|
جاء
إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين، في لحظة صعبة وحرجة تعصف بالعراق
المحتل
بشكل
خاص، وبالمشرق العربي بشكل عام. وتزامن مع مراجعة مزعومة للسياسة الأميركية
في
العراق والبدء بتنفيذ «إستراتيجية أميركية جديدة» فيه. ويبدو أن
الإستراتيجيات
الأميركية لا تحمل معها سوى التقويض والتهدم والخراب حين يتعلق الأمر
بالبلدان
والقضايا العربية. وقد اختار من أمَرَ بتنفيذ حكم الإعدام لحظة صعبة
واستفزازية،
واعتبرها «بداية مرحلة جديدة»، و«مقدمة لخطة أمنية ـ سياسية للتهدئة
والمصالحة»،
لكنه
لم يأبه لاحتمال انفلات الأمور على مداها في بلد يسود فيه نهج الانتقام
وتصفية
الحسابات ومحاولات إلغاء الآخر، وتسيطر عليه حالة نفور وتدهور أمني وفرز
مذهبي
وطائفي غير مسبوق. وبالتالي كيف سيتم تحقيق شيء من التقارب والمصالحة
والوضع
العراقي يغرق أكثر فأكثر في بحر القطيعة والمواجهة، ويعيش وضعاً أسوأ بكثير
من
الوضع الذي كان سائداً إبان فترة حكم صدام حسين، حسبما جاء على لسان «كوفي
أنان»،
الأمين العام السابق للامم المتحدة؟
لسنا
في وارد الدفاع عن صدام حسين، وليس
مهماً مصيره كشخص، لأن المهم هو العراق. أرضه وناسه ووحدته. لكن من حاَكَم
صدام ليس
أفضل
منه، بل لقد ارتكب «عراقيو الاحتلال» فظاعات تضاهي فظاعات صدام ونظامه
الديكتاتوري. وكان المأمول أن تجري محاكمته من طرف ممثلين حقيقيين للشعب
العراقي،
وفي
فضاء دولة القانون والديموقراطية، لا في ظل عصابات طائفية وميلشياوية،
تمارس
على
أرض العراق ما هو أسوأ من ممارسات نظام صدام الذي ولى إلى غير رجعة.
والخوف
هو
أن يرفع إعدام صدام من وتيرة الحرب الطائفية والمذهبية، وأن يفضي إلى مزيد
من
التصدع في العلاقات الأهلية في العراق وفي دول الجوار، خاصة وأن منطقة
المشرق
العربي تعيش حالة أشبه بانعدام الوزن، في العراق وفي فلسطين وفي لبنان،
وتتأرجح ما
بين
الالتهاب والغليان والاشتعال، حيث تستعر فيها الأجواء التصعيدية والمفخخة،
وتمرّ بمرحلة حساسة مفتوحة على جميع الاحتمالات. لكن اللافت، والمفارق في
الأمر، هو
أن
ترحب كل من إسرائيل التي اعتبرت اعدامه «إحقاقاً للحق» وإيران التي اعتبرته
تحقيقا «للإرادة الإلهية»، إضافة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، ويبدو أن
خراب
العراق ليس من مصلحة قوى الاحتلال فقط. فيما استنكرته أغلب حكومات دول
العالم،
وصمتت عنه الأنظمة العربية باستثناء ليبيا، واكتفت بعض وزاراتها الخارجية
ووسائل
إعلامها بالإعراب عن أسفها للتوقيت الذي استفزّ مشاعر العرب والمسلمين.
لا
شك
في
أن أهداف الإعدام كثيرة. وعلى المستوى الأميركي، تريد الإدارة الأميركية
تمرير
زيادة عدد القوت الأميركية في العراق، والانقلاب على توصيات لجنة بيكر ـ
هاملتون،
والإمعان بالاستمرار في نهج التفتيت والفوضى. وهي تدرك تماماً ماذا تفعل،
وتعرف
جيداً الحال الذي سيكون عليه العراق بعد تنفيذ حكم الإعدام، وخاصة أنها
نجحت بشكل
كبير
في خلخلة الأمن الأهلي وأمن المواطن العراقي، وأججت الأحقاد الدفينة، ولعبت
على
سياسة الثأر وكره الآخر، وشجعت أعمال الإرهاب والسيارات المفخخة، وخطف
الأبرياء
وقطع
وتعليب الرؤوس في الصناديق، واغتيال العلماء والكوادر العلمية والتقنية،
وحرق
المعاهد ونهب المكتبات والمتاحف والثروات، ورعت سياسة التهجير والفرز
الطائفي، حتى
وصل
العراق إلى درجة غير مسبوقة من التأزم والمواجهة في علاقاته الأهلية
والمدنية.
واستخدمت الإدارة الأميركية كل الأوراق كي يصل العراق إلى درجة الصفر وما
دونها.
ويدرك المتعاونون مع الإدارة الأميركية في الحكومة العراقية أو «عراقيو
الاحتلال»، أصحاب العقلية الثأرية والانتقامية، مآل الأمور في العراق بعد
الإعدام،
وأنهم يرسون بتصرفاتهم قواعد الكراهية والانقسام في بلد عانى كثيراً من
تسلّط حكم
ديكتاتوري أثّر عميقاً على جميع العراقيين. وقد اغتنموا فرصة وصولهم إلى
الحكم كي
ينفذوا أجندات خارجية على حساب بلدهم، وكي ينتقموا من أصحاب الفريق الذي
ينتمي إليه
صدام، فشكّلوا «فرق الموت»، واغتالوا الأبرياء على الهوية، وحولوا العراق
بممارساتهم وممارسات المجموعات الإرهابية إلى مصيدة أو ساحة موت.
ليس
من أهداف
الإدارة الأميركية والعراقيين المتعاونين معها، في داخل الحكومة وخارجها،
تحقيق
العدالة، أو رفع الظلم الذي وقع على الشعب العراقي، فالعدالة بعيدة كل
البعد عن
تفكير وممارسات حكام البيت الأبيض وبغداد. وتشي الأوضاع الخطيرة في العراق،
بعد
مرور
ما يقارب الأربعة سنوات على الاحتلال، بأن التفكيك والتمزيق والفوضى وإعادة
الفرز بلغت درجة قصوى. درجة صار معها البلد قابلاً للتقسيم إلى دويلات،
والخوف هو
أن
تصل الأمور إلى الحدّ الذي يبدو معها التقسيم والتفتيت حلاً يوقف نهر
الدماء.
ومن
وقعوا وسارعوا إلى تنفيذ حكم إعدام صدام يدركون بأنهم يسيرون في طريق تصدع
العراق من خلال ترك الانفعالات الطائفية والمذهبية تفعل فعلها القاتل،
وتفضي إلى
حركات ارتدادية وإرهاصات تهدد ما تبقى من وحدة العراق، أرضاً وشعباً.
إن
كل
المؤشرات تنطــوي على رسائل تحمل على الخوف الشــديد على العراق
والعراقيين، حيال
ما
هو آت من الأحــداث والوقــائع المقبلة، الأمر الذي يبعــث على مضاعفــة
مسؤولية
القوى الحيّة في العــراق، وخــصوصاً الغـالبية الصامتة فيه، كي تقوم بما
هو واجب
عليها عبر الوقوف في وجه مخططات الإدارة الأميركية وعراقيي الاحتلال،
والتحرك في
الاتجاه الذي يقطع مع الانجرار نحو المزيد من الانفلات والاقتتال، والعمل
على منع
الانهيار المتسارع في الأوضاع، لأن المهم هو الحفاظ على وحدة العراق وسلامة
ناسه.
وهي
مهمة كبيرة. مهمة جميع العراقيين الغيورين على بلدهم وشعبهم، مع أنها مهمة
عسيرة في هذه الأيام.
(٭)
كاتب سوري
.
|