حول اعتقالات الإسلاميين الأخيرة 

 مازن كم الماز

                                               

تمر اعتقالات الإسلاميين المتزايدة مؤخرا دون كبير ضجة كما هو الحال بالنسبة لسائر أفراد المعارضة و هذه الاعتقالات التي تتزايد مؤخرا تقابلها المعارضة بشيء من التشكك أحيانا و بالاكتفاء بانتقاد الإجراءات القمعية التي عادة ما ترافق هذه الاعتقالات و أحيانا تعتبرهم ضحايا للتطرف..

يجب ملاحظة ظاهرة تتزايد مؤخرا هي تنامي نفوذ ما يسمى بالفكر السلفي الجهادي في الأوساط الشعبية و الريفية المحافظة و سعي عدد من الشباب خاصة لتشكيل خلايا أو مجموعات بهدف الجهاد في العراق أو مهاجمة أهداف غربية أمريكية خاصة..إن الحديث عن صراع موجه ضد ثقافة العنف المتمثلة في هذا الفكر السلفي الجهادي هو أبعد عن الحقيقة فجذور العنف تعود إلى علاقة قهر الحاكم للمحكوم و إلى علاقة متوترة مع الخارج الذي سعى و يسعى لفرض مشروعه على الداخل عنفيا..يختلف تقييم الصراع فيما إذا كان فعلا صراع بين الديمقراطية و الإرهاب بين التقدم و التخلف أو بين أصوليات متنافسة بين مشاريع عنفية تعتمد العنف و إلغاء الآخر أساسا لفعلها تجاه الآخر و فرض وصاية على حركة المجتمع تحت مبررات مختلفة..سؤال آخر رئيسي يتعلق بإمكانيات العمل السياسي و النشاط التعبوي الجماهيري و الفكري للتيارات الدينية بما فيها السلفية المعادية للمشروع الأمريكي أو الليبرالي في ظل واقع سلطوي اغتصب إرادة الناس و جمد الحراك المجتمعي و في ظل محاولة فرض تابوهات تستثنيهم من أي حراك أو جدل على صعيد المجتمع و تنصب أوصياء جدد على الحراك السياسي و الفكري..إنني لا أدعو لإلغاء الصراعات السياسية و الفكرية بل إلى قوننتها بعيدا عن أي موقف وصائي يصادر حق أحد في التعبير و الفعل..أنا أؤيد مشروع سياسي اقتصادي اجتماعي معين أرغب و أعمل على دخوله حيز التحقق و أنا أرى في الخطاب السلفي الأصولي خطابا متخلفا ماضويا لكني لا أرى في قمع هذا التيار أو استثنائه من الفعل السياسي و النشاط الجماهيري و الإنتاج الفكري انتصارا لأي مشروع حداثي أو مقدمة لإنجاز هذا المشروع بل مصادرة مرفوضة لحق تيار سياسي فكري في المشاركة في الحراك الشعبي و مصادرة لحركة الشارع تحت أي مبررات كانت..إن موقف المعارضة التي تصمت عن هذه الاعتقالات متوجسة من خطر صعود التيارات الأصولية و في بعض أقسامها تماهيا مع البعد الفكري للحرب الأمريكية على الإرهاب لا يمكن أن يبني لحراك سياسي فكري يشكل تغييرا جذريا يغوص عميقا في آلية الحراك السياسي و الفكري بعيدا عن السائد القمعي الوصائي, لحراك يؤسس لجدل مجتمعي مرتفع النبرة لكنه بعيد عن العنف, جدي لأنه يطالب الجميع بالإصغاء و اللجوء إلى الحوار يضمن للجميع حق الفعل و ليس مجرد حق التعبير الذي يقدم على أنه هبة من الديكتاتوريات و يراد منه استيعاب المعارضة و الغضب الشعبي في إطار النظام القائم بعيدا عن أي تغيير جدي..إن الشكل العنفي لفعل التيار السلفي في اعتقادي يعود لهامش حركته المعدوم و لطبيعة صدامه مع المشروع الأمريكي و الواقع السلطوي لكني موقن أنه سيشارك في الجدل المجتمعي إذا ما أتيحت له الفرصة بعيدا عن الإلغاء و القمع و يمكن عندها اختزال العنف بإجماع أطياف المشهد السياسي إلى الحد الأدنى الذي يمكن اعتباره دفاعيا ضد أي شكل عنفي للتدخل الأجنبي و عندها يكون المجتمع هو فعلا صاحب القرار في اختيار مسار التطور من خلال عملية جدل فاعلة و يكون احتمال التغيير محفوظا للمجتمع مصدر السلطات الفعلي في حال فشل مشروع ما في حل أزماته و الارتقاء بوضعيته الراهنة

 

                         مازن كم الماز

                         دمشق سوريا