|
حورات |
|
|
|
![]() |
| عبدالله تركماني |
إشكاليات الصحراء الغربية وتكلفة اللامغرب (*) |
|
|
2007-01-13 |
خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية |
|
|
بعد نصف قرن من الاستقلال لم تستطع المجموعة المغاربية أن تصبح فريقا متجانسا، ليس فقط في مؤسسات العمل العربي المشترك وإنما أيضا في علاقاتها مع شركائها الأوروبيين والأمريكيين. مع أنّ الاتحاد المغاربي أقيم على أساس " وحدة التطلعات والمصير " وعلى خيار " الأمن الجماعي "، وهو الأساس الذي قامت عليه غالبية التجمعات الإقليمية. وفي محاولتي مقاربة إشكاليات الصحراء الغربية وتداعياتها، يبدو لي أنّ الدول المغاربية تتعايش مع أزماتها، أكان ذلك باستمرار الحذر في مسار العلاقات المغربية - الجزائرية، أو بدرجة أكثر حذرا في التعاطي مع نزاع الصحراء الغربية. فلقد كان الربط، سلبا أو إيجابا، بين تطور العلاقات المغربية - الجزائرية وتسوية نزاع الصحراء الغربية والعمل المغاربي المشترك، لا يحتاج جهد كبير لاكتشافه. فعلى مدى أكثر من 30 سنة عرقل النزاع أي تعاون فاعل بين البلدين، وجمد قاطرة الاتحاد المغاربي. توصيف العلاقة الجزائرية - المغربية وأسباب نزاعهما لقد ظلت العلاقة المغربية - الجزائرية، على الأقل طوال العقود الخمسة السابقة، شديدة التعقيد، وكثيرة الغموض. فالجوامع المشتركة بين البلدين قوية إلى حد التلاحم، مع كل ما هو متحقق من عناصر للتعايش ومن مقومات للحوار المنتج. لكن، في المقابل، حجم الفروقات ليس أقل من حجم المشترك بين البلدين. فقد ظهرت هذه الفروقات، بشكل أوضح، في فترة بناء الدولة الوطنية وإعادة بلورة الهوية الوطنية وانتهاج استراتيجيات التدبير السياسي والاقتصادي والاختيارات الكبرى لتوجهات الدولتين، مما كان يؤشر إلى صعوبة التعايش بين البلدين، في ظل جو دولي كانت تتحكم فيه آليات صراع الحرب الباردة ذي القطبية الثنائية، وتعارض المصالح والخيارات والأهداف. ليس الصراع المغربي - الجزائري ذا خلفية تاريخية فحسب، وإنما هو صراع ذو طابع مستقبلي، يقوم على فكرة " تهميش الآخر " والتحول إلى ناطق باسم المغرب العربي في المنتديات الدولية. إذ تدور المعركة بين الطرفين حول ثلاث نقاط أساسية: أولاها، من سيخرج منتصرا في نزاع الصحراء الغربية. وثانيتها، من سيحظى بود واحترام الدول الكبرى. وثالثتها، من سينسج علاقات مع دول مرشحة لأن تكون فاعلة في الساحة الدولية مستقبلا. ووسط هذه اللعبة الاستراتيجية يبقي الموقف من الصحراء هو المحدد. وفي الواقع، لا يمكننا أن نفهم المشكل بصورة جيدة إلا في سياق الميراث الاستعماري، وسياق أخطاء معارك التحرير وإكراهاتها المعلنة والمسكوت عنها. فقد ساهمت خلافات الحدود، التي لعب فيها الاستعمار الفرنسي دورا كبيرا، بحكم التصورات الاستعمارية التي ظلت فرنسا تنظر من خلالها إلى التراب الجزائري والتراب المغربي، في صنع الملامح الكبرى للأزمة. إنّ سياسات القوى الدولية ترى في المغرب العربي خزانا نفطيا (الجزائر) وموقعا استراتيجيا (المغرب)، فضلا عن كونهما سوقا للسلاح بامتياز، وإنّ قضية الصحراء كانت توجد في قلب صراع دولي باعتبار دورها في تعميق تبعية الدول المغاربية، وأنها أصبحت أداة لإشغالها وإبعادها عن المشرق العربي، خصوصا وأنّ المغرب والجزائر سبق أن عبّرا عن انشغالهما الكبير بالقضايا العربية والإسلامية، والأكثر دلالة على ذلك هو استمرار هذه الوضعية رغم انتهاء الحرب الباردة، فإطالة الأزمة في المنطقة، وإدامة مشكلة الصحراء، تعتبران آلية ناجعة لإطالة عمر المصالح الأجنبية في المغرب العربي خصوصا والقارة الأفريقية عموما. فلا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تفضل الاستفادة من نزاع الصحراء الغربية للحصول على أقصى ما يمكن من التنازلات من كل من المغرب والجزائر معا، ففي علاقاتها بين الطرفين تحاول الموازنة في هذه العلاقات، فهي تعتبر المغرب صديقا تقليديا وحليفا استراتيجيا، لكنها في الواقع لها مصالح اقتصادية مهمة مع الجزائر في ما يتعلق بوارداتها من الغاز الطبيعي والبترول. وتتجلى أهمية المغرب العربي بالنسبــــة لـ " البنتاغون " في كونه يقع في منطقة حساسة عسكرية للمخططات العسكرية الأمريكية، فهذه المنطقة تقع في البحر الأبيض المتوسط الذي يمر منه خمس التجارة الدولية ويبحر فيه باستمرار الأسطول السادس، وقريبة من قاعدة " روتا " بالجنوب الإسباني والتي يخطط لجعلها أكبر قاعدة أمريكية في الخارج وذات دور حيوي للمخططات العسكرية خلال العقود المقبلة من القرن الجاري. أما وزارة الخارجية الأمريكية فترى في المغرب العربي منطقة حيوية سياسيا، في محاولة لتحجيم دور الاتحاد الأوروبي الذي يهدد زعامة الولايات المتحدة مستقبلا. وفي معطيات تاريخية أنّ فرنسا التي كانت ترغب في إقامة كيان في منطقة الصحراء الشرقية، وإسبانيا التي ظلت تحلم بكيان مماثل في الصحراء الغربية يدار من جزر لاس بالماس، لهما ما يكفي من مبررات للتعاطي مع القضية. وهكذا يعيد تباين المواقف الدولية، حول قضية الصحراء الغربية، ترسيم لعبة الدومينو القديمة. التحولات الدولية والبحث عن حلول توافقية بعد نهاية الحرب الباردة شهد العالم، بأجمعه، تحولات فارقة، فسقطت رؤى، وانبثقت بديلاتها، تراجعت استراتيجيات وظهرت أخرى، تشكلت علاقات دولية جديدة، تحكمت في نشأتها وتبلورها مصالح جديدة بديلا عن تلك التقليدية، فراحت الوحدات الجغرافية في العالم تشهد تقسيما جديدا للعمل، مما حدا بجزء غير يسير في العالم إلى إعادة تشكيل ذاته وبناء مستقبله تأسيسا على المعطيات الدولية الجديدة والمفاهيم المستحدثة للتعاطي مع الجغرافيا السياسية الوليدة. وفي المغرب العربي أمامنا أسئلة جديدة ومتغيّرات جديدة، تتطلب تشخيصا جديدا للأزمة، وذلك لبلورة اقتراحات مناسبة للمعطيات الراهنة. فالدول المغاربية مطالبة بمزيد من مجابهة إشكال الإصلاح الديمقراطي، للتمكن من استيعاب ديناميات التحول الجارية في قلب مجتمعاتها، والوقوف في وجه رياح التحديات السياسية والاقتصادية المحلية والإقليمية، وهو الأمر الذي يستدعي الدفع بمشروع اتحاد المغرب العربي خطوات إلى الأمام من أجل تعزيز آليات التعاون الإقليمي بما يخدم مصالح شعوب المنطقة. إنّ المفارقة الملفتة للانتباه أنّ الجزائر والمغرب يلتقيان تحت مظلة منظومة 5+5 بين الدول الشمالية والجنوبية للبحر المتوسط، وينضويان تحت لواء الحلف الأطلسي في توجهاتهما الأمنية، إلا أنهما يعجزان عن اللقاء تحت سقف المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة المغاربية. ويبدو من الأفضل أن يوضع الأمنين السياسي والاقتصادي للمنطقة برمتها في مقدمة جدول الأعمال، عسى أن ينفع ذلك في تغيير نظرة الجارين إلى نفسيهما وإلى مجالهما الإقليمي. لقد أصبح حل النزاع مطلبا ملحا أمريكيا وأوروبيا: فالولايات المتحدة الأمريكية، التي عززت حضورها في منطقة المغرب العربي، عبر مبادرات طالت البلدان المغاربية الخمسة، لا تخفي حرصها على إطفاء بؤرة التوتر المزمنة التي تعصف بالاستقرار والسلم في المنطقة، وتحول دون قيام التكتل الإقليمي المنشود. كما أنّ المجموعة الأوروبية تتبنى الخيار نفسه، خصوصا بعد بروز مؤشرات جادة على تحول نوعي إيجابي في العلاقات المغربية ـ الإسبانية بعد وصول الحكومة الاشتراكية الجديدة للسلطة. لقد غدا حل نزاع الصحراء الغربية، الذي يشل الأوضاع في المنطقة، مطلبا إقليميا ودوليا لم يعد بالإمكان تأجيله لجملة اعتبارات عديدة. فمشروع الاتحاد المغاربي المتوقف مطلب شعبي لا بديل عنه، والاتحاد الأوروبي يتطلع إليه في سياق مقاربته المتوسطية، كما أنّ الإدارة الأمريكية تحث عليه في إطار مشروعها للشراكة المغاربية - الأمريكية. وهكذا قد لا يكون الحل بعيدا، حتى لو بدت المواقف الأخيرة متباينة، باعتبار أنّ الحدود الموضوعية للحل غدت معروفة للجميع، ولا سبيل لتجاوزها. إنّ مختلف هذه المستجدات تسمح باستكناه بوادر توافق إقليمي ودولي حول صيغة حل يحظى بغطاء الشرعية الدولية. سبل الحل التوافقي الممكن لم يعد معقولا ولا مقبولا، ونحن نشاهد ما يجري في العالم، أن نواصل التعامل مع قضايانا التاريخية وإشكالاتنا السياسية بالطرق التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم. فهل يعقل أن لا تقيم النخب السياسية المغاربية، خاصة في الجزائر والمغرب، اليوم تمييزا بين شروط نشأة وتطور أزمة الصحراء الغربية في لحظات تشكلها، وبين مآلها الراهن في علاقاته بالمتغيّرات الجارية سواء في المغرب الكبير أو في العالم ؟ إنّ نظرة مستقبلية وواقعية إلى مسار العلاقات الجزائرية – المغربية يمكن أن تجنب البلدين معا مخاطر الحساسيات المفرطة، في حال توجهت نحو الفرص المتاحة والتحديات الحقيقية. والمطلوب في أي حل سياسي للنزاع أن يبدأ من إرساء قواعد بناء الثقة، ونتصور أنّ الديبلوماسية الشعبية، القائمة على تبادل الرأي بين مؤسسات المجتمع المدني في البلدين الجارين، قد تساهم في تكسير رتابة لغة التجافي المستندة إلى أطروحات لم يعد لها أي مبرر، حيث لا يمكن أن يجادل أحد في المصير المشترك لشعبين تحكمهما شروط تاريخية واجتماعية متشابهة، وتواجههما اليوم تحديات متماثلة، نقصد بذلك تحديات الاصلاح السياسي وتحديات التنمية المستدامة. وفي السياق نفسه نتصور أنّ مواصلة العمل في مجال تفعيل مؤسسات اتحاد المغرب العربي المعطلة، يمكن أن يساهم بدوره في بناء اقتراحات إضافية معززة لآلية التفكير في إيجاد مخرج متوافق عليه، ذلك أنّ بناء برامج تنموية في إطار الاتحاد سيساهم في إنشاء شركات ومؤسسات تدفع في اتجاه بناء اقتصاديات مغاربية مندمجة، وهو الأمر الذي تترتب عليه إمكانية وصول المنتجات الاقتصادية المغاربية والمنتجات المعدنية الجزائرية إلى موانئ المغرب في المحيط الأطلسي، فيصبح المستفيد من كل ما سبق هو مجتمعات المغرب الكبير. إنّ حل النزاع متاح مغاربيا، عبر الوحدة أو التكامل الاقتصادي والشراكة المصيرية، بشرط توافر العقلانية والشفافية ومعايير العدالة والمساواة، خاصة وأنه لم يعد هناك مكان ولا فاعلية للشراذم والدويلات الصغيرة في زمن الوحدات السياسية الكبرى والتكتلات الاقتصادية. ومن المفارقات في هذه القضية المعلقة، أن الطرفين لا يرحبان بأية جهود أو وساطات عربية لحلها، ولم يسبق أن أدرجت هذه القضية على جدول أعمال أية قمة عربية. أما بقية دول المجموعة المغاربية، فتبدو وكأنها تخشي التدخل في الخصام بين الدولتين الكبيرتين، خشية أن ينعكس ذلك على أوضاعها الداخلية واستقرارها الإقليمي. أي أنّ المشكلة تحولت إلى ما يشبه القنبلة النائمة، التي يخشى ذوو القربى الاقتراب منها مخافة أن تنفجر. ومن الواضح أنّ أي حل من شأنه أن يحظى بالقبول، لا بد أن يراعي عدة مقتضيات وشروط أساسية أبرزها: (1) - إجماع الأطراف الإقليمية المعنية وهي: المغرب والجزائر وموريتانيا. (2) - التوصل إلى صيغة توافقية بين مطالب الصحراويين الاندماجيين، والصحراويين الانفصاليين (البوليزاريو)، بعد اتضاح لا واقعية ولا جدوى المسار الاستفتائي المفضي إلى أحد خياري الاستقلال التام أو الانضمام التام. (3) - توفر الغطاء الدولي للتسوية المنشودة، المرهون بتوافق ثلاثة أطراف محورية، هي إسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. ومن أجل إنجاح مساعي الحل التوافقي ينبغي إطلاق نقاش معمم ومعمق في موضوع مشكل الصحراء من مختلف أبعاده، وذلك للمساهمة في نقد المرجعية السياسية والتاريخية التي ساهمت في تشكله، ونحن نتصور هنا أنّ مرجعية نظام الحرب الباردة تحدد المدخل المناسب لفهم المواقف، وإذا كنا نعي جيدا النهاية الفعلية لإيديولوجيات الحرب الباردة فإننا نفترض أنّ الفعل السياسي البشري في التاريخ قادر، في حال توفر الإرادة السياسية التاريخية والمسؤولة، على تفتيت المكونات الصلبة للجغرافية الطبيعية بهدف تحويلها إلى أداة لخدمة المشاريع التاريخية الأكثر مطابقة لطموحات شعوب المنطقة. ومن أجل إنجاح هذه المساعي أيضا، أما حان الوقت لأن تبادر قوى المجتمع المدني إلى فك العزلة التي تطوق الشعبين الشقيقين بسبب جريمة إغلاق الحدود، وإلى أن تعمل على إطلاق مبادرات التواصل والتبادل، خاصة وأنّ أوروبا الجار الجغرافي والشريك الاقتصادي والتجاري أضحت تبحث، لخلق منطقة للتبادل الحر في المغرب العربي، عن شريك تجاري واقتصادي وسياسي متجانس؟ أليست هذه القوى مجتمعة مطالبة، اليوم، بلعب دور تاريخي من خلال بلورة رؤى مشتركة للتعاطي مع الإشكالات المستعصية التي تواجه البلدين: من فقر، وبطالة، وعنف سياسي، وحريات عامة، وإكراهات قادمة من الاقتصاد المفتوح وتدخل سافر للقوى الأجنبية في إعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، وأزمة الهوية داخل المجتمع، والحركة المتنامية للمواطنة الباحثة عن حلول استعجالية لمعضلاتها، ومواجهة الأنظمة والدفع بها إلى دمقرطة المشهد السياسي وبناء المؤسسات الوطنية الديمقراطية القادرة وحدها، ومن ورائها القوى الاجتماعية بكل ألوان الطيف الذي تمثله، على تقرير مصير الشعوب المغاربية. إنّ الطرح المغربي، المبني على الواقعية والمرونة، يمكن أن يجنب مضاعفات وخيمة. وترجع مصداقية هذا الطرح إلى أنه يتحرك من أجل تأمين مصالحه، ولا يهدف إلى إقصاء الغير، ولا إلى الاستفراد بالمزايا. ويستمد مشروعيته من المنطق الذي أصبح يضبط العلاقات الدولية، وهو الطاعة الواجبة لتداخل المصالح. فلا توطيد الترابط مع الاتحاد الأوروبي، يلغي ارتباطه بمنطقة التبادل الحر مع أمريكا، ولا الترابط فيما بين دول جنوب المتوسط بسلسلة اتفاقات للتبادل الحر يعني استثناء الجزائر. فلا يوجد عاقل يتصور أنّ مستقبل المغرب يمكن أن يُبنى على حساب الجزائر، أو العكس. وينبغي التأكيد دائما أنّ انعدام التفاهم بين المغرب والجزائر، يفوّت على البلدين وعلى المنطقة المغاربية فرص الحاضر، ويهدد المستقبل، ويجر المنطقة إلى أن تهدر وقتا وجهدا، ويمكّن الآخرين من رسم خارطة الطريق بدلا من / أو بدون مشاركتنا. إنّ الحل السياسي المطروح، إذ يروم منح الصحراء الغربية حكما ذاتيا موسعا، يكون في جانب منه قد حقق للصحراويين وضعا خاصا، تستطيع الجزائر أن تطمئن إليه في حال اعتبار تبنّي قضية الصحراء من منطلقات مبدئية. وبالتالي في إمكان التجربة، في حال نجاحها، أن تشكل أنموذجا جديدا في التدبير السياسي، يضع حدا للتوتر القائم من جهة، ويفتح باب الأمل الديموقراطي واسعا أمام شعوب المنطقة. وفي حال نجاح الحل فإنّ منطقة المغرب العربي تشكل سابقة في انفتاحها على الطرائق العصرية في توزيع الاختصاصات بين المراكز والأقاليم، كما في حال تجارب متقدمة نقلت الدول الأوروبية إلى مصاف التقدم، عبر تكريس نظم الحكم الذاتي في إسبانيا وإيطاليا وألمانيا وغيرها. قد لا يكون الحكم الذاتي الذي يقترحه المغرب مستوفيا كل سقف الشروط التي تطرحها جبهة بوليساريو، من قبيل الجدل حول مفهوم تقرير المصير، بيد أنّ مجرد التئام حوار حول المشروع بين الصحراويين، على مختلف مشاريعهم واتجاهاتهم وميولهم الفكرية والسياسية، يعني تمكين السكان المعنيين بحق الاختيار الديموقراطي من إسماع أصواتهم وانتقاداتهم ومطالبهم. ففي أي حال لا يمكن حجب الطابع الديموقراطي لحوار الصحراويين حول قضيتهم بمجرد القول إنّ هناك من يريد تقرير المصير والاستقلال، لأنّ أبجديات تقرير المصير تتعرض للانتهاك حين يتم ربطها بالاستقلال فقط في ضوء معطيات لم تستند إلى أية استشارة شعبية، بيد أنّ الآفاق التي فتحها الحكم الذاتي، من خلال إسناد البحث في معطياته القانونية والسياسية والإدارية إلى السكان المعنيين الذين يشكلون الغالبية، تنم عن توجه يكفل الانتقال بقضية الصحراء من صراع إقليمي إلى قضية ديموقراطية، تتماشى مع النزعة الكونية السائدة لناحية تكريس الحلول الديموقراطية للمشاكل والنزاعات. تكلفة اللامغرب إنّ قدرة الأوروبيين على اختصار أنجع الطرق لتحقيق أهداف التقدم والوحدة لا يضاهيها وعي مماثل في الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، على رغم إصرار مكوناته على اللحاق بالركب الأوروبي. فالتاريخ يسجل للبلدان المغاربية أنها سبقت نظيراتها الأوروبية في البحث عن مكامن الوحدة والقوة منذ خمسينيات القرن الماضي، إلا أنها لم تستطع أن تتجنب أخطار التفكك والانغلاق، وقد لا يعني استمرار نزاع الصحراء سوى بعض من تلك المخاطر الباهظة الكلفة. إذ أنّ استمرار النزاع في الصحراء والتقاعس عن إيجاد حل ناجع له من شأنه أن يطيل عمر الأزمة التي تكرس، بكل أسف، شعور الفرقة بين الأشقاء وتؤخر فرص التنمية والتعاون بين شعوب المنطقة، بما يجعلها دون طموحات أجيالها التي طالما حلمت بمغرب عربي موحد ومزدهر وقادر علي الدفاع عن كيانه ومصالحه. إنّ الإيمان بالمغرب العربي الموحد يتنافي - بصورة مطلقة - مع الحسابات الجيو - سياسية القطرية، ضيقة الأفق، التي لا تتسع لرحابة المستقبل ولا تعكس الإرادة الحقيقية للشعوب. فالمصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية للمغرب العربي لا يمكن أن تتم إلا في إطار فضاء مغاربي، منتج ومنفتح على جناحه المشرقي العربي وعلى عمقه الأفريقي. إنّ حل قضية الصحراء الغربية يفتح الأفق أمام إقامة التطبيع الكامل بين الجزائر والمغرب، وبالتالي تحقيق بناء الصرح الوحدوي المغاربي، الذي يحتاج بدوره إلى ثورة حقيقية قوامها: تحوّل الأنظمة المغاربية أنظمة ديموقراطية فعليا، وبالتالي تخليها عن احتكار الوطنية والقبول بنقاش حر وعلني حول القضايا التي تعوق بناء الاتحاد المغاربي هذا داخل الهيئات الوطنية المنتخبة في صورة ديموقراطية. فهل أنّ الجزائر والمغرب مستعدتان لإقامة سلام بينهما وحل هذا النزاع الإقليمي وفق رؤية مغاربية وحدوية شاملـة ؟ الأوضاع المغاربية والعربية والدولية تفرض علينا اليوم أن نتعامل معها بأدوات مختلفة تلغي الأمزجة الشخصية والحسابات الضيقة والمشاحنات الظرفية حتى نحقق هذا البناء المغاربي الذي حلم به الرواد المؤسسون. فلم يعد هناك مجال اليوم للسجالات السياسية التي تضمر أكثر مما تعلن، فقد تطور العالم من حولنا، والنفق الحالي المظلم يمكن تكسيره بحوار أكثر صرامة مع الذات ومع الآخر في موضوع الأزمة وفي راهنها، ولا مفر من التوافق الذي يستند إلى معطيات الواقع، ولا يغفل مبدأ مراعاة المصالح المشتركة. أي لا بد من استثمار التحولات الجارية في المنطقة للتأسيس لخطاب فكري قائم على مبدأ حق شعوب المغرب العربي في تقرير مستقبلها، عبر الوحدة التكاملية القادرة وحدها على إيجاد الحلول للمعضلات الكبرى في المنطقة وفي مقدمتها مشكلة الصحراء الغربية، وهذه المهمة لن يكتب لها النجاح إلا بمبادرة المثقفين والسياسيين والفاعلين في المجتمع المدني إلى تأسيس منتدى للتفكير في صياغة الحلول، ورسم الاستراتيجيات، والتحول من موقع الملاحظ السلبي إلى موقع القوة الاقتراحية الفاعلة. إنّ الحديث عن بناء مغرب عربي متكامل وقادر على التعاطي المجدي مع التحديات التي تحدق بالمنطقة وبالأمة العربية برمتها، يتطلب تضافر الجهود لتحقيق التنمية والديمقراطية والإصلاح السياسي، واحترام حقوق الإنسان. انطلاقا من الاعتبارات، الموصوفة أعلاه، فإنّ مقترح الحكم الذاتي الذي يستعد المغرب لتقديمه إلى الأمم المتحدة، يستجيب لتوجهين اثنين: أولهما، اعتبار أنه في كل صراع دولي ليس هناك غالب واحد يمكن أن يأخذ كل شيء، مهما كانت شرعية حقوقه، فهناك قاعدة لا غالب ولا مغلوب. وثانيها، أنّ هذا الحل يعتبر أنّ القضية يمكن أن تُحل على أساس أنه لا إلحاق ولا انفصال، بل هناك وضعية خاصة تسمح للسكان بتدبير شؤونهم اليومية دون الارتقاء إلى شخصية دولية منفصلة. وعسى أن يتعزز الاقتناع بأنّ حل المشاكل الإقليمية والمحلية، من خلال البدء في إقرار تنظيمات اللامركزية هو الأفضل، وسواء اقتصر الموضوع في مرحلة أولى على إقليم الصحراء بسبب طول أمد النزاع أو تعداه في وقت لاحق ليصبح منهجية عصرية في إدارة الشؤون المحلية في أرجاء المنطقة المغاربية كافة، فإنّ التجارب الإنسانية التي نمت في هذا الاتجاه أوضحت الفرق بين انتكاس بناء الدولة المركزية، الذي يزيد في الأعباء كما في تجارب دول جنوب وشرق حوض البحر الأبيض المتوسط، وبين التطورات التي عرفها الاتحاد الأوروبي في ضوء الحفاظ على خصوصية مكوناته وتنوعها.
تونس في 10/1/2007 الدكتور عبدالله تركماني كاتب وباحث سوري مقيم في تونس (*) - في الأصل ورقة قُدمت في إطار المؤتمر الواحد والعشرين لمنتدى الفكر المعاصر حول " تكلفة اللامغرب " بدعوة من " مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات " بالتعاون مع " مؤسسة كونراد أديناور " – تونس، في الفترة ما بين 11 و 13 كانون الثاني/يناير 2007 .
|
||
|
|
|
حورات |