حزب الله يهزم "شعب الله"

   ثابت عكاوي   كنعان

 

حرب الثلاثة وثلاثين يوماً بين حزب الله وشعب الله المختار. كيف انتصر حزب الله على شعب الله، ولماذا؟ لكن قبل ذلك ما الفرق بين التسميتين؟ شعب الله المختار، هو زعم عنصري مغلف بغلاف رباني كي لا تجادل البشرية فيه. فالله أنبىء كافة مخلوقاته أنها الأفضل إذا قامت بكثير من الأمور والواجبات التي تعجز عنها السماوات والارض. وبهذا المعنى، فإن كافة امم الأرض أو كافة المخلوقات هي مصطفاة من الله ومختارة منه. فأولاً فضل الله الإنسان على الجماد والنبات والحيوان وسخرها له. ولكن بالعمل. أي بقيام الإنسان بالعمل المبدع والخلاق كي يتمكن من الاستفادة من هذه الثروات.

ولأن كافة المخلوقات هي مخلوقات الله، فلا يمكن أن يتبنى شعباً على آخر. ففي هذا التبني محاباة لشعب دون آخر، وهذه ليست صفات ربانية، وهي تقليص للنزاهة اصلاً.

ينطبق الأمر نفسه على المزاعم بشأن ارض الميعاد. فهل يُعقل أن يعد الله شعباً بأرض شعب آخر؟ ولو افترضنا ذلك، هل يُعقل أن لا يأمر الله الشعب الأول بإخلاء أرضه للشعب الثاني؟ وهل يُعقل أن لا يمنح الله للشعب الأول أرضاً بديلة؟ هل يعقل ان يشبك الله الشعوب لتقتتل على قطعة أرض واحدة وهو الذي وسع ملكه السماوات والأرض؟

إن من يمنح أرض شعب لشعب آخر هو الاستعمار البريطاني ممثلاً في وعد بلفور. وعليه، فإن نسب هذه الأمور إلى الله على يد من يزعمون الإيمان هو كفر حقيقي. بالمعنى الأرضي، كان يحصل هذا في عصر الإقطاع، ومع ذلك لم يكن إخلاء أرض شعب لشعب آخر، بل تسويد قيادة أو أمراء على مناطق دون طرد أهلها. "أقطعتك ارض كذا".

إن المزاعم بارض الميعاد هي ترجمة لمزاعم أمراء الإقطاع الفرنجة الذي احتلوا المشرق العربي وخاصة فلسطين بزعم حماية الأماكن المقدسة، المسيحية الأصيلة التي يديرها المسيحيون الأصليون. أما السبب الرئيس فهو ان هؤلاء الأمراء كانوا فائضين عن الحاجة في أوروبا فقاموا بكل هذه المذابح لاحتلال إمارات لهم.

 

أما حزب الله، فأمر مختلف تماماً، فالتسمية منطلقة من أن كل مخلوق يعتبر نفسه جندياً في سبيل الله، ليس تطوعاً وحسب، بل أيضاً كواجب. ومن هنا فتسمية حزب الله تعني التطوع بتقديم الواجب وليس الابتزاز كما هي حالة "شعب الله".

حزب الله، هو حالة عطاء دون استهداف ثمن، أما شعب الله المختار، فهو إلزام ارضي للسماء بأن تنحاز علانية لشعب دون كافة أمم الأرض.

أما على الصعيد الأرضي، فحزب الله هو حركة تحرير للأرض من غاصبين يحتلونها وينهبون ثرواتها. لذا، فالمقاتل من حزب الله مقتنع بحقه في وطنه في كل بلاد الشام والعرب والإسلام، وليس في مزارع شبعا وحدها. هو يقاتل دفاعاً عن وطن، دفاعاً عن حقيقة واضحة تبرهن نفسها بوجود المحتل فيها وبما مارسه من عسف ونهب وتكبر وغطرسة.

أما الجندي الصهيوني، فيعرف، ما لم يكن عاقلاً، أنه يحتل أرض غيره وبالتالي فإن الدافعية القتالية لديه ضعيفة، إلا في حالة اضطراره لحماية نفسه طالما هو في الاشتاك. ومعروف أن كافة جيوش العالم وعبر حقب التاريخ، تقاتل خوفاً من الموت وليس اقتناعاً بالمهمة.

لم يكن الجندي الصهيوني مسلحاً بالإيمان كما يزعمون عادة، بقدر ما كان مسلحاً بأحدث الأسلحة، بل باسلحة متفوقة بما لا يقاس على اسلحة العرب، تفوقاً يحسم المعركة بسرعة فائقة مما لا يدع مجالاً لجيوش الأنظمة الرسمية سوى بالاستسلام، لتعود بعد الهزيمة فتنفجر في الشعب بالاضطهاد والنهب، والقمع والعسف تعويضاً عن انهياراتها المخجلة في الميدان.

لا بل إن كثيراً من جيوش الحكام العرب لم تدخل الحروب مع الاحتلال وهي مقتنعة بأن قياداتها تعني تلك الحرب وبأنها جادة في ذلك، لذا، كانت ترى الهزيمة امامها سلفاً. أو كانت تتوقع أن تختطف القيادة الانتصار وتبيعه للعدو كما حصل في حرب أكتوبر 1973.

اختلف الأمر مع حزب الله. هناك مقاتلون يثقون بقيادتهم التي بذلت التضحية قبلاً منهم، وترفعت عن متاع الدنيا، وكرست كل الجهد والوقت لتدريب وتعبئة وتسليح المقاتلين إلى اقصى طاقتها. وتعففت عن الحروب النظامية التي تهرول نحو اسرع هزيمة ممكنة، وانحازت لحرب الشعب وحرب الغوار، وطورت أسلحة لمقاتلي الغوار قادرة على الفتك بالحديد الكثير الذي لبسه الروم في معركة اليرموك! نعم "إن البعوضة تدمي مقلة الأسد".

لقد تمكنت إرادة القتال، وتسخير العلم من التغلب على حديد الدروع. واكتشف الجندي الصهيوني أنه بدون الدروع لا يمكنه الوقوف على أرض لبنان الملتهبة بالقتال والإيمان. فلجأ لتغطية انسحابة باللجوء إلى الطيران الأميركي فكانت في مواجهته حرب الشعب. لقد دخل الشعب اللبناني المعركة كشعب هذه المرة، مما جعل الدمار، أمراً عادياً وعابراً.

لذا، كان هذا حقاً يوم النصر في الميدان، وفي أوساط الطبقات الشعبية التي ترفعت حتى عن الضروري لصالح إيمانها بحقها وبكرامتها وعزتها. واتضح ان اللبناني الوطني والأصيل هو كل من قاوم ووقف مع المقاومة، فاختلط المسلم بالمسيحي والشيوعي بالمسلم والسني بالشعي، والعلماني بالمتدين.

كان لهذا التمازج الشعبي في لبنان دور السد الذي أعمى العملاء فخرسوا، على الأقل، وقت التقاء الجمعان، ليضطر العملاء للعمل كطابور خامس، ولكنهم جبنوا عن المجاهرة بالعمالة، هذا مهم وقت الحرب على الأقل.

لا مبالغة بالقول، أن المقاومة والشعب معها انتصرا على العالم الرسمي بأجمعه. ليس هذا ضرباً من الجنون ولا المزايدة. الم تضع الولايات المتحدة جزمتها في فم مجلس الأمن كي لا يوقف العدوان الجوي الصهيوني؟ نعم عض مجلس الأمن على الحذاء إلى أن شهق الصهاينة وقالوا حتى بالطيران لن نحقق شيئاً.

لا مفاخرة ولا مزاعم، هو انتصار حقيقي على أعداء حقيقيين للبشرية، بدءً من تل ابيب عبر لندن إلى واشنطن إلى عمان فالقاهرة بالرياض وغيرها الكثير. أليس هذا مدعاة للفخر؟ بلى.

لكنه في نهاية النهايات مدعاة لتفكير أكثر وتعبئة أكثر وتحالفات أوسع، ولماذا لا تشمل التحالفات طهران ودمشق وحتى وهران؟