عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

محمد العبد الله

وهم الإنتصار في استراتيجية "بوش" الجديدة!

 

كنعان

2007-01-16

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

الخطاب الأخير الذي وجهه "بوش" للعالم من إحدى قاعات "البيت الأبيض" لم يكن مفاجئاً  للمراقبين والمتابعين للحركة السياسية ـ لقاءات بوش مع أكثر من مائة وأربعين من أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب ـ ولسلسلة التغييرات التي أصابت وزارة الخارجية– "نيغروبونتي" مسؤول وكالة الأمن القومي الذي انتقل لمنصب وكيل "نائب" وزيرة الخارجية، "زلماي خليل زاد"  السفير الأمريكي والحاكم الفعلي للعراق الذي عين في الأمم المتحدة، وانتقال "رايان كروكر" السفير الأمريكي في باكستان، إلى سفارة بلاده في بغداد. ترافق كل ذلك مع العديد من التغييرات التي استهدفت أبرز القيادات العسكرية في القيادة الأمريكية الوسطى والعراق، وأدى إلى تعيين قادة جدد لهم خبرة طويلة في العمليات والمواجهات البحرية، الأميرال "وليام فالون" الذي جاء لموقع "جون أبي زيد" الذي قدم استقالته، وفي مهمات الغزو الأرضية ومواجهة "التمرد" الجنرال "ديفيد بتراوس" الذي استلم قيادة القوات في العراق خلفاً للجنرال "جورج كيسي". في ظل هذه التحركات المتتالية، كان الخطاب الخاتمة في مسلسل المراجعات والمداولات والتعيينات، التي رسمت على مدى الأيام القليلة، بانوراما المرحلة المقبلة.

         لقد شكلت المواقف التي أعلنها حاكم "البيت الأبيض" إنتكاسة كبيرة للعديد من المحللين والسياسيين الذين راهنوا على إمكانية حصول توافق كبير بين ماورد في رؤية "حكماء" الحزبين التي عبر عنها تقرير "بيكر – هاملتون" وخطة العمل المستقبلية للإدارة البوشية. بل أن البعض من "المحافظين الواقعيين" داخل الولايات المتحدة وخارجها، راودته الأوهام عن احتمال  لجوء "الرئيس" وبطانته إلى التعامل الجدي مع نتائج الإنتخابات النصفية للكونغرس. لقد جدد "بوش" في المواقف التي تضمنها خطابه، إعادة إنتاج الرؤية التي حكمت المخطط الأمريكي للمنطقة، عبر تنشيط عملية "السطو المسلح" من خلال "صب الزيت على النار". ولهذا جاءت لغة الخطاب معبرة بدقة عن أفكار منظري "المحافظين الجدد" التي صاغها "فريدريك كاغان" الباحث في معهد "أمريكان انتربرايز" في التقرير المنشور قبل عشرة أيام تحت عنوان "إختيار النصر: خطة للنجاح في العراق" الذي يتلخص في "الأمن أولاً" من خلال تطوير قدرات القوات العسكرية الأمريكية  "زيادة أعدادها، توسيع دوائر عملها، لجوئها لتنظيف مناطق تحركها".

         الإستراتيجية المعلنة، جاءت لتجديد الغزو وترسيم خطواته، في ظل مواقف رافضة لهذه الخطة، عَبَّرَ عنها نواب "الحزب الديمقراطي" و بعض نواب "الحزب الجمهوري" الذين التقوا على وصف الخطة بأنها (غلطة خطيرة ومأساوية) و (أكبر خطأ في تاريخ الأمة) و (أخطر حماقة في السياسة الخارجية منذ فييتنام، إذا ماتم تبنيها). كما انتقدت العديد من الهيئات والمؤسسات الحكومية الخطة الجديدة للإدارة، ويأتي في مقدمتها مانشره "المكتب الحكومي الأمريكي للمحاسبة"  في تقرير نقدي للإستراتيجية (الفاشلة في تحقيق النصر، ولسوء إدارة "الحكومة العراقية" لشؤون البلاد، ولتصاعد أعمال العنف الطائفية). وقد توافق هذا الرفض مع نشر استطلاعات للرأي كانت قد أجرتها عدة مراكز بحثية موضوعية، أكدت أن 86 % ممن شملهم الإستطلاع يُحَملون الرئيس تبعات غزو العراق، مؤكدين عدم ثقتهم به. كل هذا يأتي مترافقاً مع حراك شعبي واسع، عبرت عنه المظاهرات والتحركات المعادية للغزو، التي دعت إليها عشرات اللجان والهيئات الأهلية في عشرات المدن الأمريكية والمنادية بعودة الجنود لأمريكا، ومحاسبة المسؤولين عن "كارثة الحرب".

         إن خطة العمل الجديدة، تسميةً وتوقيتاً، تعتمد في أساسها على إشاعة جو من "الرعب الشكلي" عبر زيادة عدد قوات الإحتلال بـ 21500 عسكري يتم توزيعهم على مدينة بغداد "سبعة عشر ألفاً" والباقي لنشرهم في محافظة "الأنبار". إن بضعة آلاف جديدة لن تضيف الكثير لمئات الآلاف من عسكريي الإحتلال وأدواته (القوات الأمريكية وحلفائها، المتعاقدون المرتزقة، الشركات الأمنية، قوات وعناصر الشرطة والحرس المحلية) ولن تستطيع تحقيق النصر. بل إن استدعاء المزيد من القوات، يشير إلى عجز الغزاة عن تحقيق "الأمن والإستقرار" لقواتهم. كما لم تُغفل الخطة تقديم عدة مقترحات من التوجهات الإقتصادية التي يأمل المحتل بأن يتم العمل فيها سريعاً على صعيد مختلف المجالات، من أجل ماتتوهم إدارة الغزو من الوصول إليه خلق علاقة أفضل بين العراقيين والجيش الأمريكي. هذه التوجهات التي يتطلب تنفيذها إنفاق مئات الملايين من الدولارات عبر أطر وهيئات عراقية، بديلاً عن شركات أمريكية وذات جنسيات متعددة، عملت منذ الإحتلال وحتى الآن على نهب العديد من المليارات، تحت دعاوي "إعادة اعمار العراق". لكن العراقيين يشيرون بخوفٍ مشروعٍ إلى هذا التوجه الجديد، المتخفي تحت أسماء محلية، لكونه يأتي على يد المحتل، الذي يعمل من أجل ديمومة النهب، وربط مشاريع السرقة " المستترة " بالأفراد والجماعات المرتبطة به.

         عاد "الرئيس" لإسطوانته المشروخة في تجديد محاولة إدارته إبتزاز الدول العربية، عبر تخويفها من إنتصار المشروع الوطني العراقي، واضطرار الإدارة البوشية لسحب قواتها وانكفائها خارج حدود الوطن العراقي، والتركيز على أن بقاء هذه الحكومات في "دول الخليج والأردن ومصر" مرهون ببقاء الإحتلال، هذا البقاء المرتبط بالمزيد من الجثث والدماء التي ستغطي مساحات واسعة من المنطقة نتيجة المشروع الأمريكي / الصهيوني. ولهذا يحرص "بوش" على تحشيد هذه الحكومات في اصطفاف (قديم / جديد) لما اصطلح على تسميته "محور المعتدلين" في مواجهة ماتسميه الإدارة الأمريكية "محور المتطرفين" أي تجمع القوى الرافضة للمشروع. لكن الملفت للنظر في هذه الدعوة للتجميع السياسي، أنها ترافقت مع حشد عسكري استثنائي، يعيد للذاكرة الأجواء التي رافقت التحضيرات العسكرية العدوانية. حاملة الطائرات العملاقة "أيزنهاور" المدعومة بمجموعة سفن قتالية للحماية والمساندة، تتحرك مابين مياه الخليج وبحر العرب في المحيط الهندي بانتظار أن تلتحق بها الحاملة العملاقة الأخرى "ستينيس" في تجمع عسكري واضح له مدلولاته الخطيرة، التي توحي بأكثر من "عرض عضلات" لكونه قد ترافق مع الإستعدادات الميدانية لنشر شبكات صواريخ "باتريوت" المضادة للصواريخ (لطمأنة أصدقاء وحلفاء واشنطن) على حد تعبير الرئيس. في ذات الوقت الذي يسعى فيه لتحميل "إيران وسوريا" المسؤولية المباشرة عن انتكاسات مشروعه في العراق، في توجه تضليلي يهدف تحويل الأنظار عن خسائره اليومية بفعل تنامي الرفض الشعبي للإحتلال. مما يشير إلى رفض الرئيس المقترحات التي جاء بها تقرير بيكر – هاملتون حول ضرورة إشراك البلدين بالجهود المبذولة لتحقيق الإستقرار،  ويؤكد من جانب آخر تبنيه آراء دعاة توسيع الحرب، كأحد المخارج من الفشل.

         إن الإستراتيجية الأمريكية "الجديدة" هي إعلان عن إعادة الإحتلال وتوسيع دائرته، إنطلاقاً من حسم معركة "بغداد" التي بدأت فصولها منذ أسابيع. فالغزاة وعملاؤهم من أحزاب وميليشيات طائفية / مذهبية / إثنية تخوض معارك السيطرة على بغداد بأساليب دموية فاشية، قائمة على التطهير والتهجير المذهبي، في محاولة محمومة لتحويل مجرى نهر "دجلة" داخل العاصمة ليصبح "خط الحدود" مابين الرصافة والكرخ، بتكوينات طائفية بغيضة. أما "الخطة الأمنية الجديدة" التي أقرتها حكومة "المالكي" -رفضها "محمود المشهداني" رئيس مايسمى مجلس النواب لكونها لم تناقش داخل المجلس- هذه المجزرة الجديدة المبنية على أنقاض الخطة الفاشلة السابقة "للأمام معاً" لن تستطيع أن تحقق ماعجزت عنه قوات الإحتلال طوال السنوات الماضية، فالمداهمات والإعتقالات والحواجز المعدنية و الترابية و الأمنية لن توقف النضالات التي تلجأ إليها الجماهير في مواجهاتها للمحتلين وعملائهم، وهو ماأكدته معارك شارع "حيفا" التي سَطَّرَ فيها أبطال المقاومة الوطنية أروع الملاحم. إن معارك شوارع "بغداد" التي كان قد رأى حاكم البيت الأبيض منذ عدة أشهر انتصاره التاريخي فيها، قد تحولت إلى مسلسل دائم للإنتكاسات العسكرية، فعسكر الإحتلال ينتحرون كل يوم على أسوار بغداد المحصنة بسواعد أبنائها.

         إن الإدارة الأمريكية تذهب لفصل جديد من عدوانها الإستعماري، وحيدة ًً، غير مدعومة بأية تحالفات دولية أو إقليمية، باستثناء "الكيان الصهيوني". فالإعتراضات على الخطة الجديدة، عبرت عنها العديد من الحكومات في جهات الأرض الأربع. وقد جاء الموقف الروسي كما عبر عنه "ميخائيل كامينين" المتحدث الرسمي بإسم وزارة الخارجية، ليشير إلى مأزق الإحتلال وانسداد أفقه (لايمكن حل الأزمة ... بالأزمة، إن الوقت سيظهر إلى أي مدى هذه الإستراتيجية الجديدة هي حقا ً... جديدة).

         إن ملامح الفشل للمشروع الأمريكي الإمبراطوري تلوح في الأفق، فالرفض الشعبي يتوسع، والعديد من القوى والشرائح الإجتماعية تنخرط كل يوم في أتون المعركة الوطنية الكبرى، وهو ما تؤكده إنتصارات قوى المقاومة المسلحة في العديد من المدن والبلدات. لقد توهم "بوش" في الأيام الأولى لاحتلال بغداد بأن (الحرب انتهت، وأن النصر قد تحقق)، لكن عشرات الآلاف من التوابيت والمعاقين والجرحى تعلن فشل وعجز كل استراتيجيات الإحتلال عن تحقيق النصر، هذا الفشل الذي يتحمله الرئيس بشكل مباشر بقوله (الوضع الحالي غير مقبول وأنا المسؤول). فهل الإعتراف بالفشل كفيل بتحقيق النجاح؟ المقاومة الوطنية العراقية أجابت عبر عملياتها البطولية بأن الفشل سيجر فشلاً جديداً ومتتالياً.

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة