عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

صبحي غندور

محطات أمام قطار الأزمات العربية

 

 

2007-01-19

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

محطة عراقية:

خلال السنة الأولى من الاحتلال الأميركي للعراق، حاولت إدارة الاحتلال تغيير العلم العراقي واستبداله بعلم آخر جرت تحفّظات كثيرة عليه لتشابهه مع العلم الإسرائيلي! ثمّ جرى طيّ هذه المسألة وتقرّر الحفاظ على العلم نفسه الذي كان أيام النظام السابق.

وقد يكون سبب موافقة إدارة الاحتلال الأميركي على استمرار العلم القديم نفسه أنّه ربّما أعطى أحد ما تفسيراً جديداً لمضمون العلم القديم. ففي العلم العراقي ثلاثة نجوم تفصل فيما بينها كلمتا "الله أكبر".

وهذه "النجوم" يمكن اعتبارها الآن "رمزاً" لواقع الحال الذي عمل من أجله الاحتلال، وهو جعْل العراق دولة فيدرالية من ثلاث مناطق أو فئات كرّست قوات الاحتلال سماتها وتسمياتها في السنوات الأربع الماضية: الأكراد، السنّة العرب، والشيعة العرب. وكذلك هو المعنى الرمزي لفصل كلمتيْ "الله أكبر" على العلم من خلال النجوم (!!) حيث الشقاق الحاصل بين المسلمين السنّة والمسلمين الشيعة، وبين المسلمين الأكراد والمسلمين العرب!!

ربّما "يحكي" العلم العراقي أيضاً، في شقِّه الأعلى باللون الأحمر، عمّا هو عليه حال العراق اليوم من شلال دم لا يتوقّف، ترفده أنهار دموية مختلفة، بعضها مقاومة وبعضها الآخر إرهاب، بعضها قتال شرف وبعضها الآخر اقتتال أخوة وأبناء وطن واحد. أمّا الشقّ الأسفل من العلم العراقي، فسواده الحالك أبلغ تعبير عمّا وصلت إليه أمور العراق وعن مآتم الحزن والحداد المتكرّرة يومياً لدى مئات العائلات العراقية في مختلف المناطق ومن مختلف الطوائف.

فلا عجب إذن أن تقبل إدارة الاحتلال بالاحتفاظ بالعلم القديم، ولعلّ في ذلك أيضاً حكمة رمزية للعراقيين والعرب، بأنّ "ماضيهم" هو المسؤول عن "حاضرهم"! 

محطّة لبنان وفلسطين:

تمرّ كلٌّ من الحكومتين اللبنانية والفلسطينية بأزمة سياسية كبيرة حيث تعبّر كلٌّ منهما فقط عن "نصفٍ" من الوطن بالمعنى السياسي، فلا تستطيع أيٌّ منهما الانطلاق والنجاح في العمل الحكومي دون التكامل والتوافق مع "النصف" الآخر المعارض. وفي تجربة الحكومتين مشكلة العلاقة مع الرئاسة الأولى وتناقض المواقف معها، وهذا أيضاً يُعطّل الحياة والقوانين الدستورية. 

لكن المهم والأكثر تأثيراً في الحالتين اللبنانية والفلسطينية، هو الموقف الأميركي الذي يدعم بشكل كامل الحكومة اللبنانية بينما يفعل عكس ذلك مع الحكومة الفلسطينية، علماً بأنَّ الأخيرة جاءت حصيلة انتخابات شعبية، والأولى (أي الحكومة اللبنانية) ولدت حصيلة توافق مع أطراف فاعلة في المعارضة ومع رئاسة الجمهورية، وبالتالي فإنّ انسحاب ممثلي رئيس الجمهورية والمعارضة اللبنانية من الحكومة يُسقط عنها صيغة التوافق ويحتّم البحث عن صيغة حكومة جديدة. 

إذن المعيار الأميركي لا يستند إطلاقاً إلى المسألة الديمقراطية، بل إنَّ المعيار في الحالتين اللبنانية والفلسطينية هو مواقف الأطراف الحكومية أو المعارضة من قضية المقاومة ضدَّ إسرائيل تحديداً. ولأنّ ذلك يحرج الأطراف المعنية في لبنان وفلسطين، فإنّ الفرز أصبح على أساس تسميات إقليمية في أحسن الأحوال، أو توصيفات مذهبية في أسوأ الحالات كما فعل مؤيّدون لحركة فتح في غزّة حينما هتفوا: "شيعة – شيعة" ضدَّ "حركة حماس" بعد الخطاب التهديدي الذي أطلقه المسؤول في "فتح" محمد دحلان.

حتماً فإنّ عملاء "الموساد" المنتشرين بكثافة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلّة كانوا فرحين جداً لمثل هذه الهتافات التي لا تعبّر أصلاً عن واقع حال مذهبي في غزّة ولا عن طبيعة حركة "حماس"، فمثل هذه الهتافات تخدم المنشار الإسرائيلي في الاتجاهين: ضدَّ المقاومة في فلسطين وضدَّ المقاومة في لبنان، إضافةً إلى زيادة الشحن الطائفي والمذهبي الغبي في عموم المنطقة. 

تُرى، لو أن حكومة "حماس" كرّرت ما فعلته قيادة منظمة التحرير في اتفاقيات أوسلو، أي الاعتراف بإسرائيل واتخاذ القرار بوقف الكفاح المسلّح ضدّها، مقابل الاعتراف بها وليس بحقوق الشعب الفلسطيني، هل كانت ستسأل واشنطن عن حركة "فتح" ورئاسة السلطة الفلسطينية؟! هل كانت ستمنع واشنطن وإسرائيل معاً وصول الأموال والدعم للفلسطينيين، وبعضها هو حقّ مشروع للحكومة الفلسطينية كحصيلة للضرائب التي تأخذها إسرائيل من الأراضي الفلسطينية؟ أما كان ممكناً والحال كذلك أن نرى إسماعيل هنيّة في البيت الأبيض كما حصل مع قيادات منظمة التحرير بعد إتفاقيات أوسلو؟

في فلسطين، ما زال الاحتلال قائماً، وما زالت إسرائيل ترفض أصلاً الاعتراف بأنّها جيش احتلال، وما زالت تبني المستوطنات غير الشرعية وتقيم جدار العزل بين المناطق الفلسطينية، ورغم ذلك تضغط واشنطن وأطراف دولية وعربية لوقف أي مقاومة للاحتلال! 

أمّا في لبنان، فلو أعلنت المقاومة قراراً بتسليم أسلحتها للجيش اللبناني وبإسقاطها نهائياً لخيار المقاومة المسلّحة ضدّ إسرائيل (رغم وجود أراضٍ لبنانية محتلّة واستباحة إسرائيلية مستمرّة لأجواء لبنان) هل كانت ستقف واشنطن ضدّ مشاركة المعارضة اللبنانية في الحكومة بنسبة الثلث الضامن، وهو الموقف الذي أبلغته وزارة الخارجية الأميركية لأمين عام الجامعة العربية خلال زيارته الأخيرة للعاصمة الأميركية؟ 

محطّة عربية:

صحيح أنّ هناك ضغوطاً أميركية شديدة على أكثر من طرف عربي للانضمام إلى معركة واشنطن (السياسية حتى الآن) ضدَّ إيران، وصحيح أنّ حكومة طهران نفسها تحاول تحسين موقعها السياسي، وتحصين وضعها الأمني من خلال تحالفات وعلاقات مع أطراف عربية (هي أيضاً تفعل ذلك مع حكومات يسارية ذات جذور ماركسية في أميركا اللاتينية)، وصحيح أنّ هناك أخطاءً متبادلة حصلت في المواقف أو التصريحات بين أكثر من طرف عربي وآخر، وصحيح أنّ هناك مخاوف عربية الآن (خاصةً في منطقة الخليج العربي) من نجاح أميركا.. أو من فشلها في العراق، ومن صِدام واشنطن مع طهران.. أو من تفاهمهما على أوضاع المنطقة. صحيحٌ كلّ ذلك، لكن الأصح لم يحصل بعد. فحجم التحدّيات والمخاطر القادمة لا تميّز بين وطن عربي وآخر، ولا بين فئة وأخرى من المواطنين. فالأمّة العربية كلّها تعيش الآن حال انقسام وصراعات في ظلّ نموّ أطماع دولية وإقليمية تستهدف الأرض والثروات ووحدة الشعوب.

إنّ ما يتطلّبه الحدَّ الأدنى من التضامن العربي الآن، هو مبادرة تقوم بها الرياض والقاهرة معاً من خلال دعوة إلى قمّة عربية مصغّرة تشارك فيها سوريا طبعاً، ويتمّ على جانبها دعوة رئيسيْ السلطة الفلسطينية والحكومة الفلسطينية، كما يتمّ أيضاً دعوة أطراف لبنانية أساسية في الحكم والمعارضة، من أجل الاتفاق الكامل على حكومة "وحدة وطنية" في كلٍّ من لبنان وفلسطين، والتوافق على برنامج سياسي لكلٍّ من الحكومتين. وستكون القمة واللقاءات اللبنانية والفلسطينية هي معيار لمدى إستقلالية القرار لدى جميع المشاركين عن التأثيرات الدولية والأقليمية.

أيضاً، لا يجب أن ينحلَّ عقد هذه القمّة المصغّرة بلا توافق على رؤية عربية مشتركة لمستقبل العراق، وللعلاقات مع دول الجوار الإقليمي.

إنّ الحديث يتكرّر الآن عن استراتيجيات دولية وإقليمية تجاه المنطقة، بينما الغائب الأكبر هو الإستراتيجية العربية المشتركة. وسيكون من المهمّ حتماً إعادة الاعتبار للمبادرة العربية التي أقّرتها قمّة بيروت عام 2002، لكن مع ضرورة وضع آليات لتنفيذها وللتحرّك المتواصل مع الدول الكبرى من أجل عقد مؤتمر دولي/إقليمي للتعامل مع أزمات المنطقة المهدّدة للأمن والسلام والاقتصاد في العالم كلّه.

إنّ البديل عن هذا التضامن العربي المنشود هو صراعات دامية ستشمل نيرانها كلّ بقاع المنطقة، إذ ليس البديل "محور سلام" ضدّ "محور مقاومة" أو العكس، كما ليس البديل الآن "اعتدالاً" ضدّ "تطرّف"، إنّه بكلِّ وضوح: أوطان اليوم الموحّدة أو دويلات الغد المتصارعة.

15/1/2007

---------------------------------

 
*(مدير "مركز الحوار العربي" في واشنطن)

 E-mail: alhewar@alhewar.com

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة