عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

ناصر الغزالي

ثقة المواطن السوري بالمشاركة السياسية وفاعليتها لاستحقاقات 2007 الانتخابية معدومة

 

 

2007-01-19

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

لا يبني المواطن السوري على استحقاقات 2007 أي أمل أو ثقة بالمستقبل، هذه الاستحقاقات التي تعتبر في أغلب دول العالم من أهم مقومات وجودها على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فانتخابات البرلمان ( السلطة التشريعية "مجلس الشعب وعدد أعضائه 250 عضو ويتم انتخابهم لفترة أربع سنوات في 15 دائرة انتخابية وفق نظام اللوائح الحزبية. ويمكن للمرشحين المستقلين شغل 83 مقعداً نيابياً، بينما يحتفظ ب 167 مقعداً لأعضاء الجبهة الوطنية التقدمية ") هي اللبنة الأولى في بناء الدولة ومقوماتها، فمن خلاله تّشرّع القوانين والقرارات في صيانة الوطن والمواطن على حد سواء ، فهذه المؤسسة تمتلك أعلى سلطة في مكونات الدولة ، وهي التي تمتلك القبول أو عدم القبول لكافة القرارات التي تسير الدولة على المستوى الداخلي والخارجي. ففي هذا الشأن حددت الحكومة السورية مواعيد الانتخابات البرلمانية بشهر نسيان القادم وذلك لاختيار 250 نائباً في الدور التشريعي التاسع ، الذي يمتد أربع سنوات قادمة . رافق هذا التحديد تعديل قانون الانتخابات، حيث عدلت المادة 24 من القانون بحيث أصبحت تتيح للمرشح بعد الوصل النهائي أن يذيع نشرات بإعلان ترشيحه وبيان خطته وأهدافه، وكل ما يتعلق ببرنامج أعماله على أن يكون موقعاً من قبله وأن يقدم ثلاث نسخ من النشرات والبيانات إلى المحافظ، كما حدد القانون سقف الإنفاق المالي على الدعاية الانتخابية للمرشح بمبلغ قدرة ثلاثة ملايين ليرة سوري أي ما يعادل 60 ألف دولار أميركيي ، وحظر على المرشحين تقديم خدمات أو مساعدات عينية أو نقدية للأفراد والجمعيات والنوادي الرياضية والأشخاص الاعتباريين غير الرسمية الأخرى، كما حظر أيضاً أولئك قبولها.علماً أن آخر انتخابات تشريعية جرت في 2-3-2003 .

الاستحقاق الثاني وهو انتخاب رأس الدولة(رأس الدولة رئيس جمهورية منتخب ، تشمل سلطات رئيس تعيين رئيس الوزراء والوزراء، وإعلان الحرب وإصدار القوانين التي تقرها السلطة التشريعية أو استخدام حق النقض لرفضها، وحل الهيئة التشريعية، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة ، ينتخب لولاية مدتها سبع سنوات ، إذ يسمي مجلس الشعب الشخص المرشح لرئاسة الجمهورية، ومن ثم تجري المصادقة علية بأغلبية الأصوات في استفتاء شعبي عام. فإذا لم يحصل المرشح على أغلبية الأصوات في الاستفتاء، يسمي مجلس الشعب مرشحاً جديدا ويطرح ترشيحه على استفتاء عاد جديد ). علماً أن أخر استفتاء جرى على رئاسة الجمهورية بتاريخ 10-7-2000 . تم الاستفتاء على الرئيس بشار الأسد ، الذي جاء بعد وفاة والده الرئيس الراحل حافظ الأسد ( 30 عاماً حاكماً مطلقاً للدولة السورية الحديثة مابين عام 1970 إلى عام 2000 ) ، هذا الاستفتاء جاء بعد تغيير مادة الدستور المتعلقة بعمر الرئيس من خلال الإجماع في مجلس الشعب وتنصيب الحزب للرئيس الجديد من خلال المؤتمر المنعقد لحزب البعث العربي الاشتراكي، وبطريقة لا تخلو من الهزل وفيها استهتار بعقل المواطن السوري، دون أدنى اعتبار لإرادة الشعب ، وسميت في حينها بمهزلة التنصيب.

الاستحقاق الثالث انتخاب الإدارة المحلية والمتوقعة في الصيف المقبل( الانتخابات المحلية)، علماً أن أخر انتخابات محلية جرت بتاريخ 4-1999 . وقام الناخبون بانتخاب أعضاء مجالس المحافظات ال 14 ، وأعضاء 95 مجلساً للمدن، و231 مجلسا للبلديات، و181 مجلساً قرويا .

الاستحقاق الرابع المؤتمر القطري لحزب البعث العربي الاشتراكي و الذي من المقرر أن يعقد دورة خاصة خلال هذا العام لمناقشة ماأنجز من قراراته السابقة التي عقدت قبل ما يقارب العامين. وأهميته ناتج عن هيمنته بقوة الدستور  المادة الثامنة  "العسكر والأمن" وعلى مقدرات الدولة السورية ، دون محاولة أو مناقشة تغيير هذه الهيمنة .

 إن المواطن السوري من حقه العيش بكرامة وثقة بنفسه وبالدولة التي ينتمي إليها، على المستوى المادي والمعنوي وأن يتمتع بالحرية والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية، لكن كيف تتحقق هذه الأمنيات للمواطن السوري عبر هذه الاستحقاقات المهمة بالرغم ما ينتابها من نواقص تشريعية وقانونية ، أمام سياسة الاستبداد وزرع الخوف والفساد لنهج الدولة التي ينتمي إليها .

فالاستبداد قضية سياسية يستشعر أكثرنا آلامها، " وهو صفة لحكومة مطلقة العنان" تتصرف كما تشاء وتتعدد أشكاله كالغلبة أو الوراثة. وهو ضد الحرية ويسد أبواب المشاركة في إدارة شؤون الحياة، وهو حالة مركبة تنعكس على المجتمع والدولة والاقتصاد . وفي حالة الاستبداد تضعف "السياسة" وتضمحل لتطفو المراسم الشكلية ومظاهر الأبهة والسلطان بهدف فرض الهيبة التي تتحول إلى تقديس وخوف(1). هذا يجعل من المسائلة والمحاسبة لحكومة تسلطية أمر من المستحيل تنفيذه ، إذ مازال الحكم بموجب قوانين الطوارئ، ومحاصرة المجتمع المدني، وتحجيم الدستور والتضييق على الأحزاب سمة أساسية من سمات الحكم في سورية ، رغم الوعود التي جاءت بعد الاستفتاء الأخير لرئيس الجمهورية من خلال خطاب القسم، ومؤتمر حزب البعث العربي الاشتراكي الأخير، هذه الوعود التي تبخرت بفعل عقلية التسلط التي تحكم هذه الحكومة، فسلبت المجتمع قدراته بالمبادرات الخلاقة وبهذا بات المجتمع السوري عاجزاً عجزاً يكاد أن يكون تاماً عن المبادرة، ولم يعد له حضور فعلي في مؤسسات الدولة، وأهمها المؤسسة التشريعية، وإن أي مبادرة حتى لو كانت صغيرة ممنوعة تحت طائلة قانون الطوارئ والتخويف المتعمد من قبل الحكومة. فالمجتمع السياسي – حسب غرامشي- يتمثل في الدولة (القضاء + القانون+ الأمن) فبزوال القضاء والقانون من قبل الحكومة السورية لم يبقى لهذا المجتمع إلا الأمن فأصبحت سورية دولة أمنية بامتياز .

أما الفساد والذي هو الابن الشرعي للاستبداد أمرا في غاية الخطورة على أي مجتمع مهما كان متماسكا ومهما حمل من توازن في تركيبته الاجتماعية والثقافية، إذ يؤدي إلى ظهور مجموعة من الأمراض الاجتماعية، كالمحسوبية والرشوة والخوة ومع الفساد يزداد المجتمع تفسخا ويتحول إلى كيانات طبقية وطائفية وعشائرية، يحتمي كل منها بأشخاص مرتبطين بالسلطة بأشكال مختلفة وذلك لتسيير أمورهم الحياتية.

فالاستبداد والفساد وإصدار فيضان من القوانين المقيدة للحريات عبر 30 عاماً من حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد ، والتي مثلت عقبة نحو الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي وعدم قبول نظام التعدد الحزبي الحر والنزيه والمشاركة السياسية الحقيقة، كل هذه القيود أدت إلى  إحجام المواطنين السوريين عن المشاركة السياسية ففي إحصائية تقريبية للمشاركة السياسية أفرزت أن 89 % من المجتمع السوري غير منتمي حزبياً وأن 96 % لا يعرفون شيئاً عن الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني وإن نسبة 12 % يشاركون بالانتخابات من المقيدين في قوائم الانتخابات والتي بدورها لا تمثل نصف الشعب السوري.

فالمشاركة السياسية في أبسط تعريفاتها تعني إظهار الاهتمام بالسياسة، أما التعريف العام للمشاركة فهو الأنشطة الإدارية التي يتم من خلالها تصويت الأفراد لاختيار ممثليهم، ومن ينوب عنهم في المجالس التشريعية والمحلية المختلفة.

تتعدد صور المشاركة السياسية لتشمل الحق في التصويت بالانتخابات والتي تعتبر العمود الفقري للديمقراطية، فهي ليست غاية في حد ذاتها بل هي الوسيلة العملية للوصول إلى مجتمع مدني ديمقراطي تعددي. حيث تعبر الانتخابات بوضوح عن ممارسة المواطنين لحق أساسي من حقوقهم في المجتمع الديمقراطي، وهي المشاركة الفعلية في عملية صنع القرار، من خلال انتخاب ممثليهم الذين سيكونون في مواقع القيادة في الدولة التي تعمل على تنظيم حياة المواطنين وإدارة شؤونهم في مختلف المجالات الحياتية. كما أنها تلعب دورًا أساسيا ومحوريا في تحديد القيادة من حيث الشكل والمضمون، أشخاصا وبرامج؛ وهو ما يرسم شكل ومضمون الممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأي شعب من الشعوب. والأهم من ذلك كله، يتم من خلالها وضع أسس الشرعية القانونية للحكم، وإبراز الإرادة الجماعية.

ويكفل الدستور السوري والمواثيق الدولية التي وقعت عليها الحكومة السورية الحق في انتخاب رئيس الجمهورية ومجلس الشعب ، وتقاس المشاركة السياسية في الانتخابات العامة وفق العديد من الإحصاءات، التي ترصد عدد الناخبين المقيدين بالجداول الانتخابية، وإجمالي الأصوات، ونسبة الإدلاء بالأصوات، والأصوات الباطلة، وتعتبر زيادة نسبة المشاركة دليلا على حيوية النظام السياسي وعلى ثقة الناخبين في العملية الانتخابية.

وتتعدد الأسباب الخاصة بالمشاركة السياسية منها السياسي مثل النظام الانتخابي وطبيعة المؤسسة التشريعية وقوة الأحزاب السياسية وقدراتها على التعبئة، بالإضافة إلى الأسباب الاقتصادية الخاصة بالبطالة وتردي الأحوال الاقتصادية والأسباب الاجتماعية الخاصة بنسبة المتعلمين والأمية الثقافية والسياسية، وثقة المواطن بدور هذه المشاركة في تغير مصيره وتحقيق أمنياته في حقه العيش بكرامة وثقته بنفسه وبالدولة التي ينتمي إليها، على المستوى المادي والمعنوي وأن يتمتع بالحرية والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية الفعالة .

فمؤشرات الحكم الرشيد معدومة في سورية والتي تقوم على أساس دولة الحق والقانون،  فبدون تغييرات جوهرية في طبيعة بعض مواد الدستور وتقييد قانون الطوارئ إذ لم يكن هناك إمكانية لإلغائه ، وأهم هذه المواد المادة الثامنة التي تنص "حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية" وهذا لا يعني إلغاء دوره في العملية السياسية. وأن تكون المادة 25 من الدستور مادة جوهرية تتعامل معها السلطة السياسية على أساس حقيقي فاعل وليس ديكور ، وأن تقوم في إبطال كافة القيود المفروضة والمقيدة لهذه المادة والتي تنص :

1ـ الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم.

2ـ سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة.

3ـ المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.

4ـ تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين الموطنين.

ليس هذا فحسب بل يجب على السلطة تغير قانون الانتخابات، وقانون الأحزاب، وقانون المطبوعات، وقانون تنظيم الجمعيات والمنظمات الأهلية المدنية، والمكان المناسب لهذا التغيير يجب أن يكون مجلس الشعب، بعد تعديل قانون الانتخابات على أساس الكوته الحزبية للجبهة الوطنية التقدمية وحصة المستقلين ، فمجلس الشعب على المستوى النظري يمثل جميع السوريين، وهو صاحب الحق الدستوري والقانوني في إجراء التعديلات اللازمة لعملية التغيير المنشودة إذا كانت هناك نية لوجود مجتمع قوي تسود العدالة فيه والحرية والكرامة الإنسانية وهذا ما يتمناه المواطن السوري، الذي يشكك هذا المواطن بقبول السلطة السورية الحالية لإجراء هذه التعديلات، هذه السلطة وعبر ممارساتها القمعية تواجه أزمة عميقة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي اعتقادي أن بين الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة عدم الأخذ الجاد بمفهوم وممارسة مبدأ المشاركة السياسية خلال أربعين عاماً تقريبا من حكم سورية، كانت نتيجتها فجوة كبيرة بين السلطة والتيارات السياسية ، والسبب الآخر فقدان العدالة الاجتماعية الناتج عن التمييز بين المواطنين ونشر منظومة الفساد، وهذا أدى بدوره إلى فقدان المواطن ثقته بالسلطة  .

فهل تستطيع الحكومة السورية بعث الأمل لدى المواطن السوري وعودة السياسة إليه كي لا تكون ثقته معدومة بهذه الاستحقاقات المهمة على الأقل على المستوى النظري، وهذا مالا اعتقده لهذا النظام المحكوم بمنظومة الاستبداد والفساد ، وهذا ما يدفعني إلى القول أن المواطن السوري فقد الثقة بنظامه السياسي وبالقوة السياسية الموالية والمعارضة على حد سواء لأنه يشعر بفطرته أن هذه القوة  خدعته بشعاراتها ووعودها البراقة، وهذا لا يعني أن هذا المواطن مصاب باليأس بل أنه يملك قوة كامنة وحس راقي بوطنيته وانتمائه لوطنه ودفاعه عن كرامته ، يجعل المستقبل المشرق لسورية مستقبلا يملؤه التفاؤل والأمل، فنحن جميعا "المواطنين السوريين" مسكونين في الأمل على رأي كاتبنا وأديبنا المرحوم سعدالله ونوس.

 

* رئيس مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

 

 

(1) آليات الاستبداد وإعادة أنتاجه في الواقع العربي  - دراسة للكاتب د : ثناء فؤاد عبدالله    

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة