اخيراً حصل ما كان مرتقبا منذ عام مضى. حيث تم افتتاح
السفارتين السورية والعراقية في دمشق وبغداد، فيما يستعد البلدان لتعيين
سفير لكل منهما في عاصمة الآخر، وصار خط دمشق ـ بغداد وبالعكس مفتوحاً على
رجال السياسة من الجانبين بعد أكثر من ربع قرن مضى على قطيعة بين بلدين
جارين وشقيقين، حكمها لعقود حزب له ايدلوجية واحدة، وقيادة كانت واحدة في
مرحلة من مراحل حياة حزب البعث العربي الاشتراكي قبل أن تدخله الصراعات،
وتهزه الانقسامات.
وعملية افتتاح السفارتين، كانت الثمـرة الاساسية
للزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم الشهر الماضــي الى
بغـداد بناء على دعوة عراقية، وأجرى في خـلالها محادثات تناولـت العلاقــات
الســورية ـ العراقية إضـافة الى الاوضاع الاقليمية، وقد صاحب تلك الزيارة
تصريحات وتطمينات، بأن العلاقات السورية ـ العراقية ستوضع على سكة تطور غير
مسبوق. غير انه بعد عودة المعلم بقليل، تجددت ادعاءات عراقية حول وجود أحد
قادة جماعات العنف المسلح العراقي في سوريا، وأضيف الى ذلك اتهام آخر
بالقول إن أكثرية المقاتلين العرب يأتون من سوريا، وأغلب الانتحاريين يمرون
عبر مطار دمشق الى العراق للقيام بعمليات مسلحة هناك، وهو ما كررت مصادر
متعددة في دمشق نفيه.
ويؤشر تجديد الاتهامات العراقية لسوريا الى استمرار
التوتر في العلاقات السورية ـ العراقية عند مستوى معين رغم زيارة المعلم
وما صاحبها من تقديرات وطموحات، ظهرت على جانبي الحدود، وهو أمر طبيعي،
بفعل اختلاف السياسات السورية والعراقية، واختلاف «اجندات» الطرفين في
النظر الى علاقة كل منهما بالآخر.
ففي الوقت الذي تتبع ســوريا سياسة لا تتفق مع
السياسة الاميركــية، وتــعارض وجودها في العراق. فإن الحكومة العراقية،
تــتوافق مع سياسة واشنطن في المنطقة، وتدعو الى استمرار وجودها بما فيه
العسكري في العراق.
وفيما تسعى دمشق الى جعل العراق بمثابــة حديقـة
خلفية لها في المستويين السياسي والاقتصادي، فإن بغداد تعمل على كسب تأييد
دمشق ومساعدتها في إنضاج معالجات أمنية وسياسية للوضع في العراق في إطار
تعاون دول الجوار العراقي لوقف العنف الدائر في العراق وتطوير العملية
السياسية وصولاً الى استقرار العراق، والامر في الحالتين تعبير واضح عن
التمايز والافتراق في السياسات و«الاجندات» السورية ـ العراقية.
ويطرح واقع العلاقات على ما فيه من تمايز وافتراق
احتمالات مستقبل علاقات الجانبين، خاصة في ظل التأثير الذي تمارسه الولايات
المتحدة الاميركية على العراق وعلاقاته مع سوريا، خاصة أن واشنطن ما زالت
تمتنع عن فتح خطوط تفاهم سياسي مع سوريا في أي من الموضوعات الاقليمية بما
فيها العراق، يضاف الى ما سبق ضعف حجم ومستوى التأثير السوري في الواقع
العراقي، خاصة بعد تراجع علاقات دمشق مع القوى والجماعات السياسة العراقية
التي كانت قريبة منها في السابق سواء بسبب انكفاء تلك القوى عن العلاقة كما
هو حال الجماعات الكردية أو نتيجة تغيير قوى اخرى خياراتها على نحو ما فعلت
القوى الشيعية وأبرزها المجلس الاعلى للثورة الاسلامية.
وبفعل هذين العاملين، وما لم يحدث تطور دراماتيكي
فيهما أو في أحدهما، فإن من غير المنتظر، أن يتغير واقع العلاقات السورية ـ
العراقية في جانبها السياسي بصورة جوهرية، لكن مع وجود سفارة وسفير في
العاصمتين، يمكن التخفيف من تردي العلاقات، واحتواء بعض تأزماتها، والعمل
على تطوير بعض جوانب العلاقات ولا سيما في التبادل الجانب الاقتصادي.
ويمكن وصف العلاقات الاقتصادية بين البلدين بأنها
جيدة رغم الاختلافات السياسية. حيث ان هناك توافقات كثيرة في هذا الجانب من
العلاقات الاقتصادية والتجارية، ولسوريا مصلحة مؤكدة في حضور قوي وفعال في
السوق العراقية، ليس فقط من أجل تصريف منتجاتها التي تواجه ظروفاً صعبة في
التصدير، بل من أجل تسويق خدماتها للعراقيين في المستويين الرسمي وفي مستوى
فعاليات القطاع الخاص، والامر الاساسي في ذلك هو استخدام الموانئ السورية
لاستقبال البضائع القادمة للعراق، وهي خدمات أسرع وأقل تكلفة من مثيلاتها
في ميناء العقبة الاردني، الامر الذي يعتبر مصلحة عراقية، تضاف الى مصلحة
اخرى، وهي تأمين بضائع للاستهلاك في السوق العراقية بأسعار ومواصفات تتوافق
مع حاجات وقدرات السوق العراقية، وهناك نقطة اخرى في هذا الجانب من
العلاقات السورية ـ العراقية، وهي تحول سوريا الى ملاذ آمن للعراقيين
الهاربين من دمارات الحرب وعمليات القتل العشوائي، ويقيم في سوريا حاليا ما
يقدر بأكثر من نصف مليون عراقي، قسم منهم حمل مدخراته ليستثمرها في قطاعات
من الاقتصاد السوري ولا سيما الخدمات والعقارات.
لقد استطاع السـوريون والعراقيون وبرغم اختلاف
السياسات وتناقضها في أواخر التسعينيات، أن يقيموا علاقات اقتصادية وتجارية
مهمة، لبت احتياجات الطرفين في حينها، وهو أمر يتماثل مع ما هو قائم حالياً
رغم الفوارق بين المرحلتين، الامر الذي كرس عملية فصل ـ ولو بسوية معينة ـ
ما بين السياسي والاقتصادي في علاقات البلدين، لكن ذلك لا يمكن اعتباره
نهجاً مستقراً، كما لا يمكن الركون له مع احتمالات تردي العلاقات السورية ـ
العراقية نتيجة استمرار تناقض السياسات واختلاف «أجندة» كل طرف لعلاقته مع
الآخر، وهو أمر يمكن ان يخفف من أثره، ويعالج تفاعلاته تعاون أمني سوري ـ
عراقي، بدأت أولى حلقاته مع رفع العلمين السوري والعراقي في دمشق وبغداد.