عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

 عادل سمارة

ألوان من الفساد...هل أصبحت إسرائيل "دولة رخوة"؟

 

 

2007-01-19

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

حين يدور الحديث عن الفساد يستدعي ذلك الحديث عن السلطة بما هي آلية لتحقيق مصالح ومنافع لا يغطيها القانون، ولكن يوفرها الإقتراب من السلطة اي الحلول فيها،  أو ممن في السلطة. وهذه أمور عامة في المجتمعات، لا يمكن لمجتمع يقوم على الملكية الخاصة، أن يزعم النأي عنها، وإن كانت تنتشر في مجتمعات بعينها أكثر من غيرها، كما أن شفافية مجتمعات ما تكشفها سريعاً في حين أن بيروقراطية مجتمعات أخرى، تغطيها لمدىً أطول.

         الدارج لدى العرب، أن الكيان الصهيوني دولة مثالية في كافة الأمور، وهو ما يشجع العرب كثيرا على جلد الذات، حين مقارنة انفسهم بالكيان، دون ضرورة. وفي الجانب الآخر، يحرص الصهاينة على الظهور بمظهر المثال وذلك ضمن مشروع التميز استعانة بالحرب النفسية من جهة، ولإكتساب قوة إضافية بلا رصيد من جهة ثانية، اي مصدرها الإقتناع حتى الإمتلاء بأن العرب ضعفاء بامتياز. لذا، مثلاً صُدموا حينما اخترق المصريون خط بارليف وصدموا من موجات الهجوم السوري بالمدرعات المكشوفة في الجولان، ومن دور المقاتلين الفلسطينيين الجريىء فوق العادة في أعلى المواقع في جبل الشيخ، وأخيراً من حزب الله.

         لكن هذا البناء الذي يزعم أنه "إسبارطي" تعرض في الأشهر الأخيرة لمستويات ثلاث من الإنكشاف:

·      الإنكشاف الأخلاقي، سواء في شخص رئيس الدولة أو وزير العدل، وهو الأمر الذي سمح ل بوتين بالاستهزاء برئيس الدولة أثناء زيارة أولمرت لروسيا قبل شهرين: "كيف كان له أن يفعل كك هذا- يقصد كتساف؟". وهذا الإنكشاف هو في جوهره فساد أخلاقي لمن هم في موقع السلطة ووجوب الظهور كقوة "مثال".

·      ثم الإنكشاف العسكري، الهزيمة في حرب لبنان، رغم إستماتة الكيان وأميركا لإنهائها كنهاية حرب أكتوبر 1973، ولكن لم يكن هناك من سبيل، فانتهت على غير ما انتهت إليه الحروب السابقة.  وهي الهزيمة التي أكد الاعتراف الصهيوني بها ما فعله دان حالوتس رئيس أركان الجيش الصهيوني حيث استقال قبل ان تصدر لجنة التحقيق تقريرها.

·      وأخيراً، وربما ليس آخراً، كان  الفساد المألوف في كل الأنظمة، والذي لم يتصور الإسرائيلي العادي أنه سيقع فيه! .  صحيح أن الإقتصاديين طالما نسبوا الفساد إلى "الدولة الرخوة" كما وضعها الإقتصادي السويدي جونار ميردال، والدولة الرخوة بالنسبة لميردال ليست غربية أوروبية على الأرجح، بل عالمثالثية، لا يسود فيها حكم القانون، ولا تزعم أنها دولة المجتمع المدني. فهي رخوة اساساً لأن فيها فساد يعيش ضمن النظام العام، ويتم احترامه كما لو كان هو النظام العام. وهذا أمر يربأ الكيان الصهوني بنفسه عنه.

 

لكن هذا ما وجدت حكومة أولمرت نفسها متورطة فيه، بل كان التورط  لدى أولمرت نفسه، وهو التورط الذي يتم نقاه والتحقيق فيه اليوم. لكن التورط المؤكد هو في مكتب أولمرت نفسه حيث وضعت سكرتيرته الخاصة قيد الإقامة الجبرية بتهمة التورط في الغش والفساد وإساءة الإئتمان واستخدام موقعها الحساس في توظيف موظفين كبار في الدولة. كيف لا والسيدة ترافق أولمرت منذ ثلاثين عاماً،  كما اعتقل إلى جانبها رئيس سلطة الضرائب جاكي ماتسا. ويتم التحقيق مع 20 مسؤول في الجهاز الضريبي واربعة مقاولين بتهم تلقي وتقديم رشىً.

         ولكي لا نتصور أن الكيان في وضع متهالك، لا بد من الإشارة إلى أن عيون مراقب الدولة مفتوحة هناك، وهذا ما كشف غطاء برميل الفساد للجمهور. على سبيل المثال، حتى الأمور الصغار جرت مراقبتها. كان رئيس الطاقم في ديوان المرت يورام توربوفيتش قد تسلم هدية من مفعال هبايس بقيمة 300 شيكل، ولم يسلمها لمخزون الدولة، لكنها سجلت عليه، حتى لو لم يكن يعرف بها كما يزعم هو.

 

إنما، هل هذا الفساد طارئاً، أم ضرورياً؟  وهذا يستدعي الحديث في أمرين:

الأمر الأول: إن الكيان لم يعد الدولة التي تمثل المجتمع باسره، بمعنى انها في وضع "ثوري" يمنع، ولو أخلاقياً الإنحراف، على الأقل لشعور كل فرد انها دولته. فمع السنوات، تزايدت الفوارق الطبقية، وتبلورت طبقة متداخلة براس المال الدولي، وتمكنت هذه الطبقة من تحويل الدولة كأداة لتوسيع حصتها في كل شيىء. ولمن رفض رؤية ذلك عليه أن يعود إلى الوراء قرابة ثلاثين عاماً، حينما صعد الليكود إلى الحكم، في حالة أو لحظة شعبوية فريدة. فقد استفاد مناحيم بيجن ذلك الإرهابي الخبيث من تورط رابين في الفساد حيث قيد لنفسه حساباً بالعملة الصعبة في الخارج بينما كان رئيساً للوزراء وهو ما أطاح به على اية حال، وطرح نفسه ممثلاً للبرالية الجديدة والاتجاه النقودي في الإقتصاد فعين إيرليخ للمالية وجلب هذا استاذه ملتون فريدمان ليكون مستشاراً لحكومتين فقط في العالم،  تشيلي بينوشيت وحكومة بيجن.

والأمر الثاني: هو شعور هذه الطبقة بأن الدولة (اي موظفيها) في خدمة تلك الطبقة.

والمهم أن بيجن وصل للحكم ممثلاً للنقيضين، فحافظ على شعور المواطن أن الدولة دولته، لكنه شعور زائف:

النقيض الأول: هي الرأسمالية المعولمة، التي تجد مصالحها على صعيد عالمي وليس فقط داخل الكيان، وبالتالي فهو  جاهز للخصخصة، والانفتاح.

والنقيض الثاني، وهو الأكثر فقراً وتخلفاً، اليهود الشرقيين الذين صبوا اصواتهم لصالح الليكود. ولهذا ارتباط عميق على ما يبدو بإسهام غرامشي في قدرة "الدولة – السلطة-الطبقة الحاكمة"، على خداع الطبقات الفقيرة بحيث تتمثل تثقيف الدولة وتستدخله كما لو كان لصالحها وهو على جلدها. إذن كان بيجن أو حزبه مكتشف الكنزين، فاستثمرهما.

لا عجب من حصول الفساد.  فاصحاب الأعمال يهتمون جداً بأن يكون لهم تأثير على الحكومة لتسهيل أعمالهم الخاصة، وتسريع معاملاتهم، أو بما يجعل الأبواب إلى اصحاب القرار مفتوحا أمامهم،  دون إنتظار باعتبار الوقت هو "رأسمال". وهنا علينا التنبه إلى عدم الخلط بين كون السلطة أو الدولة في خدمة راس المال أو أداة للأغنياء كمجموع، كطبقة، وبين تنافس نفس الراسماليين فيما بينهم، اي التنافس داخل شرائح وحتى أفراد الطبقة الواحدة.

         فمسؤول الجهاز الضريبي أمام خيارين: إما أن تكون له شخصيته القوية ألتي لا تسمح لرجال السياسة بإخضاعه، وإما أن يحتووه هؤلاء فيصبح في خدمتهم. اي إما خدمة المهمة أو اصحاب النفوذ.

         ولكن، متى يمكن أن يحصل أمر كهذا بمستوى أعلى؟

         للسياسة الإقتصادية لبلد ما دور في خلق مناخ الفساد ولا سيما في المستوى الضريبي. فقد اعتمدت الحكومة الصهيونية في السنوات الأخيرة السياسة الضريبية الجديدة في الولايات المتحدة "خطة ويسكنسن" التي تقضي بتقليص نسبة المدفوعات الضريبية وهي تخدم الأغنياء بالتحديد، سياسة تصب في مصلحة الأكثر غنى في المجتمع، بمعنى أن هذه السياسة توفر على اصحاب المداخيل العالية مبالغ ضخمة، في حين أن اصحاب الدخل المحدود لا يوفرون شيئاً يذكر. وبالطبع تبرر السلطات هذه السياسة بأنها آلية لإنعاش الإقتصاد حيث تتوفر سيولة عالية بأيدي الأغنياء مما يشجعهم على الإستثمار، وهو الأمر الذي ينتهي إلى الإزدهار الإقتصادي. لكن هذا التفسير الإقتصادي "الصحيح" يقوم على أرضية طبقية، خدمة الأغنياء واستحلاب الفقراء للحفاظ على النمو، فالنمو هو الأساس، شاء الفقراء أم أبوا! فهل هذا فساد؟ بمعنى ما ، نعم، لأن هناك أكثر من آلية لإنعاش الإقتصاد.

         وهنا علينا إدخال بعد آخر، هو بعد التشبه بالسيدة الوالدة. "من شابه اباه فما ظلم". فرأس المال في إسرائيل ممعن في تعولمه، ولا سيما على الطراز الأميركي، وتحديداً الجمهوري. فتقليص الضرائب، وحتى إعادة مرتجعات ضريبية للمواطن هي سياسة اتبعتها حكومة الرئيس الأميركي الحالي منذ فترته الأولى، وكان ملخصها إعادة ملاليم للطبقات الشعبية وإعادة ملايين للشركات الكبرى، بعبارة أخرى، كلما تضخم حجمك، أعدنا إليك أكثر! هذه السياسة التي تبنتها الدولة الصهيونية ولا تزال، فطبيعي أن تصل إلى هذه النتائج، ولا يهم بعد ذلك أن اسميناه فساداً أو اجتهاداً.

         وطالما أن سياسة الحكومة ممالئة للطبقة العليا مالياً، فلا بد لهؤلاء أن يجدوا طريقهم إلى من يمسكون بالمناصب الحساسة في القطاع الضريبي ويؤثرون عليهم مما يخلق مصلحة متبادلة بين الفئتين. وحينما تكون الحكومة في سلسلة من الإخفاقات، يكون الجو للفساد أكثر دفئاً.

         ولكن، اي نوع هذا الفساد؟ فالفساد متنوع أيضاً، هناك فساد العالم الثالث، "الدول الرخوة" وهو الفساد الإستهلاكي، أو التبذيري والتصديري، اي ضخ الفائض إلى الخارج حيث الأمان والفوائد الأعلى من البنوك التي تستخدم هذا  الفائض في قروض عالية الفائدة. وهناك الفساد الإستثماري، اي توظيف الأموال المتحققة في البلد نفسها، مما يحرك الإقتصاد ويزيد النمو كما هو شأن دول النمور الأربعة. ويبدو أن الفساد في إسرائيل هو فساد مركّب، اي من الإثنين. ففي حقبة العولمة، والكيان معولم منذ اختلاقه، لا يمكن لإقتصادها أن ينعزل عن الشركات المختلطة ولا سيما بعد الخصخصة التي بدأها شمعون بيرس منذ منتصف الثمانينات، وكانت الولايات المتحدة تلح عليه للإسراع في ذلك. ولأن في إسرائيل قاعدة صناعية متقدمة، فإن فرص الإستثمار المحلي المربح متوفرة للإستثمارين المحلي والأجنبي، لا سيما بعد أن هيمن الإستثمار الأجنبي المباشر   Foreign Direct Investment FDIعلى الحراك المالي العالمي.

         على العموم، هناك أكثر من لون من الفساد، وهناك  كذلك عيونا مفتوحة، عيون مراقب الدولة، ولكن، من يدري اين يتجه التحقيق في كل منها. مثلاً، حتى الآن، الصورة مطمئنة لرئيس الأركان المستقبل الذي نجح في تحويل التحقيق في هزيمة الجيش إلى مشروع للإصلاح. أي ضمن الرجل عدم إدانته مباشرة  رغم أنه يوم أسر حزب الله للجنديين كان يمارس فساداً صغيراً، كان يتابع اسهمه في البورصة، وإن كان معه في ذلك حقاً، فهو شخص، يفهم العولمة ويعرف كم هو مربح إتقان لعبة المضاربة، ناهيك عن أن وضع العرب مطمئن لإسرائيل! وقريباً سوف يعلنون نتائج التحقيق في الفساد الأخلاقي، لنرى مصير كتساف ورامون. أما فساد مكتب رئيس الوزراء، فقرائته لا تزال طازجة.

         بيت  القصيد، ربما يكمن في مجال آخر. فالحكومة الحالية، و "حكومة العسكر"، اي قيادة الجيش، كل يمسك بالآخر بطريقتين:

·      إمساك تلابيب زميله حنقاً وتناقضاً، مثلا أولمرت وبيرتس، أو بريتس وحالوتس، أو ألمرت وليفني،         

·      ولكن الجميع يتخانق على حافة ظهر سفينة بلا "إطار" فكل حريص على عدم إلقاء زميله/خصمه في البحر لأنه سيجره معه.

هذا الوضع تحديداً هو درجة من الفساد، وهو ما لم تعتد عليه إسبارطة، أو ربما هو هناك ونحن لا ندري.

 

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة