المرسومة في البيت الأبيض ، يجب عدم تمكين الشعب العربي من خوض معاركه من خلال "تدويل" قضاياه المصيرية وحصر التعامل بها بالمنظمات الدولية المسخرة لخدمة التحالف الغربي الأمريكي الصهيوني ، وفرض الأنظمة العميلة لادارة شؤونه المعيشية والاجتماعية ، ومن خلال طمس وتشويه وتدمير هويته العربية الإسلامية والعودة به إلى ما قبل 14 قرناً .. سريان وبربر وفينيقيين وسومريين وآشوريين وكلدان وأكراد وفراعنة ، ومن خلال الدفع بالطوائف إلى الطائفية والمذاهب إلى المذهبية والعشائر إلى العشائرية وصناعة تاريخ وثقافة ومصير وحتى لغة خاصة بكل تكوين من هذه المكونات .. ولهذا أصبح في عراق اليوم 25 فضائية مسخرة لخدمة هذا المخطط الإجرامي على الأمة العربية .

إن مشروع التفتيت الجديد على أسس عرقية ، مذهبية ، طائفية عشائرية هو الضمان الوحيد لاستمرار وترسيخ هيمنة التحالف المعادي على الأمة وثرواتها الطبيعية .ويسخر العدو ترساناته العسكرية وقواعده وأساطيله وعملاءه ومليارات الدولارات لتنفيذ مشروعه الذي يسميه بالشرق الأوسط الجديد ، وهو الآن يرمي بثقله كله .. يضرب في العراق وفلسطين ولبنان ويعزز قواعده العسكرية في الخليج العربي وشبه جزيرة العرب وسيناء ويمهد لتمزيق السودان ويدعم الحركات الاثنية والطائفية في مصر  والمغرب العربي .. كل ذلك تحت عنوان دعم الديمقراطية وحقوق الانسان .. ولم يعد هناك من أسرار ولا مخططات تحت الطاولة لأن مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروع تحول دون إمكان إخفاء البواعث والغايات مما يجري على الأرض .. وهذا سبب إضافي يحول دون توهم إمكان تحقيق نصر نهائي على التحالف المعادي إن لم تكن المواجهة القادمة على اتساع وعمق الجبهة التي فتحها العدو في الأمة .

3. لذلك .. أقف عند قول السيد الأمين العام للشعوب العربية والإسلامية "هذا شأنكم" وأضيف .. هذا ليس شأنهم وحدهم .. لأن قضية الأمة تلزم جماهيرها بالدور المطلوب والمتوقع منها كما تلزم طليعتها "رأس الحربة" بالدور المطلوب والمتوقع منها .. نقول ذلك .. لأن الجماهير العربية تخطت وتجاوزت الحال المذهبية لحزب الله ووجدت في قيادته الشجاعة والحكمة وإرادة المواجهة التي سبق ووجدتها لدى قيادتها التاريخية (جمال عبد الناصر ) بعد إلحاق الهزيمة بالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 .. عندها "ولدت" فرصة تاريخية للأمة ، حاولت قوى التغيير في الوطن العربي الاستفادة منها .. فتحقق تحرير غير مكتمل .. وتحققت وحدة جزئية لم تدوم ، وفي داخل مصر خاضت القيادة معارك البناء والتحرر الاجتماعي وتحققت انتصارات مذهلة للفقراء والمظلومين .. ولكن لأسباب لا محل لذكرها الآن .. لم تستوف قوى التغيير ، في ذاتها ، كافة الشروط النظرية والتنظيمية والاستراتيجية الضرورية .. لذلك لم يتمكن الشعب من الاستمرار سواء في تحقيق المزيد من المنجزات أو حتى في الاحتفاظ بما أنجز ، وضاعت الفرصة التاريخية وتبددت أو تكاد جميع المنجزات التي تحققت في إثرها .

كانت قيادة جمال عبد الناصر تفتقد سواء داخل مصر أو خارجها إلى أداة التغيير المستوفية للشروط الضرورية لمواجهة مشكلات التحرر والتغيير الاجتماعي وضاعت سدىً كل الجهود داخل مصر لصنع أداء التغيير المناسبة .. كذلك أخفق "الثوريون العرب ..؟" خارج مصر من تلبية نداء القيادة المتكرر بضرورة صنع الأداة القومية وتحقيق قيام الحركة العربية الواحدة في الوطن العربي .. نريد أن نقول أن "الفرصة التاريخية" التي قدمها انتصار 2006 للأمة العربية تفتح الباب واسعاً للاندفاع باتجاه المستقبل المنشود .. أمة متحررة من الاستعمار بكل أشكاله ، متحررة من كافة الاتفاقيات والقرارات التي فرضها التحالف المعادي الغربي الأمريكي الصهيوني منذ سايكس-بيكو إلى 1701 ، متحررة من الخوف والجهل والمهانة والخنوع والمذلة ، متحررة ثرواتها من النهب والاستغلال والتبديد .. ولكن كيف ؟  كيف يتعامل "الشعب العربي" مع هذه الفرصة التاريخية ؟ يوجه السيد حسن نصر الله في خطابه يوم 22/9 إلى الجميع (لا تحولوا الانتصار التاريخي الكبير ، لا تسجنوه في علب حزبية أو مذهبية أو طائفية أو قطرية)  وهو بذلك يعبر عن خشية مبررة موضوعياً سواء بسبب النشأة المذهبية الطائفية القطرية لحزب الله أم بسبب تفشيها في الواقع العربي . ونقول .. إن المعني الأول بعدم "سجن" هذا الانتصار أو "تظهيره" لحساب علب حزبية مذهبية طائفية قطرية هو حزب الله نفسه لأن استجابة الجماهير العربية واستعدادها للمشاركة في صد العدوان على لبنان تؤكدان ارتفاع مستوى الوعي العربي إلى مستوى القضية والمعركة والمفروضة على لبنان والأمة العربية ، .. لذلك .. تأمل الجماهير العربية المظلومة أن يكون هذا الانتصار "بداية" حقيقية لانعتاقها من الظلم والمهانة المفروضة عليها من أعدائها وبعض من أبناءها .

إن رفع صور السيد الأمين العام وأعلام حزب الله رمزاً للعزة والكرامة والصمود يؤكد تطلع الجميع إلى "قارب نجاة" يعود بالأمة إلى مسارها الأصيل ويمكنها من استئناف حمل الرسالة إلى الإنسانية . فهل يتجاوز حزب الله "مذهبيته" ويستجيب "داخلياً" لتلبية الاحتياجات الاستراتيجية للإعداد الشامل لخوض معركة التحرير العربية في القرن الحادي والعشرين ويجري كافة التعديلات الضرورية لذلك .. ؟

إن هذه الاحتياجات مستمدة ، موضوعياً ، من مفهوم "رأس الحربة" الذي وصف به السيد الأمين العام لحزب الله .. وكما هو معروف فإن "الحربة" تتكون من رأس يتميز بالقوة والصلابة والقدرة على الاختراق و "ذراع" يتميز بالقدرة على تزويد الرأس بالقوة الدافعة والموجهة له باتجاه الهدف ، والعلاقة بين رأس الحربة وذراعها يجب أن تكون عضوية حتى تؤدي "الحربة" مهمتها بنجاح . إن أي خلل في صلة رأس الحربة بذراعها سينعكس حتماً على سلامة المسار أو قوة الاندفاع باتجاه الهدف . نريد أن نقول .. أنه يتوجب الانتباه إلى خطورة الخلل في تناسب الأداة في "بنيتها الداخلية" مع حقيقة القضية وأبعادها .. لأنه ، في هذا الخلل ، تكمن مخاطر الارتداد عن المبادئ والأهداف المعلنة لتنحصر في تلك التي تستدعيها البنية الداخلية الفعلية ، وتجاوز هذه المخاطر لا يتحقق بشكل علمي وحتمي ، إلا بإجراء تعديلات جوهرية في البنية الداخلية لتتناسب ومقتضيات الأبعاد الشاملة للقضية موضوع التعامل . بذلك يستكمل حزب الله "داخلياً" الشروط الذاتية التي تحول دون سجن الانتصار في "علب حزبية أو مذهبية أو طائفية أو قطرية" وهذا هو ما هو مرجو ومتوقع منه.

4.  لذلك .. وعلى ضوء ما جرى على الأرض ، نستطيع القول بأن حزب الله "يمكن" أن "يصبح" طليعة عربية –قومية إسلامية ، ونعتبر أمينه العام زعيماً قومياً عربياً مجاهداً ، وشهداء لبنان شهداء الأمة العربية .. أما لماذا نشدد على "القومية" في توصيف حزب الله وقيادته بالإضافة إلى العروبة ..؟ وكأن "العروبة" لوحدها غير كافية لاكتمال التوصيف كما تنشده الجماهير العربية التي سمحنا لأنفسنا التكلم باسمها .. نعم .. أصبح للعروبة دلالات طارئة عليها غير مستمدة من "التكوين التاريخي" الذي تبلور منذ سبعة قرون والذي نسميه "الأمة العربية" .. لذلك فإن (العروبة علاقة انتماء إلى وضع تاريخي تدرك العربي منذ مولده وتصاحبه حتى وفاته ، ولو لم يكن مميزاً ، ولو لم يدركها ، ولو كفر بها ، ولا يستطيع أي إنسان أن ينتمي إلى العروبة أو أن ينسلخ عنها ولو أراد ) ¨نقول .. نعم أصبح للعروبة دلالات طارئة عليها مستمدة من الآثار الناتجة عن العدوان الأوربي الأول على الأمة عندما جزأها بموجب اتفاقيات سايكس-بيكو وأصبح لكل جزء من الأمة "نظاماً قانونياً" مستقلاً نسميه النظام الإقليمي ، يكفيه أن يدافع عن نفسه حتى تبقى التجزئة مصانة من قبل أبناءها من العرب سواء تحالفوا مع "القابلة" التي أسست أنظمتهم أم حافظوا عليها بدواعي يسمونها "وطنية..؟" وأصبحت لللبنانية والسورية والمصرية والمغربية ..إلخ قوى وأحزاب ومنظمات وأنظمة سياسية ومصالح خاصة مرتبطة بالتجزئة وهي لا تنكر العروبة ، وتدافع عنها وتصونها طالما أنها لا تتناقض مع مصالحهم الخاصة التي اخترعوا لها شرعية "وطنية" ، تلك التي أطلق عليها المفكر القومي العربي المرحوم د. عصمت سيف الدولة اسم "العروبة - الإقليمية" وهي عروبة – وطنية لا تتناقض مع مخططات تفتيت الأمة السابقة ولا تستطيع مواجهة مخططات التفتيت اللاحقة ، وهي عروبة – وطنية لا تتناقض في تحالفاتها ، الغبية والساذجة إذا حسنت النوايا ، مع التحالف الغربي الأمريكي الصهيوني تستجدي منهم الحفاظ على أوطانهم أو إجراء تغييرات سياسية فيها ، إنها العروبة – الوطنية الصهيونية عندما تتحالف مع دولة إسرائيل حفاظاً أو دفاعاً عن "سلطتها الوطنية" ، إنها العروبة الوطنية الصهيونية عندما تستأثر بالثروة القومية وتضعها تحت صرف التحالف المعادي بصيغ شتى لها أول وليس لها آخر وتحرمها عن أصحابها الشرعيين ، إنها العروبة الوطنية الصهيونية عندما تمنع القوات المسلحة العربية من الدفاع عن أبناءها هنا وهناك في الساحات الساخنة من الأرض العربية بدواعي "وطنية" . إنها العروبة - الوطنية الطائفية عندما تعتبر نفسها ممثلة بطائفة من طوائف الأمة دون سواها (لقد تمكن التحالف الغربي الأمريكي الصهيوني من اختراق الكثير من الرؤوس العربية وثبتوا فيها أهدافهم فباتت رؤوس عربية بمضامين غربية متصهينة ، وصارت هذه الرؤوس تمرر المشروع الصهيوني في الواقع العربي بالكالة له عن دولة إسرائيل ، يقودون أمتهم إلى الاستسلام تحت رايات عربية مقبولة صهيونياً)* لذلك لابد من التمييز بين مفهومين للعروبة ، أحدهما إقليمي ، طارئ، نتج عن التقسيم الأول للأمة ويراد له أن يكون بوابة للتقسيم الجديد ، والآخر قومي أصيل نابع من وحدة الأمة العربية أرضاً وشعباً وهو مفهوم يرفض ويناقض مخططات التفتيت السابقة واللاحقة .

على ضوء هذا المفهوم نستطيع القول أن ثمة "وحدة موضوعية" لجميع المشكلات التي يطرحها الواقع القومي ، أو أي جزء منه ، بما تعنيه من أن حلولها الصحيحة المتكافئة مع المقدرة القومية غير قابلة للتحقق إلا بإمكانيات وقوى قومية في إطار المصير القومي ، تفرض دولة الوحدة العربية كأداة يستحيل بدونها وضع كل الإمكانيات والقوى القومية واستعمالها في سبيل حل كل المشكلات العربية وتحقيق المصير العربي الواحد . إن هذا لا يعني أن العروبيين "بمفهوم قطري طائفي مذهبي عشائري" ودولهم عاجزون تماماً عن تحقيق "أي نجاح" في مواجهة المشكلات التي يتصدون لها ، بل يعني تماماً .. أنهم لا ينجحون إلا "مؤقتاً" وانتصاراتهم لا تكون إلا "محدودة" وأنهم لن يلبثوا أن يتبينوا في المدى القصير أو الطويل أن الوحدة العربية لازمة لاضطراد النجاح أو الحفاظ عليه ، وعليهم أن يكفوا عن "إيهام" الشعب العربي بأن ما يحققونه من انتصارات هو كل "الممكن" الكامن في الأمة .

في خطابه يوم 22/9/2006 حدد السيد الأمين العام لحزب الله رؤيته للواقع في لبنان وتصوره بأسلوب تجاوزه (هناك مأزق حقيقي في لبنان اليوم خصوصاً بعد الحرب، هناك انقسام وطني حاد وليس هناك انقسام مذهبي ) .. (هناك انقسام سياسي وطني ، هناك خيارات استراتيجية وسياسية كبرى يتفق عليها قوى سياسية شيعية وسنية ودرزية ومسيحية، وهناك خيارات أخرى يتفق عليها قوى سياسية من نفس الطوائف) والخروج من الأزمة يتم من خلال (بناء الدولة القادرة القوية العادلة النظيفة) والمدخل لبناء هذه الدولة :

1.  حكومة وحدة وطنية

2.  وضع قانون انتخاب منصف

(هذا هو المدخل لمعالجة كل مشكلاتنا )

من هنا نبدأ "مشكلاتنا" .. كيف نفهمها .. وكيف نحددها .. لأن (الانقسام الوطني الحاد) ما هو في حقيقته الجوهرية إلا انقساما حول هذه المشكلات ، في فهمها أو في تحديدها أو في ترتيب أولوياتها أو في كل هذه الأصعدة مجتمعة ، الأمر الذي أدى إلى تبني (خيارات استراتيجية وسياسية كبرى) من قوى سياسية معينة تقف في مواجهتها قوى سياسية أخرى لتتبنى (خيارات استراتيجية وسياسية ) أخرى . إذاً فالخلاف حول المشكلات هو الذي أدى إلى الخلاف حول الاستراتيجيات وهذا بدوره أدى إلى الانقسام الوطني الحاد .

ولأهمية هذه القضية "المشكلات" ولخطورة التداعيات الناتجة عن الاختلاف في التعامل معها لابد من وقفة منهجية :

-        إذا كان إدراك المشكلات صحيحاً فإن المشكلة التالية تكمن في مدى صحة الحلول المقترحة والتي يتوقف على تنفيذها تجاوز تلك المشكلات.

-        وإذا كان تصميم الحلول صحيحاً فإن المشكلة التالية تكمن في جدوى الأدوات والوسائل والإمكانيات ومدى ملائمتها لتنفيذ تلك الحلول.

-        فإذا كان هناك خللاً في تحديد المشكلات "مشكلاتنا" فإن كل الجهود المبذولة في وضع حلول مناسبة لها ومن ثم تنفيذها هي جهود مهدورة بلا طائل لأنها تضيع في معالجة مشكلات وهمية.

-        وإذا كان الخلل في تصميم الحلول فإن كل الجهود المبذولة في تنفيذ تلك الحلول هي جهود مهدورة بلا طائل لأنها تبذل لتنفيذ حلول خاطئة لمشكلات حقيقية .

-        وإذا كان الخلل في الوسائل والأدوات الضرورية لتنفيذ حلول صحيحة لمشكلات حقيقية فإن كل الجهود المبذولة في تنفيذ حلول المشكلات ستكون مهدورة بلا طائل بحكم عدم توافق الوسائل والأدوات مع طبيعة الحلول والمشكلات .. وهكذا.

إن خللاً في أحد أو بعض مراحل الحركة .. مشكلة ، حل ، عمل ، سيؤدي إلى الإخفاق الأكيد في الانتقال خطوة واحدة إلى الأمام مهما كانت متواضعة ، بل سينتج العكس .. ستزداد المشكلات تعقيداً وتصميم حلولها صعوبةً وإمكانيات تنفيذها ضعفاً بسبب فساد أو قصور التفكير والتدبير والعمل في التعامل مع المشكلات كما هي محددة موضوعياً.

إننا لا نقول هذا "تفلسفاً" أو "حذلقة" نظرية ، وإنما نحاول أن نرتب أفكارنا حتى لا تجرفنا الأحداث أو يضللنا الأعداء أو يخذلنا الأصدقاء والحلفاء أو تتجاذبنا الأهواء أو تبهرنا الأضواء .

فنحن لا زلنا في البداية .. ما هي مشكلاتنا ؟ . إن أول تحد يعترضنا للتقدم خطوة للإجابة عن هذا السؤال هو تحديد تبعية الـ "نا" المرتبطة بالمشكلات لأية قوة أو جماعة أو تشكيل اجتماعي تعود .. ؟ فإذا كان المقصود بمشكلاتنا مشكلات حزب الله فإن هذا التحديد يستدعي المعنيين بالأمر في الحزب من أول مجاهد السيد الأمين العام إلى آخر مجاهد في خندق أو نفق أو تلة أو قرية أو مركز خدمة اجتماعية ليتبادلوا المعرفة فيما يعانونه من مشكلات . أما إذا كان المقصود بمشكلاتنا مشكلات الطائفة الشيعية في لبنان فإن هذا يستدعي المعنيين بالأمر وهم كل شيعة لبنان ليتبادلوا المعرفة بمشكلاتهم .. وإذا كان المقصود بها مشكلات اللبنانيين فإن هذا يستدعي جمع ممثلي اللبنانيين على طاولة "الحوار الوطني" ليحددوا المشترك بينهم من مشكلات .

أما إذا كان المعني بالمشكلات ما يتجاوز حدود الحزب والطائفة والقطر ، وهذا ما يعتقده ويؤمن به السيد الأمين العام عندما ناشد الجميع بعدم سجن الانتصار التاريخي في علب حزبية أو مذهبية أو طائفية أو قطرية وبأن المقاومة في لبنان تخوض معركة الأمة، وهي الأمة العربية كما حددها سماحته .وعليه يصبح السؤال أكثر وضوحاً وتحديداً : ما هي مشكلات الأمة العربية ؟  ليس لأننا نريد أن نقفز عن مشكلاتنا .. بل لأنها هي مشكلاتنا .

يطرح الواقع العربي نوعين من المشكلات :

‌أ.    مشكلات التحرر العربي : وهي تلك الناتجة عن العدوان على الشعب العربي أو أي جزء منه وعلى الوطن العربي أو أي جزء منه وسواء كان من أعدائه "التحالف الغربي الأمريكي الصهيوني" أو من بعض أبنائه وهم أصحاب اللافتات العروبية أو الإسلامية أو غيرها والتي لا تتناقض مشاريعها مع الإقليمية والطائفية والمذهبية ومشاريع التحالف الغربي الأمريكي الصهيوني على الأمة العربية . إن "الائتلاف" الفعلي القائم بين قوى العدوان على الأمة تفرض "الوحدة الموضوعية" لجميع مشكلات التحرر العربية وهذا يلزم المتصدين لمعارك الأمة وعي هذه الوحدة وما يترتب عليها من إستراتيجية المواجهة .

‌ب.  مشكلات التطور العربي : وهي تلك الناتجة عن عهود التخلف من ناحية وتطور الحاجات من ناحية أخرى ووجود الأمة العربية يفرض "الوحدة الموضوعية" بين جميع المشكلات التي يطرحها الواقع الاجتماعي العربي أياً كان مضمونها وهذا يلزم المتصدين لمعارك الأمة وعي هذه الوحدة وما يترتب عليها من استراتيجية البناء .

ونستطيع القول بأن مشكلات التحرر تفرض نفسها لأنها تمس حرية الوجود الذي يسبق حرية التطور .

ومما سبق نخلص إلى النتائج التالية :

1. إن "أم" المشكلات التي تعاني منها أمتنا العربية هي "تغول" التحالف المعادي الغربي الأمريكي الصهيوني في كيانها احتلالا مباشراً لأراضيها في فلسطين والعراق ولبنان وسوريا وما تبقى من أرض تحت هيمنة حلفائه من المتصهينين العرب ، ونهباً لثرواتها المادية في شبه جزيرة العرب واستغلالاً لطاقتها البشرية في باقي أجزاء الأمة .. إن مشكلات التحرر العربي تحول دون المواجهة الفعالة لمشكلات التطور العربي والمقاومة العربية الإسلامية في لبنان وفلسطين والعراق والصومال والسودان مسؤولة تاريخياً ، أمام الله وأمام أمتها .. إما أن تكون قومية عربية إسلامية حقاً ، قولاً وعملاً ، أو لا تكون ، وحتى تحمي دماء الشهداء آمال الأمة وحتى لا تقف أمام الطريق المسدود .. عليها :

-   توحيد قواها أولاً

-   تأمين عمقها الاستراتيجي ثانياً

-   تمكين الشباب العربي من المساهمة في معارك التحرير ثالثاً

-   توحيد استراتيجيتها رابعاً

وأن يكون شعار المرحلة .. (المقاومة من أجل التحرير ، والتحرير من أجل الوحدة)

2. إذا كانت الحكومة اللبنانية الحالية ، كما قال السيد الأمين العام (ليست قادرة لا على حماية لبنان ولا على إعمار لبنان ولا على توحيد لبنان) وهي ترفع شعارات العروبة بمضامين مذهبية قطرية مقبولة صهيونياً ، فإن أية حكومة أخرى لن تستطيع تحقيق نقلة نوعية في "الحماية والاعمار والتوحيد" مهما كانت شعاراتها ، لأن "الدولة برمتها" وأية مشاريع لها ، من أسس تكوينها إلى النظام القانوني السائد فيها ، غير مشروعة قومياً والقومي العربي يجدها كما يجد غيرها من الدول العربية "مصنوعة" للحيلولة دون الشعب العربي وحلمه في الحماية والاعمار والتوحيد . هذا ما تعلمه لنا "القومية" ونحن ننظر إلى مشكلات جزء من الأمة العربية سواء كان في لبنان أو في الربع الخالي أو في الساقية الحمراء ووادي الذهب .

نحن نرى بأن (الدولة القوية القادرة العادلة العزيزة النظيفة) في لبنان أو في أي بلد عربي :

-   مستحيلة أولاً  .. لأن في التجزئة ضعف وهوان ومذلة وفساد .

-   ومستحيلة ثانياً ..  لأن دولة خاضعة للنظام الدولي والعربي لن تصنع إلا الفشل حتى لو كان على رأسها اطهر الناس من القوميين العرب الوطنيين الإسلاميين.

-   ومستحيلة ثالثاً .. لأن عمق واتساع الاختراق الغربي الصهيوني في المجتمع العربي في لبنان أولاً وفي باقي البلاد العربية جعل الانقسام السياسي حاداً والخيارات الاستراتيجية متباعدة .

-   ومستحيلة رابعاً .. لأن العدو الصهيوني لديه الاستعداد لتدمير لبنان حجراً وشجراً وبشراً مئة مرة حتى لا يرى تلك الدولة التي أرادها حزب الله .. أداة قادرة على حرمانه من 60% من حاجته من المياه ومليار متر مكعب في جوف مزارع شبعا .

-   ومستحيلة خامساً .. لأن لبنان الآن فقد استقلاله السياسي بعد توسيع وزيادة التدخل السياسي والعسكري للتحالف المعادي في أرض وبحر وسماء لبنان .

-   ومستحيلة سادساً .. لأن أغلب القوى اللبنانية ، الآن وبعد الحرب أصبحت أكثر خضوعاً وحاجة للخارج تستمد منه بعض أسباب الوجود والمقابل حالة من التبعية "مشرعنة" بتوافق المصالح الضيقة.

3.  إن الحركة العربية الإسلامية الواحدة (التي نادى بضرورتها السيد محمد حسين فضل الله) هي الأداة الوحيدة المتسقة بنيتها الداخلية مع المهمات والمعارك المنوطة بها في الوطن العربي أو أي جزء منه ، وهي الوحيدة القادرة على حشد وتعبئة قوى التحرر العربي وقيادة معاركها لحساب الأمة العربية ونظامها الجديد ، وهي الوحيدة القادرة على اختراق الحدود وهدم السدود التي فرضها التحالف المعادي على الأمة ، وهي الوحيدة القادرة على تحرير قضايا الأمة من إدارة التحالف المعادي وحلفائه لتعود بيد أبنائها ، وهي الوحيدة القادرة على تطهير الإنسان والمجتمع مما علق به من رواسب حزبية ومذهبية وطائفية وقطرية لأنها تجسد الأمة في ذاتها فكراً وبنياناً واستراتيجية ، وهي الوحيدة القادرة والعصية على أي حصار يخطط له التحالف المعادي بحكم "العمق الاستراتيجي" المتوفر لها في كيان الأمة ، وهي الوحيدة القادرة على إلغاء الصراع الداخلي وتقويض احتمالاته داخل الأمة .

 

وإن حزب الله وقيادته الشجاعة بات مرشحاً لتولي دور محوري في العمل على قيام الحركة العربية الإسلامية الواحدة في الوطن العربي فهل تلقى الحزب هذا التكليف ، وكيف سيتعامل معه ... وهل عرفنا أخيراً أين تكمن الفرصة التاريخية .. ؟.

 

}فأما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض{

      صدق الله العظيم


 

* من كلمة للسيد الأمين العام لحزب الله على قناة المنار أثناء المعركة

*  من كلمة للسيد الأمين العام لحزب الله على قناة المنار أثناء المعركة

¨ د. عصمت سيف الدولة كتاب عن العروبة والإسلام

*  د. عصمت سيف الدولة من محاضرة ألقيت في نادي المحامين في عمان 10/3/1970

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة