عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة

أسامة المصري

  ثقافة..ولكن....!

 

مقالات أخرى للكاتب

2006-12-24

خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية

    تشهد المجتمعات العربية في العقود الأخيرة شكلاً من أشكال التفتت المجتمعي، وظهور التعصب الديني والطائفي والمذهبي بالإضافة للأصولية الإسلامية التي تغذي هذا التعصب وتدفع بهذه المجتمعات نحو الكارثة المحتمة، دون أي فعل إيجابي من قبل السلطات الحاكمة لوقف هذا التدهور الخطير الذي سيؤسس لمرحلة جديدة من الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية. والتي تنذر بتفتت الدول الوطنية التي تأسست بعد التحرر من الاستعمار.

بعد الحرب العالمية الثانية وحصول معظم الدول العربية على الاستقلال، تشكل في هذه الدول شكلين من النظم السياسية، الأول هو أنظمة محافظة في معظمها ملكية، حكمت من خلال الإتكاء على المؤسسات الدينية والقبلية والعشائرية والعائلية، والثاني كان أنظمة جمهورية حاولت أن تؤسس أنظمة حكم علمانية بتأسيس دول حديثة مستنسخة أنظمة على الطريقة السوفيتية في طريقة الحكم وتغييب الشارع بشكل كامل من خلال حكم الحزب الواحد الذي يمتلك الحقيقة ويقود الجماهير نحو الفردوس الموعود، مع شعارات قومية ووطنية براقة دغدغت مشاعر قطاعات واسعة من شعوبها.

إن عقود من حكم الدكتاتوريات بشكليها الملكي والجمهوري وغياب الديموقراطية والرأي الآخر عن ساحة العمل السياسي و الفكري والثقافي، وغياب أي نشاط لمؤسسات المجتمع المدني والأهلي،وهيمنة أجهزة الدولة المتسلطة على كافة مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بالإضافة للتعليم في كافة مراحله، وتعميم النموذج الأوحد في كافة مجالات النشاط الإنساني،كان لا بد له من أن يوسع الهوة بين هذه السلطات وبين شعوبها وفي مقدمهم الفئات المثقفة التي أصبحت عاجزة عن تقديم أي عون لمواطنيها بسبب قمع هذه السلطات لكل أوجه النشاطات الفكرية والثقافية  

إن شكل التعامل مع الشعوب في كلا النظامين السياسيين على أساس مفهوم الرعية والراعي أو العاهل إن كان ملكاً أو رئيساً إنما هو مؤسس على مفاهيم نابعة من ثقافة بدوية ودينية. وهناك الكثير من الأقوال المأثورة التي تلح على هذه القيم وتكرس مبدأ الطاعة لأولي الأمر، حيث ساهم رجال الدين في كلا النظامين السياسيين في تكريس الطاعة من قبل الشعوب وبنفس الوقت تكريس الاستبداد من قبل الأنظمة الحاكمة، حيث مازلنا نسمع يومياً مثل هذه الدعوات بطرق وأساليب مختلفة، وهذا ما يؤكد أن النخب السياسية الحاكمة لم تستوعب ثقافة الحرية الفردية وثقافة المؤسسات وثقافة الديموقراطية، بل مازالت تنهل من معين ثقافة الأجداد القبلية والدينية، في الولاية والوصاية.

بعد الاستقلال وفي العديد من الدول العربية تشكلت نخب ثقافية وسياسية متأثرة بالفكر الغربي وحاولت بناء ديموقراطيات أو شكل من أشكال الحكم الديموقراطي التعددي في بلدانها إلا أن الانقلابات العسكرية المشبوهة وغير المشبوهة أزاحت هذه النخب نهائياً عن الساحة الفكرية والسياسية والثقافية. واتهمت بالعمالة للاستعمار أو للغرب وقد نجحت هذه القوى بسحب البساط من تحت أٌقدام هذه النخب، لسببين أولهما تسلمها السلطة وسيطرتها على مقاليدها بالكامل وخاصة الجيش وأجهزة الأمن و وسائل الإعلام، والثاني الشعارات الوطنية والقومية البراقة في تحرير فلسطين، وتحقيق الوحدة العربية ( الحلم الكبير بالنسبة للشارع العربي الذي لم يكن يرق بعد إلى مستوى من الوعي السياسي للتميز بين ما يطرح وإمكانية تحقيقه فعلياً وبين رغبات أو أوهام وأحلام قادة وطنيين وقوميين ربما كان لديهم نوايا حسنة وإمكانات متواضعة في الحكم وفي القدرة على تحقيق أهداف كبيرة، إضافة إلى الطبيعة العاطفية لهذه الشعوب التي يسهل قيادتها ).

في حين أن تشكل قوى يسارية جديدة كان محكوم عليه بالفشل في مستوى وعي ثقافي و سياسي متواضع على الرغم من وجود أحزاب اشتراكية وشيوعية على امتداد الساحة العربية، لكن التصاق بعض من هذه الأحزاب بالسلطات الحاكمة نتيجة التأثير السوفيتي وكذلك بسبب الحضور القوي للمسألة الوطنية والقومية، أفقدها صدقيتها التي كانت أصلاً مشكوك فيها، أما ما سمي باليسار الجديد فقد كان القمع كفيل بإنهاء مثل هذه الحركات سواء كانت أحزاب أو تجمعات سياسية، وبقي من استمر منها جزراً معزولة عن المجتمع وتأثيرها انحصر في قطاعات الطلبة وقطاعات أخرى ليست بالفاعلة مجتمعيا وسياسيا.

في عقد التسعينات من القرن الماضي إثر انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية حاولت بعض الدول العربية السير في ركب التغيير وفتحت نافذة لمثقفيها وسياسييها المعتدلين الذين لا يشكلون خطراً عليهم ( كالإخوان المسلمين في كل من مصر والأردن )، لكن دون تغيير جذري في ثقافة الاستبداد والتوريث الغير شرعي للحكم ودون التخلي عن الثقافة السياسية لهذه السلطات. واستمرار هذه السلطات في التهب والفساد الذي أنهك المواطن وأفقده أي أمل في الخلاص و في عيش حر وكريم، وهذا ما عمق في الشرخ بين هذه السلطات و بين مجتمعاتها التي بدأت بمرحلة جديدة من التصدي للسلطات الحاكمة وفي أشكال للتعبير عن الذات من خلال العودة للأصولية الدينية والطائفية والعشائرية.

لقد أدى القمع المعمم إلى غياب شبه كامل للمثقف الحر أو المثقف الذي يحمل رأياً مختلفاً أو مخالفاً لرأي السلطات الحاكمة على امتداد الساحة العربية ، وكان للاعتقال والسجن دوراً مهماً، إضافة للهجرة القسرية إلى بلدان الاغتراب في إفراغ الساحة العربية من ممثلي الرأي الآخر، وهيمنت السلطات هيمنة كاملة على كافة وسائل الاتصال الجماهيري، في الوقت نفسه ولأسباب مختلفة وفي دول عربية عدة أفسحت السلطات الحاكمة  المجال واسعاً أمام رجال الدين على اختلاف أرائهم ومنطلقاتهم الدينية، وكذلك للقوى العشائرية والطائفية،  لتنشط حرة في هذه المجتمعات، واستبيحت هذه المجتمعات مرتين،الأولى كانت من قبل السلطات الحاكمة، حيث تدخلت في أصغر التفصيل الحياتية للإنسان العربي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي إضافة للعملية التربوية والتعليمية والثقافية وأفرغت هذه المؤسسات من محتواها الحضاري والقيمي، وقضت على كل المؤسسات المدنية من أحزاب ونقابات وجمعيات، لتترك أجيالاً كاملة دون أية حصانة في مواجهة القوى الظلامية، والثانية تسليم هذه الأجيال لقمة سهلة إلى رجال دين ذوي ارتباطات مشبوهة أو رجال دين جهلة تربوا في زوايا فكرية ضيقة ومحدودة الأفق فكرياً وثقافياً إن كان على المستوى الديني أو المدني.

لم تكرس وعلى امتداد الساحة العربية أصلاً ثقافة الرأي الآخر أو ثقافة الاختلاف،ما عدا فترات قصيرة لعبت فيها الصحافة دوراً مهماً في الحوار بين الآراء المختلفة، لكن مصادرة الصحافة من قبل الأنظمة الديكتاتورية الملكية والجمهورية ألغى أي فسحة للحوار مهما كانت صغيرة أو محدودة.  وعلى الرغم من محاولات ما سمي بعصر النهضة على يد رجال الحركة الفكرية و الثقافية  في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، الذين درسوا في جامعات أوروبا وتأثروا بأفكار الثورة الفرنسية وفلاسفة عصر التنوير، بالرغم من أنهم استطاعوا تحقيق الكثير في ذلك العصر على الصعيد الثقافي وعلى صعيد تحرر المرأة .

لم تكن الوحدة الوطنية التي تجلت في زمن الاستعمار مبنية على أسس ديموقراطية ووطنية، بل كانت مؤسسة على مفاهيم تقليدية في الدفاع عن الأرض والعرض والشرف، ( بل حتى المفاهيم الوطنية لم تكن قد نضجت بعد وربما لم تنضج إلى الآن لدى بعض القطاعات الشعبية والحزبية ) مرتدية في الكثير من الأحيان الرداء الديني، وما أن حصل الاستقلال حتى بدأت هذه الوحدة الوطنية بالتفكك ، لأسباب لسنا بصددها الآن.

إن واقع المجتمعات العربية الآن واقع قد نستطيع وصفه بأنه ما قبل مجتمعي فغياب كل ما هو مؤسسي عن هذه المجتمعات جعلها أقرب لأن تكون تجمعات بشرية متماسكة حول مفاهيم ما قبل مجتمعية كالدين والطائفة أو المذهب أو العرق( لدى تجمعات الأقليات القومية التي تعيش ضمن الحدود الدول العربية ) وقد تراجع دور الأحزاب السياسية إلى حدوده الدنيا إن لم نقل قد غاب عن ساحة التأثير السياسي أو الفكري، بعد خلو الساحة الفكرية والسياسية من المثقفين والمفكرين، لتفرغ هذه الساحات لرجال الدين على اختلاف انتماءاتهم الدينية، وهؤلاء يمارسون نشاطاتهم التبشيرية والدعوية من خلال استخدامهم الخطاب الديني التكفيري وإلغاء الآخر ولا وجود لثقافة الحوار في المجتمعات العربية الآن، وهناك مثال العراق الذي تسود فيه اليوم ثقافة الإلغاء  ولغة الرصاص،على الرغم مما عاناه الشعب العراقي أثناء حكم صدام حسين، ويخشى من امتداد هذه الثقافة إلى بلدن عربية أخرى على ضوء ما نرى اليوم في لبنان من احتكام إلى شارع معبأ طائفياً، حيث يمكن التخوف إلى حد بعيد في حال استمرت الأزمة الحالية من وقوع لبنان مرة أخرى في حرب أهلية قد تمتد لهيبها إلى ساحات أخرى ( فقد سمعنا تصريحات ومن مسئولين عرب كبار تنذر بتدخلات دول إلى جانب فئة ضد أخرى ). 

لقد دفع التعصب الديني ولغة التعبئة الطائفية في المجتمعات العربية الكثير من العلمانيين إلى التحدث بنفس اللغة طالما أن الشارع العربي لم يعد يميز إلا بين الفئات الطائفية والدينية، فقد غابت الخلافات السياسية لغياب الأحزاب والقوى السياسية عن ساحة العمل الوطني، ولم يعد من هم وطني لدى أغلبية قطاعات الشعب في واقع الفقر والتخلف والجهل والأمية والبطالة.وتجد هذه الأغلبية في  الدين والطائفة والعشيرة والعائلة الملاذ الآمن،  وهذا ما يبدد الأمل في مخارج وحلول سياسية للأزمات الوطنية ( هذا إذا أغفلنا دور العامل الخارجي في أي صراع محتمل). وعلى الرغم من أن هناك قطيعة كاملة بين الأنظمة العربية وشعوبها منذ عقود لكن لم يترك القمع المعمم أي قوى سياسية أو فكرية فاعلة لا للتتحاور أو لتختلف، وما تبقى من قوى سياسية في العالم العربي أصبحت منجرفة في سيل التيار الديني الطائفي، ولا أستبعد أن تنغمس بعض هذه القوى في الصراعات المذهبية والدينية المحتملة مستقبلاً، ومرة أخرى نجد العراق مثالاً على ذلك، فالقوى السياسية على الرغم من وجودها شكلياً في العراق إلا أنها مؤسسة على أسس طائفية ودينية وهي أسيرة الخطاب الديني أما القوى العلمانية فهي قوى صغيرة منعزلة وعاجزة عن الفعل أو التأثير السياسي أو المجتمعي عداك عن الفكري في واقع يموج بالتيارات الدينية ولا يسمع إلا خطابها وتستغل أماكن العبادة ربما على مدار الساعة للتعبئة الدينية والطائفية، وتلعب وسائل الإعلام دوراً مهماً في الترويج للفكر الديني والسلفي وثقافة التكفير والإلغاء في عصر الفضائيات التي تسطر عليها دول أو تمول من قبل الشركات الكبيرة وأصحاب رؤوس الأموال.

للأسف إن وسائل الإعلام العربية لا تلعب أي دور باتجاه نشر ثقافة الحوار وتلعب  القنوات  الفضائية العربية دوراً سيئاً على هذا الصعيد وتساهم معظم وسائل الإعلام العربية في المزيد من للشحن الديني والطائفي والمذهبي، وتلعب دورً خطراً في تقوية المشاعر الدينية والطائفية المتطرفة، فعلى سبيل المثال إحدى المحطات الفضائية تبث وعلى مدار الساعة أنباء وصور القتل والعنف في العراق وتصريحات لرجال هذه الفئة الدينية أو تلك، وكأنه لا يوجد في كل العراق سوى هؤلاء الأشخاص المعممين.

ولأن ثقافة الحوار غائبة عن الساحة والفكرية والسياسية فهي بالتأكيد غائبة عن وسائل الإعلام العربية إلا ما ندر،وبالتالي غياب شبه كامل  لثقافة الحوار، ونرى الحوار في أسوأ أشكاله كما تظهره بعض الفضائيات العربية التي يظهر فيها  المتحاورين كملاكمين كل منهما يسعى ليكيل للآخر مزيداً من الضربات القاضية، وعلى الرغم من أهمية شبكة الإنترنت على المستوى العالمي إلا أن الجهل والفقر في المجتمعات العربية لا يجعلها وسيلة إعلامية جماهيرية، وحدها الفئة المثقفة هي من تتواصل مع هذه الشبكة ومواقعها وبالتالي أرى أن موقع الحوار المتمدن على الرغم من أهمية وجوده عبر هذه السنوات كمنبر للحوار وتبادل الآراء والأفكار بين مثقفين ويفسح المجال أمام الكثيرين ليعبروا عن أرائهم  مهما اختلفت مرجعياتهم الفكرية والأيديولوجية،إلا أنه ليس وسيلة اتصال جماهيرية.

أخيراً هذه مرحلة ربما تكون الأسوأ في التاريخ العربي وقد لا يكتب لهذه الأمة       نهضة أخرى، بكى أجدادنا ضياع الأندلس ونحن  سنبكي على ضياع أندلسات أخرى بين خليجنا ومحيطنا هذه المرة!

يبقى الحوار المتمدن المنبر الذي يحاصر ويحجب بين الحين والآخر في أكثر من مكان من هذا العالم الآفل بقياداته التاريخية، فقد قدم الكثير ويفسح المجال لثقافة حرة وديموقراطية لأناس لا منبر لهم وربما لا مكان لهم في هذا العالم،الذي قد لا نسمع فيه بعد سنوات أخرى سوى لغة واحدة هي لغة القتل وثقافة القتل، هو محاولة جادة في تقديم قيم ومفاهيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان في عصر الظلام هذا، فلنعمل جميعاً من أجل ذلك.

 

الصفحة الرئيسة

 

 

عن المركز

مقالات من الصحف

مقالات خاصة بالمركز

دراسات

تقارير

ملفات

حورات

بيانات

مجلة مقاربات

الأرشيف

الصفحة الرئيسة