عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

 محمود جديد

" المأزق اللبناني ، والآفاق المحتملة "

 

 

2007-01-04

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

  - شكّل قرار مجلس الأمن رقم : 1559 الغطاء الدولي ، وقاعدة الانطلاق نحو إعادة ترتيب الساحة اللبنانية بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية ، من خلال تجريد المقاومة اللبنانية من سلاحها ، وتفريغ الإنجاز التاريخي الذي حققته عام 2000 بإجبار القوات الإسرائلية المحتلة على الانسحاب من الجنوب اللبناني بدون قيد أوشرط ، وبأسلوب فيه الكثير من الإذلال ...ممّا رفع معنويات الجماهير العربية والإسلامية في كال مكان ، وأوجد قناعة لديها بإمكانية تحرير باقي الأراضي العربية المحتلة عن طريق الكفاع المسلّح ، وخاصّة بعد فشل الطرق التسووية الاستسلامية في (أوسلو) وما نجم عنها ، وما تعاقب ... ولهذا فإنّ رأس المقاومة اللبنانية وسلاحها كانا هدفاً صهيونياً ثابتاً ، يرمي إلى الثأر من هذه المقاومة ، وامتصاص وهجها النضالي المشعّ ، وتحرير الإرادة الإسرائيلية وإطلاق يدالحكومة الإسرائيلية للعب دور أكثر فعالية في أحداث المنطقة ، وخاصّة بعد المأزق الأمريكي في العراق ...غير أنّ الأطراف اللبنانية التي راهنت عليها الإدارة الأمريكية وكلّفتها ( تكتل : جنبلاط – الحريري – جعجع ) بتنفيذ مهمة نزع سلاح المقاومة ، عجزت عن ذلك بشكل مباشر أوغير مباشر ، وبذلك انتقلت هذه المهمة إلى الحكومة الإسرائلية بدعم أمريكي كبير ، وبتواطؤ من الثالوث اللبناني المشار إليه سابقاً ،كليّاً أو جزئيّاً، هذا التواطؤ الذي تجاوز آفاق التحليل السياسي ليصل إلى درجة المعلومات التي أشار إليهاالسيّد: حسن نصر الله في إحدى خطبه ، سواء حول الدور المشبوه الذي أدّاه البعض مع الحكومة الإسرائيلية  ، والإدارة الأمريكية  مباشرة أو بالواسطة ، أم بالشروط والإملاءات والتعهدات التي أرادوا فرضها على المقاومة وهي تتصدّى لجبروت العدوان الإسرائلي في شهر تمّوز /يوليو/ الماضي حتى يتمّ وقف إطلاق النار ، وقد أبدى أمين عام " حزب الله " استعداده لتحمّل كامل المسؤولية القضائية تجاه ما وجّهه من تهم ، كما أشار إلى أنّ لديه الكثير ممّا يقوله حول الموضوع ، وفي الوقت نفسه فقد كشف عن تقصير الحكومة وتلكؤها في إعادة إعمار الجنوب الذي دمّرة العدوان ، وإيصال المساعدات المادية والمالية لسكانه  . وبالمقابل فقد نفت الحكومة هذه الاتهامات دون أن تتخذ أيّة خطوة عملية للتحقيق في تلك التهم ، كما أشهرت سلاح المحكمة ذات الطابع الدولي ،واتهمت الطرف الآخر بعرقلة وتأخير قيام هذه المحكمة لمنع كشف محاسبة قتلة الشهيد : رفيق الحريري ، واعتبرت استقالة وزراء "الشيعة" خطوة على هذا الطريق ،  ...وهكذا أخذت أجواء عدم الثقة تتعمّق بين الطرفين : المعارضة والموالاة  ، ودخلا في مرحلة عض الأصابع ، وكانت المظاهرات الشعبية العارمة التي قامت بها المعارضة ،والاعتصام المفتوح الذي أكمل الشهر عند كتابة هذا المقال أحد الأشكال الأكثر قوة وتأثيراً ....

-  هذا وقد تبلورت خلال العدوان الإسرائيلي الغادر على لبنان في الصيف الماضي اصطفافات وطنية داعمة للمقاومة أزالت الفتور في العلاقات بين حزب الله وبعض قياداتها نتيجة تجاهلها أثناء قيام التحالف الرباعي ( حزب الله، حركة أمل ، تيار المستقبل ، التقدمي الاشتراكي ) عند إجراء انتخابات المجلس النيابي اللبناني ، وفي الوقت نفسه ألقى ثقل العدوان وهمجيته سواء تمّ بتواطؤ مع أطراف لبنانية ، أم بدونه ظلالاً سلبية على العلاقة بين قوى التحالف الحكومي ، وقاد بعضها إلى تقديرات سياسية وميدانية خاطئة تجاه قدرة المقاومة على التصدّي للعدوان ، ممّا أوقعها في مطبّات كشفت نواياها السياسية الحقيقية حول سلاح المقاومة و"حزب الله" ، كما فضحت تحالفاتها الخارجية المشبوهة ، وقد شعرت أنّ الأخطاء التي ارتكبتها قد تُستثمر من قبل المعارضة ، ولذلك أرادت أن تستغلّ موضوع المحكمة ليكون غطاءً تخفي خلفه أخطاءها السياسية ، وشبهة تحالفاتها الخارجية قبل أن يتصاعد الصراع السياسي داخل الحكومة حول ما جرى خلال العدوان ، حيث طلبت من وزراء " حزب الله" و"حركة أمل " التصويت على مسودّة اللائحة الداخلية للمحكمة بعد توزيعها في الجلسة مباشرة ،وباللغة الإنكليزية ، وعندما طلب هؤلاء الوزراء إعطاء ثلاثة أيام لدراستها رُفٍض الطلب دون مبرّر موضوعي ، لأنّ التحقيق الدولي لم يصل بعد إلى مداه الذي يفرض الإسراع في تشكيلها ، ويبدو أنّ الهدف من هذا التعنّت من قبل رئيس الحكومة هو الضغط للتصويت بالموافقة على المشروع على علاّته من قبلهم ، أو الخروج من الحكومة ، وقد اختاروا الاستقالة لشعورهم أن استمرارهم داخلها أصبح دون جدوى نظراً لتبلور تيّارين متمايزين ومتناقضين داخل الحكومة يجعل من الصعب التعايش بينهما ، ممّا يُفقدها مشروعية تشكيلها ، والأسس والتفاهمات التي تمّت عند قيامها ، وقد أعقبهم أحد الوزراء المحسوبين على رئيس الجمهورية ، بينما استمرّ الآخرون  بعد أن تمّ  استقطابهم عن طريق استهداف وزير الدفاع/ الياس المرّ/ من قبل / ميليس /، ثمّ عقد صفقة معه أعلن فيها اتهام النظام السوري بمحاولة اغتياله ، أمّا وزير العدل / الياس رزق / فقد تمّ احتواؤه عن طريق الوعد الذي قُدٍّم له بأنّه سيكون مرشح الأكثرية لرئاسة الجمهورية ( سياسة الترهيب والترغيب )....

الأوضاع السياسية بعد استقالة 6 وزراء :

   بما أنّ الدستور اللبناني واتفاق الطائف اعتمدا الديمقراطية التوافقية، واعتبرا أنّه لاشرعية لحكومة بدون تحقيق العيش المشترك فإنّ المعارضة ورئيس الجمهورية اعتبروا أنّ الحكومة قد فقدت شرعيتها بعد استقالة

وزراء" الشيعة " بكاملهم , وعدم التعويض عنهم ، بينما تمترس السنيورة وباقي حكومته بعدم توفر أي بند من البنود التي أشار إليها الدستور بشكل مباشرعلى شروط استقالة الحكومة ، ونظراً للتغييب المتعمّد للمجلس الدستوري من قبل الفريق الحاكم ، وذلك عن طريق حلّه دون إعادة تشكيله فإنّ الدولة اللبنانية خسرت المرجعيّة المخوّلة بالبت في القضايا الدستورية ، سواء ما يتعلّق منها بتفسيرات بنود الدستور ،أم بمدى مطابقة القوانين والقرارات لنصوص الدستور ، كما غيّبت الجهة التي تبتّّ بالطعون النيابية المقدّمة من قبل / التيار الوطني الحرّ/ حول انتخابات دائرة بعبدا (11 مقعداً ) ، والتي تخشى السلطة الحاكمة من خسارتها كليّاً أو جزئيّاً ، وبالتالي زعزعة الأكثرية النيابية الراهنة ، لأنّ النسبة الآن داخل المجلس النيابي هي : 55بالمائة مساند للحكومة ، و45بالمائة معارض ....ولذلك كلّه أصبح اللجوء إلى الشارع الخيار المتبقي ، وابتدأ التظاهر في يوم الجمعة الموافق للأول من شهر كانون الأول / ديسمبر/ 2006 ، وعلى ما يبدو ، أنّ المعارضة قد قطعت شوطاً متقدّماً على طريق التفاهم والتنسيق والتخطيط ، حيث استطاعت أن تنظّم وتحشد أكبر مظاهرة في تاريخ لبنان ، لأنّها تمكّنت من أن تُملئ ساحتي رياض الصلح والشهداء بأشخاص ينتمون إلى قوى وأحزاب من مختلف الطوائف ، وقطاع عريض من الأحزاب الوطنية اللبنانية ، وبالرغم من مقتي للتصنيف الطائفي ،إلاّ أنّ الواقع اللبناني المقام على أسس وتوزيعات طائفية يملي على أيّ محلّل وكاتب سياسي الإشارة إليه رغماً عن إرادته ورغبته ، فالمشاركة لم تقتصر على " حركة أمل، وحزب الله" اللذين يمثلان 90 بالمائة من الطائفة الشيعية التي تقدّر بحوالي 35 بالمائة من الشعب اللبناني ، و"التيار الوطني الحرّ" الذي يمثّل 70 بالمائة من الطائفة المسيحية (وفقاً لما حصل عليه من أصوات في الانتخابات ، ولعمليات سبر الآراء ) وهذه الطائفة  تقدّر بحوالي 36 بالمائة من اللبنانيين/ 19 موارنة+ 6 أرثوذكس+ 6 أرمن + 5 كاثوليك / ومن أهمّ الأحزاب المشاركة إضافة إلى التيار الوطني الحرّ كلّ من تيّار المردة ( فرنجية) ،والكتلة الشعبية (زحلة) ،وحزب إميل رحمة ، وبعض القوى الأرمنية والشخصيات المستقلّة ...الخ ، ومن الطائفة السنيّة التي تعادل 20 بالمائة من الشعب اللبناني شارك التنظيم الشعبي الناصري برئاسة / أسامة معروف سعد ، (صيدا) وحزب التحرير برئاسة / كرامي / في طرابلس ، والمؤتمر الشعبي برئاسة /كمال شاتئلا/ في بيروت ، وتنظيم ناصري آخر في إقليم الخروب برئاسة / زاهر الخطيب ، وحزب الاتحاد برئاسة /عبد الرحيم مراد / في البقاع ، وحركة التوحيد الإسلامي (طرابلس) ، وجناح الداعية الإسلامي / فتحي يكن / في جبهة العمل الإسلامي ، وجمعيات دينية وخيرية وشخصيات مستقلة ورؤساء وزراء سابقين وغيرهم ، إضافة إلى تقاطع المعارضة مع القوة الثالثة برئاسة الاستاذ الفاضل : الرئيس سليم الحص والتي تضم عناصر من كافة الطوائف ، وعلى كلّ حال ، يقدّر البعض أنّ مجموع هذه الأطراف يعادل 40 بالمائة من الطائفة السنية ، وفي "الطائفة الدرزية " التي تقدّر بحوالي 8 بالمائة من اللبنانيين يوجد الحزب الديمقراطي بزعامة/ طلال أرسلان / ، وحزب التوحيد بقيادة / وئام وهّاب / ، وحزب فيصل الداوود ، ومجموعة شيخ العقل /غيث/ ، وهؤلاء يشكلون حوالي 30بالمائة من هذه الطائفة ، وهناك أحزاب علمانية لها قواعد من مختلف الطوائف من أبرزها : الحزب القومي السوري ، والحزب الشيوعي ، وحزب البعث بمختلف تياراته ، وحركة الشعب بقيادة /نجاح واكيم / ذات الميول الناصرية ....الخ (ملاحظة ) : "نسب الطوائف المشار إليها سابقاً مأخوذة من دراسة أمريكية مقدّمة إلى الكونغرس..."

وهكذا ،يبدو أنّ القوى والأحزاب المشاركة في المعارضة تمثّل ثلثي  الشعب اللبناني على الأقل ، وقد أكّدت مظاهرة الأحد في 10/12/2006 بشكل ملموس هذه الحقيقة ، إذ كانت بمثابة طوفان بشري اجتاح الساحتين والشوارع والطرقات المؤدّية إليها ، ولم أشهد في حياتي مظاهرة كانت أكبر حجماً ، أو تضاهيها تنظيماً وانضباطاً ، وتحضّراً ، وقد تركت انعكاسات عميقة داخل لبنان وخارجه ، وبالرغم من هذا كلّه فإنّ الأكثرية السلطوية المزيّفة في لبنان وحلفاءها في الخارج بقوا يصرّون على تشويه الصورة لما يجري وكأنّه حشد شيعي موجّه ضدّ السنّة بهدف زرع الفتنة ، او الاحتماء بخوف الآخرين منها على الأقلّ ، لتعويض الخلل في موازين القوى الشعبية لصالح المعارضة المعبّرة عن شرائح وقوى متعدّدة ومتنوعة ، وتنتمي إلى جميع مكوّنات الشعب اللبناني ... وبالتالي فإنّ شرعيّة الحكومة الراهنة أصبحت متناقضة مع الدستور اللبناني ، وإرادة أكثرية الشعب ، إضافة إلى فشلها في قيادة لبنان منذ تولّيها الحكم وحتى الآن ، حيث عجزت عن القيام بدورها أمنيّاً وسياسيّاً ، واقتصاديّاً ، واجتماعيّاً ، وبرز هذا الفشل أكثر فأكثر أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير ، وفي التعامل مع المهجّرين من سكان الجنوب ، وإعادة الإعمار فيه ...أو في عجزها عن إنجاز ميزانية الدولة لعامي 2005 و 2006 بالرغم من انتهاء العامين ، بينما كان من المفروض أن تكون قد أنجزت ميزانية عام 2007 ، وفي تعطيلها عمل المجلس الاقتصادي اللبناني الذي يضمّ ممثلين عن الحكومة وأرباب العمل والعمّال ...وعلى كلّ حال ، فلولا الدعم السعودي والمصري ، والأمريكي والفرنسي خاصة ، والدعم الغربي عامّة ، والحقن السياسية والإعلامية التي يتلقاها السنيورة يوميّاً من هذه الجهات لتفسّخت الحكومة وسقطت ، وما تزايد وتيرة ونغم هذا الدعم الخارجي إلاّ تعبير عن مدى اختلال موازين القوى الداخلية لغير صالحها ، كما أعطى البرهان والدليل القاطع على حجم الآمال الأمريكية والإسرائيلية المعلّقة على بقائها وانتصارها على المعارضة ، وبالتالي عن مدى ارتباط أطرافها مع القوى الخارجية التي تقف ضدّ قضايانا الوطنية والقومية في فلسطين والعراق ولبنان والسودان والصومال ...الخ

الاعتصام في الساحتين ، واستمرار المأزق:

لقد عبّر هذا الاعتصام المستمر منذ أكثر من شهر عن مدى تصميم المعارضة على عدم التخلّي عن مطالبها بتشكيل حكومة وحدة وطنية تقوم على الديمقراطية التوافقية تستطيع من خلالها المشاركة الفعلية في صياغة وإتخاذ القرارات الهامة ، وعن ثبات عزيمتها على الاستمرار فيه حتى تحقيق أهدافها المعلنة ، وقد نجحت حتى الآن في تهيئة الظروف المناسبة لذلك عن طريق تحويله إلى منتدى وطني مفتوح للنشاطات الثقافية والفنية والسياسية والاجتماعية تتفاعل فيه شرائح واسعة من الشعب اللبناني لتزيد من تعارفها ، وتكسر الحواجز المصطنعة فيما بينها ، وتمتّن لحمتها الوطنية ، وقد أصبح هذا الاعتصام عنواناً بارزاً في الصراع ، إذ أنّ أيّ تخلّ عنه يعني أنّ المعارضة قد صرخت أوّلاً في عملية عض الاصابع الدائرة حالياً  ، ولذلك فهي متمسكة به حتى تحقيق الحدّ الأدنى من مطالبها ،ولكنّ المسألة الهامّة هنا : كيف تستطيع المحافظة على زخمه ، ورفده بصيغ وأساليب متجدّدة تكسر روتينه ، وتمنع الملل من وصوله إلى نفوس المشاركين فيه ، وتقيه من التآكل الداخلي ... وعموماً فإنّ قدر هذه المعارضة المضي في خطواتها دون تراجع عن مطالبها المتواضعة أساساً ... وبالمقابل فإنّ الحكومة أصبحت في حالة يرثى لها ، وهي تراهن على تعب المعتصمين ،  وفي الوقت نفسه  تلحظ تنامي قوّة المعارضة ، ومدى تنسيق وتكامل أطرافها ،و تدرك مدى ضيق هامش المناورة أمامها أيضاً ، لأنّها تعلم علم اليقين بأنّ أيّة معركة انتخابية قادمة ستنزع منها هذه الأكثرية المزيّفة التي حصلت عليها في الانتخابات السابقة، وتجعل مستقبلها السياسي برمته في مهبّ الرياح  ، فهي قبل غيرها تعرف كيف استطاعت الحصول على تلك الأكثرية  ، والأساليب الملتوية المخادعة التي اعتمدتها ، ولذلك فهي ترى بهذه المعركة السياسية الراهنة مسألة حياة أو موت بالنسبة لها ، وهذا سيقودها إلى مزيد من الانصياع والتبعية للأطراف الخارجية النافذة ، وإلى مزيد من التشنجات وفقدان الأعصاب في خرجات وإسفاف بعض قادتها على شاشات التلفزيون ، وما وليد جنبلاط سوى نموذج معبّرعن ذلك.

وهكذا فإنّ المأزق اللبناني محتدم ومستمر ، ولابدّ من تطوّر داخلي هام يكسر توازن القوى الراهن سواء داخل الفريق الحاكم،أم في صفوف المعارضة ، أو من حدث خارجي يسحب الغطاء الدولي عن الحكومة كليّاً أو جزئياً ، أو يخلق ثقوباً فيه ، وهذا لن يتبلور قبل معرفة المنحى العام الذي ستتخذه الإدارة الأمريكية بعد فشلها في الانتخابات الأمريكية الأخيرة ،وصدور تقرير بيكر- هاملتون ، ومدى اعتماده ، وماهي الصفقات التي يمكن أن تتمّ مع سورية وإيران ، وانعكاس ذلك على الساحة اللبنانية ، علماً أنّ كل الدلائل تشير إلى أنّ الضغوط الميدانية

في العراق وتصاعد خسائرها فيه ، وتفاقم الضغوط الشعبية الداخلية ، وداخل الحزب الجمهوري نفسه ، إضافة إلى الاستراتيجية المعلنة للحزب الديمقراطي الذي أصبح مهيمناً على الكونغرس الأمريكي ، وإلى رأي قادة الجيش الأمريكي ، لابدّ هذا كلّه من أن يفعل فعله ، ومن  الصعب على إدارة بوش إدارة ظهرها لكل هذه العوامل الضاغطة ... وعلى كلّ حال ، فإنّ الشهرين القادمين كافيان لجلاء الموقف الأمريكي الحقيقي ، والاستراتيجية المرسومة لمنطقة الشرق الأوسط...

المبادرات اللبنانية والعربية لحلّ الأزمة:  

أصبح معروفاً أنّ عام 2006 شهد عدّة مبادرات عربية ولبنانية ، وأقدمها المبادرة السعودية التي رفضتها الحكومة ، وقد اعترف /سعد الحريري/ بالخطأ الذي وقع فيه الفريق الحاكم نتيجة هذا الرفض ، وهناك التفاهمات التي سعى إليها / نبيه برّي /، والتي كلن يوافق عليها  "تيار المستقبل " في الصباح ليتنكّر لها في المساء ، بضغط من حلفائه الداخليين ( جنبلاط وجعجع ) ، أو من قبل السفير الأمريكي في بيروت ، وقد اعترف /جعجع/ علىشاشة L.B.C  بذلك عندما سُئٍل عن سبب غياب الدور المسيحي الفاعل داخل السلطة ، فأجاب مستغرباً : وكيف ذلك ألم نعطّل المبادرة السعودية والمبادرة العربية ؟ ، وهناك مبادرة " مجلس المطارنة" التي دفنوها في مهدها ، بالرغم من تأييدها مباشرة من قبل عدّة أطراف من المعارضة ، واعتبرها البقية أنّها صالحة للنقاش والحوار، وهو قبول ضمني بها ، ثمّ جاءت مبادرة / عمرو موسى / المعروفة والمعلنة ( لن أدخل في تفاصيل المبادرات ، لأنّ كل واحدة تحتاج إلى مقال مستقلّ) والذي قال عنها في مؤتمره الصحفي قبل مغادرته لبنان بأنّها "لم تنجح ،ولكنّها لم تفشل "، وهذا يعني أنّها قابلة للحياة والاستمرار ، وبالرغم من دبلوماسيته في عدم الإفصاح عن الطرف اللبناني الذي عطّلها ، ولكنّه أشار إليه باعترافه بوجود طرف متردد ، وقد أكمل الصورة ممثل الرئيس السوداني (رئيس القمة العربية) / مصطفى عثمان إسماعيل / حين اعترف بالمؤتمر الصحفي نفسه بأنّ المعارضة وبشخص السيد /حسن نصر الله / قد وافقت على المبادرة العربية ، وهذا يعني أنّ الطرف المتردّد ، أي المعطّل لها هو فريق الحكومة ...وهناك مبادرة الأستاذ الفاضل الرئيس :/سليم الحص / ، ومبادرة /نبه برّي / الجديدة التي سيطرحها في الأيام القليلة القادمة ، والتي أطلق جنبلاط النار عليها قبل أن ترى النور من خلال خرجته التلفزيونية في محطة " العربية " وتصعيده الظالم الملفّق  ضد " حزب الله" وقيادته ، بهدف تدمير كل الجسور التي يمكن السير عليها للوصول إلى حلّ ، والتحرك باتجاه التدويل والوصاية الغربية والفدرلة الطائفية .

  وعلى ضوء هذا الواقع المأزوم في الساحة اللبنانية ، والاستعصاء السياسي القائم ، والوصول إلى الخطوط الحمر فإنّ الواقع اللبناني جسّد مجموعة من الحقائق ، أهمّها:  

- إنّ مظاهرة المعارضة يوم الأحد الموافق للعاشر من شهر كانون الأول /ديسمبر/ 2006 شكّلت استفتاءً شعبياّ حقيقيّاً يمثّل رأي أكثرية الشعب اللبناني ( حوالي 2 مليون مشارك ) ، أي أنّ الشرعية الشعبية أصبحت بجانب تحالف قوى المعارضة ، والذي يستند إلى قاعدة شعبية واسعة لها تمثيلها الحقيقي داخل جميع مكوّنات الشعب اللبناني ، و "موزاييكه " الطائفي ، وتنوّع أحزابه ...

- إنّ الحكومة فقدت شرعيتها وميثاقيتها وفقاً لبنود الدستور ، ولكنّ الشروط القانونية لم تتوفّر بعد لاعتبارها مستقيلة ، لعدم تحقق أيّ سبب من الأسباب التي تُعتٍبر فيه كذلك ، وهذه النقطة هي مربط الفرس عند الرئيس السنيورة ومسانديه ، والحلقة المركزية التي يتمسّكون بها ، والذريعة للدعم الدولي لها ، وخاصة الغربي ، ولذلك لامفرّ من إيجاد حل وسط ، ولوكان مؤقتاً لتصحيح هذا الخلل بما ينسجم مع الديمقراطية التوافقية التي نصّ عليها الدستور ، وبُنيٍت الدولة اللبنانية على أساسها ، حتى لاتتزعزع أسس هذا البنيان الطائفي ، ريثما يتم استبداله وتجاوزه من خلال إقامة نظام ديمقراطي وطني بعيداً عن التقسيمات والحصص الطائفية التي ولّدت ديناميكية للحروب والفتن الداخلية كل حوالي 10- 15 سنة منذ تأسيس لبنان عام 1943 وحتى الآن .

- إنّ المعارضة وقعت في خطأ تكتيكي ، وهو دخولها ساحة الصراع رافعة مطالبها بشروط الحدّ الأدنى ، ممّا ضيّق عليها هامش المناورة  للحصول على الحدّ  المطلوب ، وأجبرها لاحقاُ على رفع سقف هذه المطالب ، غير أنّ هذا الأسلوب وفي ظلّ عدم إمكانية تصعيد الموقف الفعّال والحاسم ، بما فيه اقتحام سراي الحكومة ، كما جرى في بلدان كثيرة ( وخاصة في أوربا الشرقية ) جعل تأثيره أضعف في مجرى الأحداث ، غير أنّ مبادرة الرئيس / الحص/ المرشدة إلى مخرج من الاستعصاء الراهن ، والداعية إلى قيام رئيس الجمهورية بإيجاد الصيغة المناسبة لاعتبار الحكومة بحكم المستقيلة ، وتكليفه بتسيير أمور البلد ، والمساهمة في إحياء وتفعيل المؤسسات الدستورية على طريق إجراء انتخابات برلمانية ورئاسيةمسبقة ، وخلال هذه الفترة  لاتمتلك الحكومةالحق في إقرار مسائل هامّة ، وهذا الطريق يُعتٍبر مخرجاً منطقياً ، ويحافظ على ماء وجه الطرفين المتصارعين ...وتكتسب هذه المبادرة أهميّة بالغة باعتبار / الحص/ منتمياً للطائفة السنيّة ، وشخصية سياسية ووطنية مرموقة ، ومحترمة لبنانياً وعربيّاً ودوليّاً ، ولايطمح بمنصب سياسي بعد أن أعلن اعتزاله عن تحمّل مسؤوليات سياسية ...كما أنّها صادرة باسم " منبر الوحدة الوطنية " ( القوّة الثالثة  ) التي تضم شخصيات وطنية من مختلف الطوائف ...

- برزت مؤخّراً  صورتان أثناء ممارسة العمل السياسي داخل لبنان ، الأولى: اعتمدها فريق حكومة السنيورة ، وهي ترتكز على الشحن الطائفي المذهبي للاستقواء به ، ورفعه في وجه المعارضة ، بهدف لجم اندفاعها ومنعها من استخدام فائض القوّة التي  لديها لحسم الصراع الراهن لصالحها ، وهي قادرة على ذلك إذا أرادت ، ولكنّ هذا الطريق محفوف بالمخاطر الكبيرة التي قد تؤدّي إلى حرب أهلية ذاق الشعب اللبناني مرارتها مدّة 15 سنة ، ولايريدها أن تتكرّر ... وهذا هو سرّ عملية التوازن القائمة الآن ، والتي تُعتٍبر سمّاً بطيئاً ولكنّه قابل للعلاج إذا تمّت معالجته قبل فوات الأوان ، وفي حال الفشل سيؤدّي إلى هلاك لبنان كدولة (لاسمح الله) ، وإعطاء الفرص والتبريرات للتدخلات الخارجية ، ونقله إلى الوصاية الدولية العلنية والمباشرة ، وتقسيمه إلى فيدراليات تتناسب ومقاسات أمراء الحرب من أمثال /جنبلاط وجعجع /... والصورة الثانية : صورةمعارضة من طراز رفيع تنبذ الطائفية والمذهبية ، وتعتمد الطرح الوطني ، وتحاول صهر أطرافها في بوتقة وطنية راسخة ، صالحة لتأسيس لبنان جديد متطوّر ، بعيداً عن أيّة وصاية كانت ... ولكنّ السقف المنشود لمطالب المعارضة لايتعدّى حدود الترقيع حتى الآن ، ولكنّه سيشكّل خطوة هامة على طريق التغيير الوطني الديمقراطي المنشود ،إلاّ إذا تحوّل إلى غاية بحدّ ذاتها ، ولا أظن  أنّ تركيبة قوى المعارضة وتوجهاتها السياسة ضيّقة الأفق إلى هذا الحدّ .

- ظهر فريق الموالاة خلال المعارك السياسية الراهنة مسلوب الإرادة ، وعاجزاً عن اتخاذأيّ قرار سياسي  هام بمعزل عن تعليمات وتوجيهات السفير الأمريكي في بيروت الذي سبّب هو وحلفاؤه وأتباعه الصغار تعطيل كافّة المبادرات السياسية اللبنانية والعربية ، بالرغم من تطبيل الموالاة وتزميرها بإنهاء عصر الوصايات ، ممّا جعل شعارها القائل بالسيادة والاستقلال ليس إلاّ بمثابة ذر الرماد في العيون، وتدجيل على الشعب اللبناني والعالم ....

وبالمقابل فإنّ طبيعة الظروف والقوى المتحالفة أملت على أطراف المعارضة مجتمعة التوجّه نحو المزيد من الاستقلالية في اتخاذ القرارات ، والجرأة في التعبير عن رغباتها الصادقة في التحرّر من أيّة وصاية ، سواء أكانت عربية أم دولية ...

- إنّ عدم وجود قيادة مؤهّلة فعليّاً لقيادة تيّار كبير بحجم " تيّار المستقبل " ،  جعله يبدو وكأنّه تحت وصاية جنبلاط الابن ، ومُختطَفاً من قبل أمراء الحرب أمثال جنبلاط وجعجع ، وتحت وصايتهما ، ومدفوعاً به نحو فتنة مذهبية خطيرة ، ولذلك كم كان لبنان عامة وتيار المستقبل خاصة بحاجة إلى حكمة ورجاحة عقل الشهيد رفيق الحريري ، وكم هي حاجة الحزب التقدمي الاشتراكي في هذه الظروف الدقيقة والخطيرة إلى وطنيّة وبعد نظر الشهيد : كمال جنبلاط ، لإنقاذ هذا الحزب ، وإعادته إلى الخندق الوطني المعهود. ... وعلى كلّ حال نأمل  أن يرفع العقلاء من تيار المستقبل ، والحزب التقدمي الاشتراكي أصواتهم ، وأن لايصمتوا طويلاً على فقدان البوصلة الوطنية ، حفاظاُ على مستقبلهما السياسي ( التيار والحزب) ، والمصلحة الوطنية والقومية ...وتاريخ الجميع.

- إنّ تلاحم المعارضة ، وتنوّع أطرافها سياسيّاً ، وقواسمها السياسية المشتركة يؤهّلها للسير على طريق تشكيل جبهة وطنية ديمقراطية عريضة ، لها أشكالها التنظيمية والسياسية ، وبرامجها المرحلية على طريق الوصول إلى الحكم في أوّل انتخابات قادمة ، وهي مؤهّلة لتحقيق هذا الإنجاز مستقبلاً ، وهنا ، لابدّ لي من الإشارة والتنويه بالتصوّر السياسي للحزب الشيوعي اللبناني حول مستقبل لبنان ، والصالح لأن يكون منهاجاً سياسيّاً لأيّة جبهة مستقبلية .

وأخيراً: فإنّ أيّة تسوية قادمة في لبنان ، وهي قادمة لا محالة ، لن تكون سوى زواج بالإكراه ، ومرحلة انتقالية من الصعب البناء فوقها وفي ظلّها ، وستستمرّ حتى الانتخابات القادمة ،لأنّ الثقة تزعزعت إلى حدّ كبير بين الطرفين المتصارعين ،ولأنّ البعض من فريق الموالاة أصبح أسير ارتباطاته الخارجية، ومن الصعب فكاكها، ولأنّ سلاح المقاومة خط أحمر لايمكن تجاوزه من قبل الوطنيين الشرفاء ، وبالرغم من قتامة اللحظة الراهنة ،إلاّ أنّ شيئاً جديداً قاًبلاً للنماء والتطوّر يُولَد في لبنان عربيّ مقاوم  مهما عتا الطغاة ، وتآمر المتآمرون ...

 

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة