عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

معقل زهور عدي

  نزعة الانتقام وحس العدالة

 

 

2007-01-05

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

     في الظاهر تلتقي أحيانا نزعة الانتقام مع حس العدالة لكن الحقيقة أن كل واحدة من هاتين النزعتين تنتمي لمنظومة قيم مغايرة للأخرى ، فنزعة الانتقام تنتمي لمشاعر قبلية وغريزية مناقضة لفكرة القانون المدني الذي أرست الحضارة دعائمه منذ عهد حمورابي ( حكم بين 1792 – 1750 قبل الميلاد ) وتعود أصول تلك المنظومة في الواقع الى ما قبل حمورابي بمئات السنين ( قوانين عصر اوركاجينا 2360 قبل الميلاد وأورنامو 2100 قبل الميلاد ) ، هنا بدأ الوعي المدني يتفوق لدى الانسان على غريزة الانتقام ، حيث أدرك الانسان أن المحافظة على الحضارة والمدنية تقتضي منه التضحية بغرائزه على حساب الخضوع لمفهوم القانون العام ، وبصورة مغايرة تمكنت نزعة الانتقام والثأر من الاستمرار في ظل المفاهيم القبلية بالتمفصل مع الحياة غير المستقرة ، والغزو والسلب الذي يعتبر قانون الحياة البدوية ، والحقيقة أن الحياة البدوية لم تكن لتتقبل فكرة القانون المدني الواضح المكتوب والذي يملك سلطة مستقرة وكافية لفرض احترامه ، وتمثل سلطة شيوخ القبيلة الذين يفترض فيهم الحكمة ومعرفة التقاليد والأعراف حلا وسطا بين سلطة القانون المدني وانعدام وجود القانون الذي يعني تمزق القبيلة ذاتها وانهيار المجتمع القبلي .

سمح المجتمع القبلي باستمرار نزعة الثأر والانتقام ليس فقط بسبب ضعف مفهوم القانون وتعارضه مع نمط البداوة ولكن أيضا لحاجة نمط البداوة لتلك النزعة لتخدم في توليد المشاعر الضرورية للاغارة على القبائل الأخرى وسلبها حيث السلب والنهب يمثل البديل للزراعة والحرف ويعوض فقر نمط الانتاج الذي يختزل في الرعي ، فالغزو ليس عملا نافلا بالنسبة للبداوة ولكنه الحل الوحيد لبقاء القبيلة على قيد الحياة حين لاتعود المراعي كافية وتتناقص المواشي بسبب القحط على الغالب .

( الانتقام وأخذ الثأر عند الأعراب من العوائد الشريفة ، يقيمون له وزنا رفيعا ويعدونه من الفرائض التي لايسعهم اهمالها ولو طال عهدها ، وماكان يعرف عن أعراب الجاهلية في هذا الصدد ينطبق على أعراب زماننا – أحمد وصفي زكريا – عشائر بلاد الشام ) .

بخلاف المجتمعات الأوربية التي انتقلت بصورة متأخرة ولكن بانسجام وتسارع من المجتمعات القبلية الى المجتمعات الزراعية الاقطاعية ومن ثم الرأسمالية البورجوازية مع نهاية القرون الوسطى ، فقد عاشت مجتمعات الشرق فترات طويلة ( آلاف السنين ) وهي تتقلب بين مؤثرات نمط الحياة البدوية ومؤثرات الحياة المدنية الأصيلة والمغرقة في القدم ، وبصورة من الصور شكل النزاع بين البداوة والمدنية أحد أهم معالم التاريخ الاجتماعي في هذه المنطقة من العالم .

حتى الأمس القريب كانت العديد من المناطق والقرى في سورية تعاني بصورة جدية من غارات القبائل البدوية ، بل ان الحياة المدنية كانت تبدو كجزر متناثرة تحاول تحصين نفسها بكل طريقة للبقاء وسط بحر من القبائل والعشائر يمكن ان يعصف بها في أي وقت ، في كتابها الصحراء والمعمورة تصف المستشرقة غيرترود لوثيان بل مشاهداتها في مطلع القرن العشرين في بلاد الشام ( هاجم أربعمئة خيال من قبيلة الصخور بني حسان وأخذوا خيامهم مع ألفي رأس من الماشية ) وتتساءل بل : ( ترى كم ألفا من السنين مرت والعرب في هذا الوضع ؟)

 

يمكن النظر الى الاسلام باعتباره ( بوجه من الوجوه ) انتصارا للقيم المدنية ، لكن ذلك لم يمنع من تسلل البداوة الى المجتمعات الاسلامية متسترة بالدين ، مثلما حاولت أن تفعل مختلف الثقافات القديمة التي اكتسحها الاسلام .

لنتأمل نزعة الثأر والانتقام في اليهودية : ( لايدخل عموني ولاموآبي في جماعة الرب ، حتى الجيل العاشر لايدخل منهم أحد في جماعة الرب الى الأبد ، من أجل أنهم لم يلاقوكم بالخبز والماء في الطريق عند خروجكم من مصر ....، لاتلتمس سلامهم ولاخيرهم كل أيامك الى الأبد ) .

 

في نزعة العدالة يتجسد القانون ، روح المدنية والحضارة ، حيث العدالة مرتبطة بالدولة وهي عدالة عمياء لاتراعي أحدا ، وهي سر استقرار الأمم وسعادة الشعوب ، يقول حمورابي : ( نادتني الآلهة من أجل الشعب ورخائه باسم حمو – رابي أي الأمير الذي يخاف الله وأمرتني أن أقيم العدل في الأرض وأن أقتلع جذور الشر حتى لايضطهد القوي الضعيف ) ( من كتاب شريعة حمورابي – ترجمة اسامة سراس ) .

من نزعة العدالة ولدت فكرة التسامح ، فحين بدأ الانسان بالتخلي عن فكرة الثأر والانتقام لصالح القانون العام ، غدا ممكنا التفكير في تخليه عن فكرة الثأر والانتقام لصالح قيمة أخلاقية ودينية أكثر سموا ، فالتسامح والمحبة اللتان نضجتا كقيم دينية وأخلاقية مع المسيحية وأكدها الاسلام كانتا أكثر رقيا من القانون ومن العدالة ، مع ذلك لم يكن التسامح قط بديلا عن القانون لكنه كان دليلا للسير في طريق جعل القانون أكثر انسانية باستمرار .

لقد تطورت الانسانية كثيرا منذ الوقت الذي كانت فيه الجماهير تستمتع بتنفيذ أحكام القتل بالمحكومين أو الأعداء السياسيين ، وانتشر على نحو واسع مبدا الغاء عقوبة الاعدام ، كما أن النظرة لفكرة العقوبة وآليات تنفيذها محط نقاش وتعديل على نطاق عالمي ، ويظهر ذلك كله أن البشرية تمضي في الواقع نحو الأمام ، نحو مستقبل أكثر رحمة وانسانية رغم الانتكاسات هنا وهناك .

أما نحن فيبدو أنه مازال أمامنا الكثير للتخلص من رواسب أسوأ موروثات الماضي ومنها نزعة الثأر والانتقام ، واستعادة مفهوم القانون ، ونشر ثقافة التسامح والمحبة .

  كاتب سوري

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة