|
حورات |
|
|
|
![]() |
|
رضوان جودت زيادة |
عوائق التحول الديموقراطي في العالم العربي |
|
|
|
2007-01-21 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
فالمؤشرات الاقتصادية السلبية من مثل ارتفاع نسبة البطالة وتدني فرص الحصول على وظائف عامة أو خاصة، وتدني مستوى البنية التحتية وانعدامها في بعض المناطق، الى كثير من المؤشرات، لا تشكل عاملاً حاسماً في عملية التحول الديموقراطي، وإن كانت تمثل عاملاً رئيساً في ازدياد التذمر من سياسات النظام. فالأزمة الاقتصادية ـ كما يقرر الكثير من الخبراء ـ غير كافية لإسقاط النظام، لكن المهم فيها هو الآثار المترتبة على هذه الأزمة، لا سيما في ظل عدم قدرة النظام على تسوية هذه الأزمة الاقتصادية أو إدارتها. الأزمة الاقتصادية غالباً ما تتحالف مع الأزمة السياسية لتشكّلا معاً نفقاً صعباً لا يستطيع أي نظام أن يتجاوزه من دون تقديم تنازلات حقيقية تجعله يدخل في التفاوض مع القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة الأخرى. الضغوطات الدولية تعدّ أيضاً من المؤشرات المهمة على ضعف النظام وعزلته، وعلى الرغم من تقديرنا لوجهة النظر القائلة أن العوامل الدولية يمكن أن تسهم في اعتلال النظام السلطوي، لكنها تلعب دوراً ثانوياً بالمقارنة مع العوامل المحلية والداخلية في تغيير النظام أو إسقاطه، إلا أن العوامل الخارجية والإقليمية، خصوصاً بالنسبة للأنظمة الأيديولوجية التي ترتكز في الكثير من شرعيتها على صك الشعارات المنسوجة بعناية لتحاول تثبيت شرعيتها داخلياً عبر التوافق مع سياساتها على المستوى الإقليمي والدولي. لكن بكل تأكيد، لن يكون للعوامل الدولية القرار الأخير فيما يتعلق بإسقاط النظام، إذ يعود ذلك في نهاية الأمر للديناميات الداخلية التي تستفيد من توافق العوامل الخارجية والدولية لتعزيز أطروحاتها السياسية ولتعيد فتح مستقبل مختلف للمجتمع عن السياسة التي ينتجها النظام. تلعب السياسة الدولية وتوجهاتها دوراً في توجيه دفة السياسات المحلية والوطنية، داخل كل بلد، فعندما يتبنى المجتمع الدولي سياسة تعتمد على احترام حقوق الإنسان ومبدأ تعزيز الشفافية ونشر الديموقراطية تسعى الحكومات المحلية للتكيّف ـ ولو بشكل مصلحي وموقت ـ مع أجندته السياسية مما يكون له دور فاعل في تقوية وتعزيز نشاط المجتمع المدني الذي يرتكز في مبادئه على هذه المقولات ويستند إليها. أما المؤشر الأخير على ما يسمى اعتلال النظام، في مرحلة التحول الديموقراطي، فهو الانتصار الساحق للفكرة الديموقراطية داخل نخبها السياسية المعارضة والمدنية. فللنخب دور مركزي في التحول باتجاه نظام ديموقراطي، إذ ليس بالضرورة أن تقود كل عمليات التحوّل من أنظمة سلطوية الى أنظمة ديموقراطية بشكل آلي وعفوي، إذ ربما تنتقل هذه النظم الى نمط من الحكم العسكري أو أنها تسقط في فخ الحكم الثيوقراطي لرجال الدين إذا افتقدت القوى السياسية للمبادرة وكان لرجال الدين فيها الصوت الأقوى داخل المجتمع. المجتمع في تعريفه الأبسط هو المجتمع الحي القادر على القيام بعمليات التجدد والتواصل، كما عبّر كارل بوبر، لذلك فإن سؤال حتمية التغيير ينتفي لحساب إمكانية وآلية هذا التغيير، الذي يصبح بمثابة الإجابة عن استحقاقات داخلية وخارجية أصبح من المستحيل غض النظر عنها أو استبعادها، ومن الضروري الدخول في حوار معها من أجل الإجابة عليها أو من أجل تكييفها بما يتلاءم مع المستقبل السياسي والاجتماعي. وعلى ضوء هذه المؤشرات يمكن أن نتساءل على مدى قدرة مجتمعات جنوب المتوسط على الدخول في عملية التحول الديموقراطي، ويعود ذلك الى عدد من الإشكاليات التاريخية والفكرية: أولها ارتباط الفكرة الديموقراطية بثنائية مركّبة تقوم على الوطني اللاديموقراطي والخارجي الديموقراطي، وقدومها الدائم على المنطقة العربية عبر ما يعتبر مشاريع خارجية تحمل أجندة ديموقراطية غير بريئة، فغالباً ما يتنقص من الفكرة الديموقراطية وطنيّتها ويجعلها تختلط مع أفكار أخرى تعتبر مضادة لها في تلك اللحظة كالاستقلال والقرار الوطني وهو ما حدث في لبنان، على سبيل المثال، بعد ما سمّي انتفاضة الاستقلال وما يحدث يومياً في العراق، وهو ما يشغل المشهد السياسي السوري اليوم عبر ثنائية الداخل الاستبدادي والخارج الديموقراطي. ثانيها العلاقة بين الإسلام والديموقراطية، إذ يحاجج البعض في أن رفض العالم العربي والإسلامي للديموقراطية إنما ينبع من خصوصية ثقافية في العالم الإسلامي ورثها عن ممارسة الحكم منذ العهد العباسي، لكن هذه القراءة الأنثربولوجية تجعل الثقافي هو الأصل وتهمل السياسي والاجتماعي على اعتبار أنهما فرع للإشكال الثقافي من دون أن نستذكر أن الثقافة بمعناها العام هي نتاج الحراك السياسي الاجتماعي، وبالتالي فتأزم هذا الحراك سينعكس بالضرورة على الحياة الثقافية. السؤال الذي يجب أن تطرحه المجتمعات الإسلامية على نفسها هو قدرتها على ابتكار نموذج للديموقراطية منسجم مع سياقاتها التاريخية والاجتماعية، من أجل تحقيق حراك سياسي واجتماعي، يفسح المجال لمشاركة أوسع وأكثر عمقاً بين الشرائح والفئات المختلفة، لكن من دون الوقوف أبداً عن انغلاق المجتمعات على نفسها، وإنما بالانخراط في مشروع النهضة المستديمة والمتكاملة. نموذج الديموقراطية البديل المنسجم مع الإرث التاريخي الإسلامي لن يتم اختراعه أو تطويره إلا من خلال البناء على نموذج الديموقراطية القائم الذي يفسح المجال لصيرورة تاريخية خلاّقة. لا شيء يفسح النقاش حول ماهية الديموقراطية وآليات تطبيقها في المجتمعات المسلمة غير فتح باب الحرية واسعاً أمام النقاش الحر والمفتوح. فالديموقراطية هي المفتاح الرئيسي والوحيد للتنمية التي تنشدها المجتمعات المسلمة، فهي التي تفتح المجال واسعاً أمام التحوّل والتغيّر في المجتمع، إذ من الصعب أن يشهد المجتمع تنمية حقيقية من دون أن يمر بتحوّلات وتغييرات عدة يشكّل تراكمها نهضة المجتمع. كما أن الديموقراطية هي شرط الاستقرار؛ فالديموقراطية ضرورية من أجل الاستقرار، والاستقرار ضروري من أجل الديموقراطية، بل إنها تحقيقٌ عميق لمعنى الاستقرار وليس ذلك الاستقرار المؤمّن بالخوف والقهر والاستبداد. الديموقراطية يجب أن ينظر إليها، كما عبّر أوبر فيدرين وزير الخارجية الفرنسي السابق، باعتبارها الناتج النهائي لعمليات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية مديدة وليس كنتيجة لتحوّل فوري، إذ الديموقراطية ليست قهوة سريعة التحضير، إلا أن التوجه نحو التحوّل الديموقراطي يشكّل بداية تأسيس الوعي الديموقراطي الذي هو الضامن الوحيد لأن تسير العملية الديموقراطية وفق خطها السليم. كاتب سوري |
||
|
|
|
حورات |