عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

حسين العودات

أزمات أنظمة لا أزمات دستورية

 

2007-01-01

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

تردد المعارضة اللبنانية صباح مساء بأن الأكثرية خالفت الدستور، وبالتالي فالحكومة ليست دستورية وفاقدة الشرعية، ومن طرف آخر تؤكد الحكومة دستوريتها وترد الصاع صاعين بأن استمرار رئيس الجمهورية غير دستوري لأن التمديد له كان بالإكراه، ويتكرر الأمر نفسه في فلسطين حول دستورية الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي دعا إليها الرئيس محمود عباس فلكل من حماس

وفتح وجهة نظرها المتناقضة مع الأخرى في هذا المجال، وتقع ثالثة الأثافي في بغداد حيث ترى فئات عديدة عدم دستورية الدستور نفسه باعتباره أقر تحت سلطة الاحتلال وبناء على رغبة المحتل وشروطه وتنادي بدستور جديد مختلف يأخذ في اعتباره مصالح الفئات العراقية السياسية والاجتماعية (والاثنية والطائفية) كلها.

وهكذا وجدت الشعوب العربية أنفسها فجأة أمام أحزاب وحكومات تتمسك بالدستور وتحتكم إليه، وهي لم تعهد لا حاليا ولا قبلاً مثل هذا الاحترام للدستور والتمسك به ولم تتذكر في تاريخها المعاصر أكثر من انتهاكات الدستور ومواده وأوامره وعلى رأسها عدم احترام الحكومات والسلطات القائمة للحريات العامة والديمقراطية وحقوق الإنسان وفصل السلطات وغيرها التي وردت بجميع الدساتير العربية.

 وعلى أية حال فإن الحديث حول دستورية هذا القرار أو ذاك وتذكر الأحزاب بعض النظم العربية دساتيرهم هي ظاهرة صحية نرجو أن تقود بعض حكوماتنا لاحترام دساتيرنا حقاً وصدقاً ويصبح الدستور هو العامل الحاسم في تسيير أمور البلاد والعباد. لكن يبدو لي أن الأمر ليس خلافاً دستورياً لأن الأزمات التي نشهدها من أولها إلى آخرها

هي أزمات أنظمة سياسية قبل كل شيء، والصراعات هي صراعات على مواقف من الأنظمة نفسها وسياساتها وتسعى لإقامة أنظمة مختلفة عما هو قائم وتبني سياسات أخرى وما الاحتجاج بالدستور سوى مبرر لرغبات مخفية ونوايا مستورة ومؤثرات يصعب الإفصاح عنها.

ففي لبنان لم يعد النظام السياسي القائم يستطيع استيعاب التطورات الداخلية التي حدثت في هذا البلد التي ضبطها ميثاق «1943»، فلا المحاصصة الطائفية في المؤسسات السياسية ومؤسسات إدارة الدولة الأخرى بقادرة على احتواء المستجدات والتغيرات التي حصلت ولا مفاهيم العصر تقبل بمثل هذا النظام القائم على توافق الطوائف وإهمال مرجعية المواطنة،

وقد حاول اتفاق الطائف بعد حرب أهلية ضروس إعادة النظر بجوانب عديدة من النظام السياسي ومن ميثاق 1943 إلا أن مقرراته لم تجد طريقها للتنفيذ لأن أمراء الطوائف في لبنان لا يريدونها باعتبارها تضر بمصالحهم وتبدد امتيازاتهم، كما أن المناخ السياسي الداخلي والإقليمي والدولي غير موات للإصلاح مما أتاح إصرار الإقطاع السياسي على استمرار هذا النظام، ولذلك تفاقم صراع المحاور الخارجية على أرض لبنان

وغدت التيارات السياسية (والطائفية أيضاً) تعبر عن هذا الصراع وتطمح بأن يعيد لها امتيازات خسرتها أو أخرى تتمناها، وأخذ الجميع يتعكزون على تأويلهم للدستور أو فهمهم له ويحاولون التعمية على الصراع الحقيقي وهو صراع الآخرين في لبنان الذي يلاقي استجابة بسبب خلل في بنية النظام السياسي وقدمه وفشله،

 ولعل كل ما يطرح من دستورية الحكومة والرئيس واتفاق المحكمة الدولية وغيرها ماهي إلا تعبيرات عن أزمة النظام السياسي اللبناني الذي مهد الطريق لصراع المحاور الخارجية، وفي الحالات كلها ينبغي رؤية الأزمة على أنها ليست أزمة دستورية كما يصر البعض على تسميتها، ويبدو أن أي حل سيكون حلاً مؤقتاً إذا استمر هذا النظام المأزوم.

 وفي فلسطين أيضاً ليست الأزمة أزمة دستورية وإنما هي أزمة تتمحور حول أي نظام نريد وأية دولة نقبل بها وأي صلح نوافق عليه، وماهو مضمون هذه الدولة المقبلة وشكل نظامها السياسي والاجتماعي وعلاقاتها العربية والدولية، وقد ارتبطت وربما اختلطت مصالح التيارات السياسية الفلسطينية والقوى الرئيسية القائمة الآن مع نوع الحل المحتمل والنظام السياسي الذي سينشأ عنه، وأخذ كل فريق لا ينظر فقط إلى مصالح الناس بل أيضاً إلى مصالحه هو ومصالح منتسبيه الحالية والمقبلة،

لكن جميع الأطراف لا تعترف بأنها تلهث وراء مصالحها بالدرجة الأولى وتزعم أن المصالح القومية والوطنية هي شغلها الشاغل وتخفي أهدافها الخاصة، وعلى ذلك فإن الخلافات حول تأويل الدستور «أو القانون الأساسي» وتفسيره إنما هي مبررات تخفي تحت خيمتها المواقف الحقيقية من الصلح والاعتراف ومضمون الدولة بعد إقامتها، واتاح هذا أيضاً ـ كما هو الحال في لبنان ـ دوراً لصراع المحاور الإقليمية والدولية في فلسطين،

ولم ينفع الفلسطينيون تكرار شعارهم الأثير إلى قلوبهم وهو تمسكهم (بالقرار الفلسطيني المستقل) وتراهم الآن يأخذون باعتبارهم موقف الدول العربية وغير العربية بعين الاعتبار، وكل عينه على خارج الحدود ويجد المبررات الكافية لتبرير ذلك. وفي الحالات كلها فالقضية ليست قضية دستورية بل هي شيء آخر يقع في مواضع أخرى، والأزمة بدورها أزمة نظام وليست أزمة دستورية.

أما في العراق فقد أعد الدستور على عجل وبضغط من المحتل واستفتي الشعب عليه ولكن ما من أحد يتذكره، فهو مليء بالخلل الذي اكتشف بعد يوم من إقراره وقيل باستحالة تعديله مجدداً احتراماً للمدد الزمنية التي حددت قبل ذلك، ورغم اعتراف الفئات السياسية جميعها بوجود خلل في الدستور ونواقص تجاه بعض الفئات وإغداق الامتيازات على فئات أخرى، فإننا نشهد اليوم محاولة عقد مؤتمرات للمصالحة، واتصالات ثنائية،

 ومشاريع ومشاريع مضادة من الجميع، وقبول ورفض، ولايذكرنا أحد بالدستور إلا عندما تتضرر مصالحه، فينتفض منادياً باحترام الدستور الذي أُقر من ملايين العراقيين، ومن البديهي القول إنه حتى لو كان الدستور متوازناً فإنه لن يؤدي إلى حل مشاكل العراق خاصة المشاكل الناجمة عن الاحتلال واختلال الأمن وتفشي الفساد وانهيار الدولة والتنكر لمرجعية المواطنة كمرجعية وحيدة وغيرها،

فالأزمة تقع في النظام والممارسات ولاتقع في الدستور الذي يتشبث به البعض وهكذا فهي هنا أيضاً أزمة نظام وليست أزمة دستورية.ينبغي أن لا يتم اللجوء إلى الدستور انتقائياً وجعله مبرراً لما لا يبرر على حساب مصالح الناس وتناسي خلل النظام السياسي القائم وهناته وهذه كلها لا تقع في إطار احترام الدستور بل في إطار الإضرار بالمصلحة الوطنية

عودة إلى الصفحة الرئيسة

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة