لا .. لعالم الخوف والكراهية

   صبحي غندور

 

  ليست هي المرّة الأولى الّتي يعاصر فيها العالم هذا المزيج من مشاعر الخوف والكراهية. فالتّاريخ الإنساني حافل بهذه المشاعر السلبيّة بين جماعات وشعوب ودول. لكن ذلك كان محدوداً في أماكنه، فلم يتّسع ليشمل البشريّة جمعاء.   أمّا عالم اليوم فقد "تعولمت" فيه مشاعر الخوف وصيحات الكراهية. وربّما يتحمّل مسؤوليّة هذه " العولمة السلبيّة " التطوّر العلمي في وسائل الإعلام وفي التقنيّة المعلوماتيّة.

إذْ يبدو وأنَّ العالم يقترب من بعضه البعض إعلاميّاً وخبريّاً، لكنّه يتباعد ثقافيّاً واجتماعيّاً.

    عالم العالم لا يعش فقط الخوف من "الآخر" كإنسان أو مجتمع مختلف في ثقافته أو لونه أو معتقده، بل أيضاً يعيش الخوف من الطّبيعة وكوارثها، ومن جنون ماشيتها وأوبئة طيورها أو فساد استهلاك بشرها.

    عالم اليوم يخشى من الغدّ بدلاً من أن يكون كل يوم جديد مبعثاً لأمل جديد في حياة أفضل. شعوب تعيش الخوف من إرهاب ما قد يحدث في أوطانها، وشعوب أخرى تعايش الإرهاب يوميّاً حصيلة احتلال خارجي أو تسلّط داخلي. مجتمعات تخاف من "أشباح"، وأخرى تعيش الناس فيها كالأشباح! لكن الجميع يشتركون في الخوف من المستقبل المجهول القادم. وكلّما ازداد الشعور بالخوف، ازدادت مشاعر الكراهية لهذا "الآخر" المخيف حتى في داخل الوطن الواحد أو بين أبناء الثقافة الواحدة أو الدين نفسه!

     وحتّى لا يكون اللّوم على العلم فقط وتطوّره التقني، فإنَّ العالم يعيش تحديداً هذه الحالة السلبيّة منذ 11 سبتمبر/2001، حيث كان هذا اليوم رمزاً لعمل إرهابي مدفوع بغضب أعمى لا يفرّق بين مذنب وبريء، كما كان هذا اليوم تبريراً لبدء سياسة أميركية تسلطية في الداخل والخارج قادها الحاكمون الجدد في واشنطن اعتماداً على تغذية الشعور بالخوف من ناحية، ومشاعر الغضب الموصوفة بالكراهية من الناحية الأخرى.

    فيوم 11 سبتمبر 2001 هو يوم انتصار التطرّف في العالم كلّه. يومٌ تحصد البشريّة القليل من نتائجه حتّى الآن، يوم انتعش فيه التطرّف السياسي والعقائدي في كل بلد من بلدان العالم، وأصبح بعده " المتطرّفون العالميّون" يخدمون بعضهم البعض وإن كانوا يتقاتلون في ساحات مختلفة.. وضحاياهم جميعاً هم من الأبرياء.

   الحاكمون الجدد في واشنطن بنوا خططهم اعتماداً على الأسلوب الإرهابي الأحمق يوم 11 سبتمبر 2001، فنشرت سياستهم الخوف لدى الأميركيين والغربيين من عدوّهم الجديد: "التطرّف الإسلامي "، وكان ذلك بحد ذاته فائدة كبيرة لمن ينتهجون أسلوب الإرهاب وفكر التطرّف، فكرّروا أعمالهم في أكثر من مكان استناداً إلى مبرّرات وذرائع وفّرتها الإدارة الأميركيّة من خلال حربها على العراق بدلاً من الحرب على الإرهاب وأسبابه السياسيّة. وحينما افتضح أمر هذه السياسة، أميركيّاً ودوليّاً، اشتعلت " المعارك الكارتونيّة " أو الكاريكاتوريّة لتعيد قسمة العالم بين مجتمعات قائمة على الخوف وأخرى على الكراهية.

     يبدو أنَّ العالم يعيش من جديد حقبة منتصف القرن العشرين لكن بأسماء وأساليب مختلفة. فالحرب العالميّة الثانية جمعت في حلف واحد الرأسماليّة الأميركيّة والشيوعيّة الروسيّة ضدّ محور النازيّة والفاشيّة، لكن بعد انتصار الحلف الرأسمالي/الشيوعي وانهيار دول المحور وجدت واشنطن أنَّ من صالحها السياسي والأمني والاقتصادي أن تزرع الخوف لدى الأميركيين والغربيين عموماً من الشيوعيّة كعقيدة، ومن الاتحاد السوفيتي كمنظومة سياسيّة. فعاش الأميركيّون حقبة الخمسينات من القرن الماضي وهم في حال رعب من إمكان ضرب مدنهم بأسلحة نوويّة، وكانوا يدرّبون التلاميذ في المدارس على كيفيّة التصرّف في حال وقوع حرب نوويّة مع المعسكر الآخر. وشهدت أميركا إجراءات أمنيّة وسياسيّة شديدة ضدّ كل ما هو قابل للتصنيف في خانة "الشيوعيّة". فكانت "المكارثية" رمزاً لهذه الحقبة السوداء في تاريخ الديمقراطيّة الأميركيّة. وكانت هذه السياسة الأميركيّة المستنفرة ضدّ "العدو الشيوعي"، والمواجهة له في أكثر من مكان بدول أفريقيا وآسيا، تتجنّب الصدام معه في أوروبا وتحرص على التوافق الّذي جرى في يالطا والّذي قسّم الدول الأوروبيّة بين معسكر الشّرق الشّيوعي (حلف وارسو) ومعسكر الغرب الأميركي (حلف الناتو).

       وقد حرصت موسكو وواشنطن خلال تلك الفترة على تجنّب الصدام المباشر بينهما، وعلى رفض أي حركة دوليّة مستقلّة عن نفوذ أي منهما، كما حصل مع حركة عدم الانحياز الّتي قادها نهرو وتيتو وجمال عبد الناصر. 

   وخلال فترة المواجهة الأميركيّة مع الاتحاد السوفيتي، استعانت واشنطن بالكثير من الحركات السياسيّة الإسلاميّة، بل بالدعوة الدينيّة عموماً لإضعاف الدول الشيوعيّة كما جرى في أفغانستان الّتي قاتل فيها زعماء جماعة القاعدة مع الأميركيين ضدّ النظام الشيوعي، وأيضاً تساهلت واشنطن مع سقوط نظام الشاه في إيران وما استتبعه من نمو التيّار الديني الإسلامي على الأبواب الشّرقيّة للاتحاد السوفيتي.

     لكن، كما اختلفت واشنطن مع حليفها الشيوعي بعد الحرب العالميّة الثانية، فعلت أميركا ذلك أيضاً مع الحليف "الإسلامي" بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط المعسكر الشيوعي. وكما تحوّل الحليف الشيوعي إلى "العدو الأوّل"، وإلى مصدر خوف لدى الأميركيين والغربيين، جرى تكرار الأسلوب نفسه مع " الحليف الإسلامي" في حرب المجاهدين الأفغان.

    فالإدارات الحاكمة بواشنطن، خاصّة المدعومة من مصانع وشركات الأسلحة، تحتاج دائماً إلى "عدو خارجي" يبرّر سياسة الانتشار العسكري ويحافظ على التفوّق الأميركي، ويضمن تبعيّة الدول الأوروبيّة لقائد وحامي الحضارة الغربيّة المعاصرة.

          وقد كتب الكثيرون عن هذه المقولة، خاصّة في العقد الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. بعضهم كتب منذراً بخطط أميركيّة وإسرائيليّة عن جعل " الإسلام" هو "العدو الجديد" للغرب، والبعض الآخر كتب في أميركا والغرب مبشّراً بنظريّة "صراع الحضارات". لكن كانت كلّها كتابات ومجرّد حبر على ورق إلى حين وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001 .

إذن، أليس من الحماقة في الأفعال أو الردود عليها، أن تسير الأمور في العالم الإسلامي بهذا الاتجاه الّذي جرى التحذير منه طوال عقد التسعينات!!

وما هي المصالح الإسلاميّة من تأجيج مشاعر الكراهية لدى هذا الطرف أو شعور الخوف لدى الطرف الآخر على مستوى الشعوب؟!

أصلاً، هي حرب وهمية الآن لنظريّة خاطئة إذا كانت واشنطن تعتمدها وتكرّر فيها ما قامت به مع الشيوعيّة في فترة الحرب الباردة. فالعدو الشيوعي كان فعلاً يحكم دولاً تمتدّ من أقصى شرق آسيا إلى قلب أوروبا مروراً بجماعات حزبيّة منتشرة في معظم أنحاء العالم. وكانت موسكو تمتلك فعلاً قنابل نوويّة موجّهة نحو أميركا وحلفائها الغربيين، فأين وكيف هو واقع حال "العدو الجديد" ؟!. إنّها "حرب الأشباح" لكنّها تستند إلى ممارسات عنفية لجماعات متطرّفة مارست وتمارس الإرهاب في دولها أولاً ( كما حدث في عدّة دول عربيّة وإسلاميّة) وضدّ أبناء شعبها ( كما حدث ويحدث في العراق ).

      الخطيئة من جانب، لا تبرّر الخطيئة من الجانب الآخر. وتبادل الأخطاء لن يوصل إلى نتائج صحيحة، فعسى أن يدرك المخطّطون لنظريّات الكراهية، والمنفّذون لأساليب زرع الخوف، إلى أي منقلب هم ينقلبون!!!

شباط/فبراير 2006

 

إلى أي منزلق؟!

من حق المسلمين أينما كان أن يعترضوا وأن يرفضوا وأن يستنكروا الرسوم الكاريكاتوريّة التي نالت من شخص النبي الكريم، في صحيفة دانمركيّة مجهولة لا يقرأها ربما أحد خارج الدانمرك. لكن أتساءل كيف تحولت المسألة إلى قضيّة أولى للعرب والمسلمين تستوجب صرخة : "واإسلاماه".

صحيح أنَّ هذه الرسوم هي إساءة كبيرة لا يمكن السكوت عنها، فالمسلمون يرفضون الإساءة لأنبياء الله كافّة ولا يسمحون بتشخيصهم (وإن جاء التشخيص بأبهى صورة) فكيف إذا طال استهزاءٌ بالرسم خاتم النبيين، من وصفه القرآن بأنه "على خلُقٍ عظيم" ومن أرسله تعالى "رحمة للعالمين".. إلا أن هذه الرسوم رغم خطورتها، أولى أن تُدرك الأسباب وراءها، بالعقل لا العاطفة،  وألا نحقق لمفتعليها ردة الفعل العشوائية التي تخدم مراميهم، وألا نسمح لهم التعامل معنا كشعوب يسهل جرها بالعاطفة وحدها إلى ما لا يحمد عقباه في بلداننا وحيثما يتواجد العرب والمسلمون في بقاع العالم. فالإسلام دعوة لأمة الوسط والاعتدال، أمة العقل التي أراد الله للإنسانية بوجودها أن تبلغ قمّة رشدها. ان التصرف العقلاني كان يستوجب من مسلمي الدانمرك أولاً أن يقاضوا الصحيفة قانونياً وألا يكتفوا بطلب الاعتذار، وبأن يرسلوا في شهر أيلول/سبتمبر الماضي حينما نشرت الصحيفة الرسوم المسيئة، سلسلة من المقالات موازية لعدد الرسوم، كرد على مضمونها السياسي الّذي تمحور كلّه حول ربط الإسلام بالإرهاب، وبأن يتم التعامل مع القضيّة بالإطارين الإعلامي والقانوني داخل الدانمرك، اعتماداً على حق الردّ على إساءات طالت جالية إسلاميّة كبيرة في الدانمرك. هذا على الأقل ما يفعله المسلمون في أميركا تجاه حالات من الإساءة والتشهير والتمييز في عدّة وسائل إعلاميّة أو على لسان شخصيّات أميركيّة فاعلة بالمجتمع الأميركي. فالرسوم الكاريكاتوريّة بصحيفة دانمركيّة هي "غيض من فيض" في تشويهٍ للإسلام حدث ويحدث في معظم بلدان العالم، خاصّة بعد أحداث أيلول/سبتمبر 2001 .

 وكان من واجب الشخصيّات الدينيّة والإعلاميّة، من عربيّة وإسلاميّة، التي علا صوتها على الفضائيّات وبالشوارع وهي تحث المسلمين على مزيد من الغضب والانفعال، أن تتوجّه إلى العرب والمسلمين بفضح غايات من هم وراء نشر هذه الرسوم الكاريكاتوريّة وغيرها من الإساءات للإسلام والمسلمين، وبأن تنبّه عامّة المسلمين إلى الكمين أو الفخ المنصوب لهم لخدمة جملة أهداف تريد فرز عالم اليوم بين "شرق إسلامي" موصوف بالإرهاب و"غرب مسيحي" محكوم بالعلمانيّة والديمقراطيّة. غايات كتب عنها الكثير من مثقّفي بلدان العالم الإسلامي منذ نهاية الاتحاد السوفيتي وأفول عصر "الشرق الشيوعي" و"الغرب الرأسمالي". غايات لم تكن أبداً المصلحة الأميركيّة بعيدة عنها في إبقاء أوروبا تحت الجناح الأميركي رغم تصاعد موجة الاستقلالية الأوروبيّة، وكذلك المصلحة الإسرائيليّة في جعل العرب والمسلمين العدو الجديد للغرب لتكون هناك ضرورة غربيّة بالحفاظ على دعم إسرائيل ودورها في الشرق العربي والإسلامي.

أيضاً، كان أولى بالحكومات العربيّة والإسلاميّة وأصحاب المؤسّسات التجاريّة الكبرى على امتداد العالم الإسلامي أن يخصّصوا نسبة زهيدة جداً من أموالهم الطائلة لصالح عرض أفضل للإسلام والعروبة في دول الغرب، والدفاع العقلاني فكرياً وثقافياً وإعلامياً، عن الصورة المشوّهة للعرب والمسلمين.

إذ ما هي الحكمة من تأجيج مشاعر العداء بين بلدان العالم الإسلامي وباقي العالم، وهل ردود الفعل الانفعالية توقف الإساءات أم تعمّقها وتزيدها وتنفع غايات أصحابها المعروفين والمجهولين؟

وهل كان المسلمون بحاجة إلى كوفي عنان ليذكّرهم بشكل غير مباشر بالقاعدة الإسلاميّة: " ألا تزر وازرة وزر أخرى" حينما طالب أمين عام الأمم المتّحدة بضبط الانفعالات لأنّه لا يجوز معاقبة جماعة على أخطاء أفراد؟

هناك إساءات كبرى تحصل على أرض المنطقة العربيّة وبلدان العالم الإسلامي وتستحق صرخة الغضب والفعل السليم للتعامل معها.. فلماذا لا تستيقظ الهمم العربيّة والإسلاميّة على قضايا واقعيّة على أرضهم وفيها الكثير من الإساءة إلى القيم والمبادئ الإسلاميّة الّتي جاءت بالقرآن الكريم والسيرة النبويّة الشريفة؟

ولِمَ لا يكون احتلال القدس والمسجد الأقصى وكنيسة القيامة أشدّ إيلاماً على المسلمين والمسيحيين في العالم من رسوم مبتذلة في صحيفة نكراء؟ 

ولماذا أصبحت صرخة الغضب ضدّ صحيفة دانمركيّة، لا مرجعيّة دينيّة أو أخلاقيّة لها، منفذاً لطروحات طائفيّة ضد بعض المسيحيين العرب والانعكاس السلبي لذلك على وحدة المجتمعات العربيّة والإسلاميّة؟

وإذا ما أراد المسلمون والعرب معاقبة دولة ما على مواقفها السلبية تجاه معتقداتهم وقضاياهم التحررية لِمَ لا يكون الأمر بمقاطعة بضائعها وإيلامها في الجانب الإقتصادي الذي يؤلمها وليس بالتخريب والعنف والحرق وزيادة الطين بلّة في أوضاع بلدانهم التي يسهل تأجيج الفتنة فيها بين أكثر من جانب وطرف وملّة؟

وإلى أين نذهب بانتقالنا الموسمي هذا من حال السبات والنوم إلى حال الانفعال والغضب العشوائي؟ من وضع مأساوي في داخل بلداننا ممزوج بتسلّط خارجي، إلى انفعالات لا تميّز بين عدو وصديق؟ وحينما نحارب، نحارب ونقاتل بعضنا البعض "وننتصر" على بعضنا البعض. وكأنَّ البلاد العربيّة والإسلاميّة قد فقدت البوصلة الّتي توجّه حركة قياداتها، فإذا هي بمركب في بحر هائج تدفع به الرياح والأمواج بينما طاقم السفينة مشغول بأموره الخاصّة أو عاجز عن القيادة السليمة!!.

أليس محزناً أن تبدأ حملة مقاطعة بعض البضائع الأوروبيّة في الفترة نفسها الّتي تزداد فيها نسبة تصدير البضائع الإسرائيليّة لبعض الأسواق العربيّة ويرتفع العلم الإسرائيلي فيها في عواصم عربيّة وإسلاميّة بينما تحتل إسرائيل مقدّسات إسلاميّة؟!

أليس مؤسفاً أنَّ النرويج وحدها تقدّم سنويّاً للفلسطينيين في الأراضي المحتلّة مبلغ 60 مليون دولار أي ما يعادل تقريباً ثلث ما تقدّمه الدول العربيّة مجتمعة؟ وبأنَّ الإتحاد الأوروبي يدعم سنويّاً المؤسّسات الفلسطينيّة بمبلغ 600 مليون أي ثلاثة أضعاف دعم الدول العربيّة!

 لقد كان الأوروبيّون يضغطون على واشنطن لإجراء تسوية عادلة للصراع العربي الإسرائيلي وتحديداً للمسألة الفلسطينيّة، وكانت معظم الدول الأوروبيّة قد شهدت مظاهرات شعبيّة ضخمة رافضة للحرب على العراق. فأين هي المصلحة العربيّة والإسلاميّة من توسيع ساحة الخصوم وفي استعداء الأوروبيين عموماً وفي تحميل شعوب ودول الإتحاد الأوروبي مسؤولية عمل قذر قامت به صحيفة مجهولة بالدانمرك؟!

أين المصلحة العربيّة والإسلاميّة في ردود فعل عشوائية كحرق سفارات وكنائس وأعلام دول.. أو إنذارات وتهديدات لمنظّمات وأفراد أوروبيين يعملون أصلاً في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة لصالح الشعب الفلسطيني؟!

ولماذا نكرّر خطأ ردود الأفعال الّذي حدث عام 1989 بعد صدور الكتاب التافه " أشعار شيطانيّة" لسلمان رشدي حيث أعطت ردود الأفعال آنذاك دعاية كبيرة لكتاب سخيف رديء وجعلت من مؤلّفه البذيء المجهول بطلاً لحريّة الكلمة في دول أوروبا عموماً؟

لا شك أنَّ في كتاب "أشعار شيطانيّة" في السابق، وبالرسوم الكاريكاتوريّة الآن، إساءات لا تغتفر بحق الإسلام والنبي محمد( صلّى الله عليه وسلم ) وكل المسلمين أينما كان، لكن هل هناك من مصلحة إسلاميّة في الترويج والدعاية لهذه الإساءات؟! أليس من الأفضل حصر التعامل مع هذه الظواهر المسيئة في أماكنها ومن خلال توظيف قوانين حرّية الرأي والكلمة، وبواسطة أبناء البلد أنفسهم من عرب ومسلمين وأصدقاء محلّيين؟!

ألم يكن من الأفضل توظيف المبلغ الّذي خصّصته إيران عام 1989 لقتل سلمان رشدي (مليون دولار) في طباعة منشورات تُعرِّف بالإسلام في دول أوروبا ولا تجعل المسلمين موضع اتهام بالقتل والإرهاب؟! ولماذا هذا التناقض المفتعل بين الإسلام وحريّة الكلمة والمعتقد؟ ألم يعاصر النبي الكريم ( عليه الصلاة والسلام) من اتّهموه بالكذب والجنون!

القرآن الكريم يردّد لنا في أكثر من سورة ما افترى به الكفّار على الأنبياء عموماً من صفات وادعاءات:

 ( وعجبوا أن جاءهم منذرٌ منهم وقال الكافرون هذا ساحرٌ كذّاب) (سورة ص- الآية )4 .

( إنّهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون. ويقولون أئنّا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون) (سورة الصافات- الآيتان 35و36 ).

فكيف كانت سيرة الرسول الأعظم مع من ناقضه بل وافترى عليه بسوء الأوصاف؟ ثمَّ ألا نتّعظ بالمنهج القرآني الّذي يستخدم المنطق – لا الدعوة للعنف - في الرّد على كل الافتراءات بحق الله سبحانه وتعالى وبحق الأنبياء والمرسلين؟

 إنَّ القليل من الفعل السليم خير من انفعال كبير. وهذا ما تحتاجه الآن شعوب البلاد العربيّة والإسلاميّة في تعاملها ليس فقط مع ظاهرة الإساءات الإعلاميّة المغرضة في الغرب، بل أيضاً مع مشاكلها وأوضاعها الداخليّة المهدّدة بالفرز والتفكّك والانشطار الطائفي والمذهبي.

 وإذا كان العرب والمسلمون لا يجدون فعلاً مصلحة في المقولة الأميركيّة/الإسرائيليّة الّتي ظهرت في مطلع التسعينات من القرن الماضي عن "صراع الحضارات" و"الخطر الإرهابي القادم من الشرق الإسلامي"، فإنَّ أبسط الأمور الآن هي عدم الوقوع في فخ الكمائن المنصوبة لهم على أكثر من ساحة.

ولعلّ الفضائيّات العربيّة معنيّة أكثر من غيرها الآن بعدم تحويل دورها إلى خادم عن غير قصد لمن يروّجون لطروحات التّطرّف وتأجيج المشاعر السلبيّة، تحت حجّة "حرية الرأي" أيضاً، حتّى لا تكون بذلك مساهمة في تنفيذ أجندة من يتم التظاهر ضدّهم في الشوارع من أعداء الإسلام والعروبة!!!

  4 شباط/فبراير 2006

=====================

"إسرائيليون" بلا حدود!

 

صحيح أنَّ لإسرائيل عملاء يتحرّكون ويعملون في أكثر من مكان بالعالم، وبأنَّ بعضهم انكشف واعتقل حتّى في أكثر الدول صداقة ورعاية لإسرائيل كالولايات المتّحدة، كما هو حال الأميركي جوناسون بولارد، المعتقل بتهمة التجسّس لإسرائيل في أميركا منذ العام 1986 ...

          وصحيح أنَّ اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين يعرفون أكثر من غيرهم من العرب حجم التّسلل الإسرائيلي في مؤسّساتهم السياسية والحزبيّة والاجتماعيّة على مدى أكثر من أربعين عاماً، منذ ظاهرة كوهين في دمشق إلى ظاهرة "أبو الريش" في رأس بيروت...

وصحيح أنَّ السلطات المصرية كشفت عدّة مرات عن شبكات تجسّس إسرائيلية وما زال بعض عناصر هذه الشبكات معتقلاً، رغم وجود علاقات طبيعيّة بين إسرائيل ومصر، ومما يعيد للذاكرة دائماً فضيحة شبكة نافون التخريبيّة في مصر الّتي مضى نصف قرن من الزمن عليها، لكن مثيلاتها ما زالت تحدث في أمكنة مختلفة بالعالم دون كشف خباياها حتّى الآن...

صحيح كل ذلك وغيره من الأمثلة والشواهد العديدة، لكن هل يعقل أن تكون إسرائيل في كل مكان وفي كل قضية ساخنة تعيشها الآن المنطقة العربيّة وجوارها الإقليمي؟!

***

أطرح هذا التساؤل لأنَّ كلاً من التطورات الراهنة، يحمل فقط طابع المصالح والمنافع الإسرائيلية بينما "الآخرون" - وهم هنا العرب والمسلمون والأوروبيون والأميركيون- يتضرّرون ممّا في هذه التطورات من مخاطر أمنيّة وسياسية على مجتمعاتهم وأوطانهم وعلى مصالحهم المشتركة. وقد كانت قضية الرسوم الكاريكاتورية في الدانمارك، وبعض ردود الفعل عليها، خير دليل على ذلك. فأصوات العداء بين "الشرق الإسلامي" وبين "الغرب المسيحي" تزداد بينما إسرائيل (التي هي "جغرافياً" في الشرق، و"سياسياً" في الغرب، وتنتمي إلى حالةٍ دينية "لا شرقية إسلامية ولا غربية مسيحية") هي المستفيد الأكبر من صراعات الشرق والغرب في مطلع القرن الجديد!.

 

أيضاً، إن وزيرة الخارجيّة الأميركيّة كونداليسا رايس زارت المنطقة مؤخّراً وفي جعبتها ملفّات تحمل عناوين مختلفة لكن مضامينها تنسجم كلها مع نظرية "الأمن الإسرائيلي".

فالملف الفلسطيني كانت ترجمته الأميركية بالدعوة إلى عدم تقديم المساعدات للسلطة الفلسطينيّة في ظل قيادة حركة حماس لها، بينما كان أجدى بالوزيرة الأميركيّة، أن تزور إسرائيل وتطالبها بالالتزام في الاتفاقات الّتي وقّعت عليها بإشراف أميركي ودولي، وبالانسحاب من الأراضي الّتي احتلّتها عام 1967 فلا يعود هناك أي مبرّر لعمليّات عنف مسلّح بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وليكون ذلك تأسيساً لدولة فلسطينيّة مستقلّة.

          كذلك كان حال القضايا الأخرى الّتي أثارتها الوزيرة رايس، حيث "الأمن الإسرائيلي" هو المستفيد أولاً منها، لا العلاقات العربيّة/الأميركيّة. فكيف تتوقّع واشنطن أن تجد دعماً لسياستها بشأن الملف النووي الإيراني، الّذي ما زال مشروعاً لم ينفّذ بعد، بينما تملك إسرائيل السلاح النووي المهدّد للمنطقة كلها منذ عقود!

ولماذا تعتقد واشنطن أنَّ للدّول العربيّة مصلحة في تأجيج الوضع المتأزّم داخل لبنان، وبينه وبين سوريا؟ وهل هناك أصلاً منفعة أميركيّة من فلتان الأوضاع الأمنيّة في هذين البلدين، وهل تقدر الإدارة الأميركيّة على ضبط نتائج هذا الفلتان إذا ما حدث؟ ألا يكفي العراق نموذجاً لأخطاء السياسة الأميركيّة الراهنة في المنطقة العربيّة؟!

          حتّى الآن، فإنَّ إسرائيل هي أكبر المستفيدين مما جرى ويجري في العراق، وفي تحويل الأنظار الأميركيّة عن مصادر الإرهاب الّذي حدث ضد أميركا، بل وتغذية هذه المصادر بنتائج السياسة الأميركيّة الخاطئة للإدارة الحاليّة بحيث أصبح التطرّف يرفد ويغذّي بعضه البعض.

فأين هي المصلحة الأميركيّة في تحويل الخصوم إلى أعداء، والأصدقاء إلى خصوم، وفي جعل أي مقاوم للاحتلال الإسرائيلي إرهابياً يطاله القانون الدولي بينما شرعة الأمم المتحدة تدين الاحتلال أينما كان وتجيز مقاومته على الأرض المحتلّة؟!

المصلحة الأميركيّة الحقيقيّة لا يمكن أن تكون في توسيع دائرة الغاضبين على أميركا، ولا يمكن أن تكون في زيادة الهوّة بين العرب والمسلمين من جهة وبين الأميركيين والغرب عموماً من جهة أخرى.. فهذه مصالح فئويّة لقوى وشخصيّات حاكمة لكنّها حتماً ليست مصالح الدول والشعوب.

 

هناك الآن الكثير من "المعارك" الإسرائيليّة الّتي تجري تحت "راية أميركيّة"، لكن المصالح الأميركيّة هي جزء من ضحاياها! وكم هي مفارقة محزنة أن يُنظَر لإسرائيل في القرن الماضي وخلال فترة الحرب الباردة، على أنَّها "رأس الحربة الأميركيّة" في الشرق الأوسط، بينما يُنظَر إلى أميركا الآن، وهي القطب الدولي الأوحد، على أنَّها سيف إسرائيل الطاعن في المنطقة!

          أمّا على الطرف العربي والإسلامي، ف"الإسرائيليّات" موجودة أيضاً بكثافة. وهناك عرب ومسلمون يقومون أيضاً بخوض "معارك إسرائيليّة" تحت "رايات وطنيّة أو عربيّة أو إسلاميّة". وهم عمليّاً يحقّقون ما كان يندرج في خانة "المشاريع الإسرائيليّة" للمنطقة من تقسيم طائفي ومذهبي وعرقي يهدم وحدة الكيانات الوطنيّة ويقيم حواجز دم بين أبناء الأمّة الواحدة لصالح فئات تستفيد من فتات الأوطان فتقيم ممالكها الفئويّة الخاصّة ولو على بحر من الدّماء. أليس هو مشروع إسرائيلي تفتيت المنطقة العربيّة إلى دويلات متناحرة؟ أما هي مصلحة إسرائيليّة كاملة نتاج ما جرى وما زال يجري الآن في العراق من هدم لوحدته الوطنية؟ أليست هي أيضاً رؤية إسرائيليّة لمستقبل لبنان وسوريا والأردن ومصر والسودان وشبه الجزيرة العربيّة؟!

أليس هو بمنظر خلاّب ممتع للحاكمين في إسرائيل وهم يرقبون ما يحدث في لبنان من دعوات للفتنة ومن محاولة النيل من المقاومة اللبنانيّة الّتي أذلّت جيش الاحتلال الإسرائيلي، ومن تسعير لحملات العداء للعرب والعروبة، وللفلسطينيين والسوريين على أرض بيروت الّتي كانت العاصمة العربيّة الوحيدة الّتي احتلّتها إسرائيل، ثمّ منها بدأت شعلة المقاومة ضدّ المحتل؟!

إنَّه "زمن إسرائيلي" ينتشر فيه وباء "الإسرائيليّات" وتقلّ فيه المضادات الحيويّة الفكريّة والسياسيّة، وتنتقل فيه العدوى سريعاً، ويُصاب به "بعض الأطبّاء" أحياناً فتجتمع العلّة في الطبيب والمريض معاً!!

هذا "الوباء الإسرائيلي" لا يعرف حدوداً، كما هي دولة إسرائيل بلا حدود، وكما هم العاملون من أجلها في العالم كلّه.

          المشكلة لم تكن ولن تكون في وجود "الوباء"، بل هي بانعدام الحصانة والمناعة، وفي انعدام الرّعاية الصحيّة الفكريّة والسياسية داخل الأوطان العربيّة وبلدان العالم الإسلامي، وفي الجهل المقيت بكيفيّة الوقاية والعلاج بل حتّى في رصد أعراض المرض وسهولة انتشاره!.      

شباط/فبراير 2006

================

"المهندس الأميركي".. و"المقاولون" العرب!

 

 

أصدفةٌ كانت أن يتزامن بدء حكم الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش مع أحداث 11 سبتمبر 2001 التي شكّلت صدمة كبيرة لأميركا وللعالم، وأن يكون حكم الرئيس السابق جورج بوش (الأب) قد تزامن أيضاً مع حدثٍ كبيرٍ هزَّ منطقة الشرق الأوسط والعالم وانغمست فيه أميركا بشكلٍ كامل، ألا وهو غزو الكويت عام 1990؟ ثمَّ أصدفةٌ هي أن يرتبط الحدثان بتفاعلات ما بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط المعسكر الشيوعي؟

وهل أحداث 11 سبتمبر 2001 كانت بدايةً لحقبةٍ زمنيةٍ جديدة في العالم أم أنَّها حلقةٌ في سلسلةٍ من وقائع جديدة تعيشها بلدان العالم بعد انتهاء حقبة الحرب الباردة؟

 

ولعلَّ السؤال الكبير أيضاً هو، لِمَ منطقة الخليج العربي هي تحديداً محور تلك الصدمات الدولية التي زامنت عصر الرئيس بوش الأب وتتزامن الآن مع عصر الرئيس بوش الابن؟!

في صدمة غزو الكويت، كان السؤال البارز : كيف يحشد النظام العراقي جيشه ويغزو الكويت ولا  تحرّك أميركا ساكناً إلا حين وقوع الحدث الكبير!؟ كما أنَّ العالم اليوم (بما فيه الشعب الأميركي) لا يعلم مدى ما كانت تعرفه تماماً الإدارة الأميركية عن استعداد عناصر من "جماعة القاعدة" للهجوم على نيويورك وواشنطن بواسطة طائراتٍ مدنية !!

 

وهل هي من قبيل الصدفة أيضاً أن يكون "بطل فيلم" الصدمة الأولى أيام الرئيس بوش الأب (النظام العراقي) هو أيضاً "بطل فيلم" الصدمة الثانية، حيث أنَّ أنظار العالم كلّه تحوَّلت إلى موضوع العراق وما فيه من تفاعلاتٍ إقليمية ودولية؟!

 

إنَّ غزو الكويت عام 1990، كان بدايةً لحملةٍ على الهوّية العربية، وأحداث 11 سبتمبر 2001 كانت بدايةً لحملةٍ على الهوّية الإسلامية، وإذا بحصيلة الصدمتين المعاصرتين ل"آل بوش" في البيت الأبيض، محاولات لإضعاف الهويتين: العروبية والإسلامية معاً، وبسعيٍ لهيمنةٍ عسكريةٍ كاملة على المنطقة العربية وعلى مختلف بلدان العالم الإسلامي.

تُرى، لو لم تكن هناك جهات محليّة تتحرَّك بشعارات عربية أو إسلامية، هل كان من الممكن حدوث مثل هذه الصدمات أو الزلازل التي تهزّ أركان الأرض العربية تحديداً؟

لو لم يغزُ النظام العراقي السابق الكويت (باسم الضمّ القسري الوحدوي العربي)، هل كان للمنطقة العربية أن تشهد وجوداً عسكرياً أجنبياً واسعاً كما حصل بعد عام 1990؟

هل كان للقضية الفلسطينية أن تصل إلى ما آلت إليه حالها من شدّة حصارٍ وتأزّم؟

والشعب العراقي بدوره، هل كان ليعاني  ما يعانيه من قنل ودمار حصيلة الاحتلال الآن؟

هل كان لظاهرة "جماعات التطرف والتكفير والعنف" أن تبرز سياسياً في حين أنَّ مؤسّيسها والعديد من عناصرها كانوا أصلاً خدّام السياسة الأميركية طوال سنوات حرب "المجاهدين الأفغان" ضدَّ النظام الشيوعي والقوات السوفييتية في أفغانستان.. ثم تحول مطلبهم إلى إخراج القوات الأميركية من الجزيرة العربية بعد عام 1990؟!

 

هذه أسئلةٌ مهمّة، لأنَّ "المهندس الأميركي" استخدم ويستخدم "مقاولين" عرب ومسلمين في إعداده لبناء شرقٍ أوسطيٍ جديد، بل لبناء نظامٍ عالميٍّ جديد تحدَّث عنه جورج بوش الأب حينما كان رئيساً إلا أنَّ الانتخابات الأمريكية عام 1992 لم تكتب له فرصة الاستمرار بالحكم لولايةٍ أخرى والعمل على تثبيت بنيانه. ومعلومٌ أنَّ هذا البناء أعدّه آنذاك معاً مجموعة من "خبراء" الحزب الجمهوري والبنتاغون الذين يعرفون الآن بالمحافظين الجدد.

 

لقد سقط المعسكر الشيوعي وانتهت الحرب الباردة حصيلة ضغوطاتٍ وسياساتٍ اشترك في وضعها عدد كبير من هؤلاء "الخبراء" الذين رافقوا فترة حكم ريغان/بوش لثماني سنواتٍ (1980-1988) ثمَّ فترة بوش الأب (1988-1992). وفي الحقبة الريغانية/البوشية، حصلت الحرب العراقية/الإيرانية (بدعم أميركي/إسرائيلي)، وحصلت ثورة المجاهدين الأفغان (بدعم أميركي كبير)، وحدث الاجتياح الإسرائيلي للبنان (بموافقة أميركية)، ثمَّ سقط الاتحاد السوفييتي مترنّحاً في فترة الرئيس بوش الأب بفعل نتائج الحقبة الريغانية، وما برز فيها من ضغوطاتٍ اقتصادية وسباق تسلّح وتعزيز كبير لدور المصانع العسكرية الأميركية وشركات النفط الأميركية ومؤسسة البنتاغون العسكرية. وكان من الطبيعي البحث عن عدوٍّ جديد يضمن استمرار تدفّق صناعة الأسلحة ويسمح باستمرار الانتشار العسكري الأميركي في العالم وبالسيطرة على مواقع الثروات الطبيعية فيه، وفي مقدمتها النفط.

أيضاً، كان من الضروري إبقاء الغرب الأوروبي تحت المظلَّة الأميركية بل وإضافة باقي دول أوروبا إلى هذه المظلّة.. وهكذا أصبح حلف الناتو حلفاً أميركياً/أوروبياً ضدَّ عدوٍّ مجهول لحين إعداده أميركياً!!

إنَّ أوروبا، في مطلع التسعينات من القرن الماضي، قد شهدت تحوّلاتٍ كبرى لم تنعكس فوراً على المنطقة العربية، رغم قربها الجغرافي من هذه المنطقة. فهناك دول  في أوروبا اختارت شعوبها الوحدة مثل ألمانيا، وهناك دول اختارت شعوبها الانفصال مثل تشيكوسلوفاكيا، وهناك دول أخرى وجدت شعوبها نفسها فيها أمام صراعاتٍ دموية مثل يوغوسلافيا، وتفتَّت جمهوريات الاتحاد السوفييتي إلى موزاييك من الدول والثقافات وأنواع الحكم ..

وجرى في عموم أوروبا الشرقية تغيير اقتصادي وسياسي وأمني بل وثقافي أحياناً، في ظلِّ رعايةٍ أميركية لكلِّ هذه التغييرات. وكانت حرب الخليج الثانية هي حلقة في سلسلة متغيّرات تريد أميركا فرضها على العالم. وكان من المؤمَّل أميركياً أن تنسحب هذه المتغيّرات الأوروبية على المنطقة العربية أيضاً، وعلى جوارها الإقليمي في آسيا وأفريقيا، أي تغييرات أمنية وسياسية واقتصادية وثقافية، وربّما في أنظمة الحكم أيضاً. 

 

كانت إدارة بوش الأب حريصة على إنهاء ملف الصراع العربي/الإسرائيلي وفق صيغة مؤتمر مدريد، وما كان يجب أن يترتَّب عليه، من بناء شرقٍ أوسطي جديد يسوده التطبيع الكامل بين العرب وإسرائيل من خلال توظيف نتائج غزو الكويت وتفاعلاته السلبية العربية .. لكن هذه المخطّطات تعثَّرت، وخرجت "مجموعة الخبراء" من البيت الأبيض بعد حكم 12 سنة، ودخل البيت الأبيض الأميركي طاقم جديد لا يحمل الرؤية نفسها ولا الخبرة نفسها أيضاً. فكانت فترة عهد كلينتون (8 سنوات) حالة تعامل بالاضطرار مع أوضاع عالمية أكثر منها مبادرات تخدم رؤيةً محدّدة. وحتى في إطار معالجة الأزمات الدولية، كانت سمة حكم الرئيس كلينتون هي ردّة الفعل تجاه الأحداث أكثر من صنعها للأحداث نفسها.  وهكذا بقي الملف العراقي جامداً، وكذلك ملف الصراع العربي/الإسرائيلي رغم تحرّك الأخير ببطءٍ شديد من خلال اتفاق أوسلو (الذي كان خروجاً عن صيغة مؤتمر مدريد)، ثمَّ حدوث الانتفاضة الفلسطينية مع نهاية عهد كلينتون.

وهكذا أيضاً، ساد الجمود السياسي منطقة الشرق الأوسط فلم تسقط أنظمة، ولم تحدث تغييرات كالتي حدثت في أوروبا الشرقية، وتوقَّفت "المحدلة" الأميركية عن العمل حتى عودة "مجموعة الخبراء" من جديد إلى الحكم مع فوز الرئيس بوش الابن بصعوبةٍ بالغة.

ثم فتحت أحداث 11 سبتمبر الأبواب كلّها أمام "الرؤية الأميركية" التي وضعتها "مجموعة الخبراء" عقب سقوط الاتحاد السوفييتي، وهي الرؤية التي تتضمّن إحداث متغيّراتٍ في الشرق الأوسط وفي جواره الآسيوي والأفريقي بشكلٍ مشابهٍ لمتغيّرات أوروبا الشرقية.

 

لكن من قام بتنفيذ العمليات الإجرامية الإرهابية في أميركا يوم 11 سبتمبر، هم أشخاص من جماعاتٍ ترفع شعاراتٍ إسلامية (باعتراف المسؤولين عن هذه الجماعات) وهي بالحقيقة تنطق بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، حين يحلّل أتباعها ما حرَّم الله تعالى في الشرائع السماوية كافّة من قتلٍ وإرهابٍ للمدنيين الأبرياء..

 

أميركا لا تصنع بالضرورة الحدث مباشرةً ..  لكنّها حتماً قادرة على التشجيع لإحداثه ثم توظيفه لما يخدم مصالحها وأهدافها في عموم العالم... هكذا جرت الأحداث منذ غزو الكويت وبدء الحرب على الهويّة العربية إلى 11 سبتمبر وبدء الحرب على الهويّة الإسلامية.

 

المشكلة أنَّ معظم الحديث يدور دائماً حول النتائج وحول المستفيدين من الحدث ومخطّطاتهم، إلا أنَّ ذلك لن يمنع من تكرار الأحداث الكبرى، طالما أنّ هناك من يضع أسبابها ويشارك بصنعها من منتمين للبلدان الضحية!.

حزيران/يونيو 2006

=============================

مغامرة تحويل الطوائف إلى كيانات

 

إنّ استعراض صورة الواقع العربي الراهن تؤدي إلى نتيجةٍ سلبية للأسف، وربّما إلى اليأس والقنوط عند البعض، بسبب الشرخ الخطير داخل الشعب الواحد في كلّ بلدٍ عربي.

وأسئلة كثيرة تدور في الأذهان الآن عن غايات وأبعاد الطروحات والممارسات الطائفية والمذهبية أو العرقية التي تسود عدّة بلدان عربية بشكلٍ لم يسبق له مثيل في التاريخ العربي الحديث.

ويكبر حجم الأسئلة حينما نرى مثلاً هذا  التركيز الإعلامي والسياسي في المنطقة، على تفسير أي حدث فيها بشكلٍ طائفي أو مذهبي ثمّ توزيع المناطق والمنظمات والحركات السياسية العربية على قوالب طائفية ومذهبية.

إنّ استمرار التداعي في الانقسام عربياً ومواصلة الفرز الطائفي أو العرقي بين مجموعات الشعب الواحد في كل بلد عربي، هو مسؤولية عامة تشمل المجتمع ككل ويحمل المخاطر للأجيال المقبلة أيضاً.

إنّ المغامرة التي يقودها البعض في بلدان عربية متعددة من أجل تحويل الطوائف والمذاهب والأقليات العرقية إلى كياناتٍ سياسية منعزلة لن يكون مصيرها إلا نحر الطائفة أو المذهب أو الأقلية العرقية... وشواهد التاريخ عديدة على ذلك، يكفي أن نأخذ مثالاً حياً عاشه لبنان في فترة الثمانينات عندما حاولت إسرائيل دفع بعض المسيحيين في لبنان إلى التعامل معها وتحريضهم على إعلان دويلة خاصة بهم ثم المصير الدموي الذي اندفعت باتجاهه الأمور عقب صيف 1982 وحرب الجبل اللبناني...

ولنترك لمخيلتنا أن ترسم لوحة المستقبل فيما لو سارت المنطقة العربية باتجاه الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية… وكيف ستسيل أنهار من الدم وكم سيبلغ حجم الدمار والخسائر التي ستحدث في الأرواح والممتلكات ثمَّ الشرخ الاجتماعي الذي سينتج عن محصلة كل ذلك، وكيف ستكون النتائج السياسية والعملية التي سيحققها كل طرف إذا مشينا بنظرية التداعي في الانقسام والانشطار؟! فقد يكسب آنياً بعض الأشخاص والعملاء، لكن الثمن سيكون باهظاً جداً على حساب الشعب كله والطوائف كلها والمذاهب كلها. فلا قدرة ولا إمكانية للحياة لأية دويلة ستقوم على أساس صراع طائفي أو مذهبي أو عرقي. فعندما يتفجّر الصراع الطائفي والعرقي، تتوقف فوراً الصراعات الاجتماعية، بحيث يتقاتل الفقراء مع بعضهم البعض على أساس انقسامهم الديني أو العرقي.. وستتوقف أيضاً المعارك التحررية والوطنية، لأن العدو سيكون في الطائفة الأخرى أو المذهب الآخر، وسيترحم الكثيرون على اتفاقيات "سايكس- بيكو" التي قسّمت البلاد العربية في مطلع القرن العشرين!. 

فالدرس الذي تعلمه الأعداء جيداً، هو أن التقسيم الجغرافي والسياسي، قد يقيم الحواجز والحدود بين الدول بالحبر الأحمر، لكنه لا يلغي وحدة الشعوب، بينما التقسيم الديني والعرقي يفسخ الناس ويجعل الحدود بينها بالدم الأحمر.

***

في شباط/فبراير 1982، نشرت مجلة "اتجاهات" التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية في القدس، دراسة للكاتب الصهيوني أوديد بينون (مدير معهد الدراسات الاستراتيجية) تحت عنوان "استراتيجية لإسرائيل في الثمانينات" وجاء فيها: "إنّ العالم  العربي ليس إلا قصراً من الأوراق بنته القوى الخارجية في العشرينات، فهذه المنطقة قُسّمت عشوائياً إلى 19 دولة تتكوّن كلّها من مجموعاتٍ عرقية مختلفة ومن أقلّياتٍ يسودها العداء لبعضها (...) وأنّ هذا هو الوقت المناسب لدولة إسرائيل لتستفيد من الضعف والتمزق العربي لتحقيق أهدافها باحتلال أجزاء واسعة من الأراضي المجاورة لها وتقسيم البعض الآخر إلى دويلات على أساس عرقي وطائفي".

ثمّ تستعرض دراسة أوديد بينون صورة الواقع العربي الراهن، والاحتمالات الممكن أن تقوم بها إسرائيل داخل كل بلد عربي من أجل تمزيقه وتحويله إلى شراذم طائفية وعرقية.

وهذا المشروع الاستراتيجي لإسرائيل في الثمانينات، بدأ تنفيذه فعلاً من خلال لبنان والاجتياح الإسرائيلي له صيف عام 1982 ثمّ إشعال الصراعات الطائفية والمذهبية خلال فترة الاحتلال وفي أكثر من منطقة لبنانية.

وفي 11 آب/أغسطس 1982، أي خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، قال رئيس حزب العمل الإسرائيلي شيمون بيريز ما نصّه الحرفي: "إنّنا لا نريد وتحت أية ظروف أن نتحوّل إلى شرطي في لبنان، ولكن الحل الأقرب للتحقيق بالنسبة لمستقبل لبنان هو تقسيمه وإعادته مصغّراً إلى الحدود التي كان عليها قبل الحرب العالمية الأولى أي إلى نظام متصرفية جبل لبنان".

وفي عام 1982 أيضاً أعلن أرييل شارون أنّ نظرية "الأمن الإسرائيلي" تصل إلى حدود إيران وباكستان!

***

هذا العرض المختصر للمخطط الصهيوني في المنطقة العربية يعني أنّه مهما طال الزمن ومهما تغيّرت الحكومات الإسرائيلية من حيث طبيعتها وأشخاصها، فإنّ تنفيذ المخطط يبقى مستمراً حتى يحقّق أهدافه الكاملة.

وما يقوله الزعماء الصهاينة عن مخططاتهم لا يعني التنبؤ أو التنجيم، بل هو ممارسة الأسلوب العلمي في الصراع حيث هناك دائماً حركة يومية وخطط عملية لتنفيذ استراتيجية تخدم الغاية النهائية الموضوعة سلفاً. وكلّ مخطّط في أي صراع عليه مراعاة عنصريْ "الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة" لاستخدامهما واستغلالهما لصالح المخطط وإنجاحه.

إن العرب هم ضحيّة غياب التخطيط العربي الشامل مقابل وجود المخطط الصهيوني والأجنبي الشامل لكل بلدان المنطقة. فيكون العرب دائماً "ردّة فعل" على "الفعل" الإسرائيلي أو الأجنبي الذي يتوقّع سلفاً (بحكم التخطيط العلمي) ماهية ردود الأفعال العربية قبل أن تقع لتوظيفها في إطار المشاريع والخطط الأجنبية والإسرائيلية.

فكيف يمكن وقف هذا الانحدار نحو مزيد من التقسيم للأوطان والشعوب وتجنّب الوقوع في الأفخاخ المرسومة للمنطقة العربية؟

إنّ الإجابة عن ذلك لا تتوقّف على فردٍ أو جماعة أو طائفة بأسرها، وإنّما المسؤولية تشمل العرب جميعاً من المحيط إلى الخليج وفي كلّ بقعةٍ بالعالم يعيش عليها أبناء البلدان العربية.

فالمسؤولية تبدأ عند كلّ فرد عربي، وهي مسؤولية كلّ عائلة في أن تفرِّق خلال تربية أولادها بين الإيمان الديني وبين التعصّب الطائفي والمذهبي الذي يرفضه الدين نفسه.

وهي مسؤولية كلّ طائفة أو مذهب، بأن يدرك أتباع هذه الطائفة أين تقف حدود الانتماء إلى طائفة، فلا نرد على الحرمان من امتيازاتٍ سياسية واجتماعية، أو من أجل التمسّك بها، بتحرّكٍ يحرمنا من الوطن كلّه بل ربّما من الوجود على أرضه.

والمسؤولية تشمل أيضاً الأنظمة كلّها والمنظمات العربية كلّها التي استباحت لنفسها استخدام التناقضات الدينية أو العرقية في صراعها مع بعضها البعض أو من أجل تحقيق مكاسب سياسية آنية لها.

وعلى الجميع أيضاً، تقع مسؤولية فهم ما يحصل بأسبابه وأبعاده السياسية، وليس عن طريق المعالجة الطائفية والمذهبية لتفسير كل حدثٍ أو قضية أو صراع ...

إن المعرفة الأفضل لكل من الدين والعروبة، والعرض السليم لهما من قبل المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، سيساهم بدون شك في معالجة الإنقسامات الطائفية والعرقية في المنطقة العربية.

كذلك، فأن البناء الدستوري السليم الذي يحقق العدالة والمساواة بين أبناء الوطن الواحد ويضمن الحريات العامة للأفراد والجماعات، هو السياج الأنجع لوحدة أي مجتمع.

وليكن المعيار دائماً في كلِّ كلمةٍ أو عمل أو حركة أو صراع، السؤال التالي: ماذا يخدم ما نقوله أو ما نفعله وإلى أين يمكن أن نصل؟

ففي المعارك والصراعات تكون الأعمال بالنتائج وليس بالنيّات!!

تشرين الأول/أكتوبر 2005

 

 

امتحان للمواطنة!

 

ما يحدث حاليّاً في عدد من البلاد العربيّة هو امتحان جدّي وصعب لهذه الأوطان من حيث قدرتها على التّعامل مع الشّروخ والانقسامات الّتي تنتشر كالوباء في جسمها الواهن، وما فيه أصلاً من ضعف مناعة.

صحيح أنّ هناك قوى خارجيّة تعمل على تأجيج الصّراعات الدّاخليّة العربيّة، وأنّ هناك مصلحة أجنبيّة وإسرائيليّة في تفكيك المجتمعات العربيّة، لكن العطب أساساً هو في الأوضاع الدّاخليّة الّتي تسمح بهذا التدخّل الخارجي، الإقليمي والدولي.

إنّ البلاد العربيّة لا تختلف عن المجتمعات المعاصرة من حيث تركيبتها القائمة على التّعدّديّة في العقائد الدّينيّة والأصول الإثنيّة، وعلى وجود صراعات سياسيّة محليّة. لكن ما يميّز الحالة العربيّة هو حجم التّصدّع الداخلي في أمّة تختلف عن غيرها من الأمم بأنّها أرض الرّسالات السماويّة، وأرض الثّروات الطّبيعيّة، وأرض الموقع الجغرافي الهام. وهذه الميزات الثلاث كافية لتجعل القوى الأجنبيّة تطمح دائماً للاستيلاء على هذه الأرض أو التحكّم بها والسّيطرة على مقدّراتها.

          وقد كان من الطّبيعي أن تمارس القوى الأجنبيّة الطامعة بالأرض العربيّة، سياسة "فرّق تسد"، وبأن تفكّك الأمّة إلى كيانات متصارعة فيما بينها وفي داخل كل منها، وبأن تزرع في قلب هذه الأمّة جسماً غريباً يقوم بدور الحارس لهذا التّفكّك، فأصبحت الأمّة العربيّة تبعاً لذلك، رهينة لمخطّطات الخارج ولأجندة خاصّة أيضاً بهذا الجسم الغريب المزروع في قلبها.

لكن هل يجوز إلقاء المسؤوليّة فقط على "الآخر" الأجنبي أو الإسرائيلي فيما حدث ويحدث في بلاد العرب من فتن وصراعات طائفيّة وعرقيّة؟! أليس ذلك تسليماً بأنّ العرب جثّة هامدة يسهل تمزيقها إرباً دون أي حراك أو مقاومة؟

إنّ إعفاء النّفس العربيّة من المسؤوليّة هو مغالطة كبيرة تساهم في خدمة الطّامعين بهذه الأمّة والعاملين على شرذمتها، فعدم الاعتراف بالمسؤوليّة العربيّة المباشرة فيه تثبيت لعناصر الخلل والضّعف وللمفاهيم الّتي تغذّي الصّراعات والانقسامات.

إنّ غياب الولاء الوطني الصّحيح في معظم البلاد العربيّة مردّه ضعف مفهوم الانتماء للوطن وسيادة الانتماءات الفئويّة القائمة على الطّائفيّة والقبليّة والعشائريّة. ويحصل الضّعف عادةً في الولاء الوطني حينما تنعدم المساواة بين المواطنين في الحقوق السّياسية والاجتماعيّة، وحينما لا تكون هناك مساواة أمام القانون في المجتمع الواحد.

أيضاً، إنّ غياب الفهم الصّحيح للدّين والفقه المذهبي وللعلاقة مع الآخر أيّاً كان، هو البيئة المناسبة لأي صراع طائفي أو عرقي يُحوّل ما هو إيجابي قائم على الاختلاف والتنوّع والتّعدّد إلى عنف دموي يُناقض جوهر الرّسالات السّماويّة والحكمة أصلاً من وجودها على الأرض!

          أيضاً، إنّ الحكومات العربيّة مارست بعد نشأة جامعة الدّول العربيّة منذ ستة عقود، مفهوم "الخيمة" في العلاقات بين الدول العربيّة وليس مفهوم "العمارة" الّذي مارسته والتزمت به دول المجموعة الأوروبيّة. ففي "خيمة" العلاقات الرّسميّة العربيّة إمّا الاتفاق على كل شيء أو التّصارع في "الخيمة" وهدمها على من فيها!

          في تجربة "السّوق الأوروبيّة المشتركة"، لّتي تزامنت نشأتها مع تأسيس جامعة الدول العربيّة عقب الحرب العالميّة الثانية، جرى تطبيق مفهوم "العمارة" الّتي تحتاج أوّلاً إلى أساس متين سليم وصلب، ثمّ في كل في كل حقبة زمنيّة، وبعد توفّر ظروف وإمكانات مناسبة، يتمّ بناء الطّابق تلو الطّابق في "عمارة" وصلت الآن إلى صيغة "الاتحاد الأوروبي" بينما يتراجع دور الجامعة العربيّة ويبقى أسير مفهوم "خيمة الحكومات"!

          وحينما يختلف الأوروبيّون على تفاصيل "طابق" جديد في "عمارتهم"، فإنّهم لا يهدمون "العمارة" كلّها بل يوقفون بناء هذا "الطابق" الجديد لفترة زمنيّة (كما حصل مؤخّراً في الاستفتاء على صيغة دستور الاتّحاد الأوروبي) إلى حين توفّر ظروف أفضل أو إعداد رسم هندسيّ جديد !

هؤلاء الأوروبيّون عاشوا حروباً دمويّة طاحنة داخل مجتمعاتهم وبين بلدانهم المتعدّدة الأعراق والثقافات والطوائف، لكنّهم أدركوا أهميّة التصالح والاتّحاد فيما بينهم على أسس سليمة لمجتمعات ديمقراطيّة تفصل بين خصوصية الشّرائع الدينيّة عند الأفراد وبين عموميّة السلطات المدنيّة، فلا يكره المواطن مواطناً آخر على معتقد، ويتساوى الجميع أمام القانون المدني المشترك.

المجتمعات الأوروبيّة أخذت بخلاصات الفيلسوف المسلم ابن رشد ومدرسته العقلانيّة، وبما أنتجته الحضارة العربيّة والإسلاميّة في الأندلس، بينما المجتمعات العربيّة تعود الآن في بعض مفاهيمها والكثير من سلوكيّات شعوبها إلى عصر الجاهليّة بكل معانيه!

          البلدان الأوروبيّة اختارت الحفاظ على خصوصيّاتها الوطنيّة والثّقافية ضمن مظلّة التكامل والتوحّد القارّي الأوروبي، فلم تجد ضرراً في الجمع بين الهويّة الوطنيّة وبين التكامل الأوروبي. بينما البلدان العربيّة الّتي تجمعها الهُويّة الثّقافية العربيّة الواحدة، تنحدر نحو التّمزّق الداخلي وتغليب الفئويّات الضّيّقة المصطنعة على الأفق الطّبيعي المشترك.

     

الشّعوب الأوروبيّة خلصت إلى قناعة بضرورة نبذ العنف بين بلدانها وداخل مجتمعاتها الخاصّة، واعتماد النّهج الديمقراطي في الحكم والعلاقات بين المواطنين والأوطان، بينما تزداد ظواهر العنف الدّاخلي في أرجاء المنطقة حتّى داخل بلدانها الخاضعة للاحتلال..

فكم هو مؤسف هذا المزيج اليومي من الأخبار القادمة من العراق أو فلسطين حيث الضّحايا هم خليط من ممارسات الاحتلال ومن الصّراعات الفئويّة المحليّة! وأصبح لازماً أن نميّز في أخبار القتلى والجرحى بين رباعيّات العنف المستخدم في البلد الواحد، كما العراق، حيث امتزجت عمليّات المقاومة مع ضحايا الاحتلال والإرهاب والحرب الأهليّة!!

 

إنّ الحروب الأهليّة هي طاحونة الأوطان في كل زمان ومكان. وهاهي المجتمعات العربيّة أمام تحدٍّ خطير يستهدف كل من وما فيها. هو امتحان جدّي لفعل المواطنة في كل بلد عربي إذ لا يمكن أن يقوم وطن واحد على تعدّدية مفاهيم المواطنة. وحينما يسقط المواطن في الامتحان يسقط الوطن بأسره.                 

 

حزيران/يونيو 2006

 

:لقراءة مقالات سابقة عن مواضيع مختلفة، الدخول الى هذا الموقع
http://www.alhewar.net/Sobhi%20Ghandour/OtherArabicArticles.htm

=============================================================
 

We hope you will visit (http://www.alhewar.com) frequently
(and tell your friends about us too!).

Best regards,

Al-Hewar
--------------------------------------------------
مركز الحوار بحاجة إلى دعمكم ..
 
يمكنكم الإشتراك في الحوار ودعم المركز من خلال
الدخول الى موقع  الحوارعلى الانترنت
http://www.alhewar.com/support.html

Now you can pay for your subscription to Al-Hewar Center or
Al-Hewar Magazine with a credit card (using PayPal):
http://www.alhewar.com/support.html

-------------------------------------------------
AL-HEWAR CENTER
مركز الحوار العربي
MAILING ADDRESS: P.O. Box 2104, Vienna, Virginia 22180 - U.S.A.
Telephone:  (703) 281-6277 
E-mail:
alhewar@alhewar.com 
===================================================================
__________________________________________________________________
Questions and comments may be sent to alhewar@alhewar.com If
you wish to be removed from our mailing list, please reply to this
e-mail and type "Remove" in the subject box