التنمية المستدامة والأمن الإنساني في العالم العربي (*) (1)

الدكتور عبدالله تركماني

 

 

تنطوي الحياة العالمية المعاصرة على أكثر من دلالة حقوقية وسياسية تشكل، في وجه من وجوهها، فلسفة قوامها الإنسان الذي يتعين تحريره من الظلم والاستبداد  والخوف، وهدفها ضمان الحرية والمساواة والتضامن والتنمية الشاملة المستدامة، وأداتها إرساء دولة الحق والقانون.

إنّ البعد الشامل والتكاملي والمستديم في التنمية يحيل إلى حلقات مترابطة في معاني المفهوم الجديد للأمن الإنساني وشروطه:

-             تنمية وعي المواطن كإنسان مسؤول للمشاركة في الشأن العام.

-             اعتبار مستوى التعليم ومستوى الصحة ومستوى الوعي البيئي ومستوى المشاركة معايير أساسية في درجات التنمية المستدامة.

ففي أحد أهم الدراسات الاستراتيجية الاستشرافية تم تحديد المخاطر والتحديات التي ستواجه الإنسانية في العقود القادمة في خمسة عشر تحدياً، وكان أهم ما ورد فيها وذو صلة بموضوعنا: كيف يمكن تحقيق التنمية المستدامة ؟ وكيف يمكن إقامة التوازن بين السكان والموارد ؟ وكيف يمكن صياغة القرارات الصحيحة في الوقت الذي تتغير فيه معالم المؤسسات وطبيعة العمل ؟

ولمّا كان البشر هم موضوع التنمية، بهم تتم ومن أجلهم تُنْجَزُ، فمن الطبيعي، في سياق دراستنا للتنمية المستدامة والأمن الإنساني في العالم العربي، أن نحاول التعرّف على مدى تلبية الاحتياجات الأساسية للشعوب العربية ( التغذية، الإسكان، التعليم، الصحة، الثقافة، النقل، الاتصال والإعلام ). وكذلك مدى مشاركتها في التنمية، من حيث فرص العمل وتوزيع الدخل والثروة والمشاركة في اتخاذ القرارات.

التنمية المستدامة

لعل مقولة التنمية أمست اليوم محوراً مشتركاً لمعظم العلوم الإنسانية وتطبيقاتها، وقد عرّف إعلان " الحق في التنمية " الذي أقرته الأمم المتحدة في العام 1986 عملية التنمية بأنها " عملية متكاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، تهدف إلى تحقيق التحسن المتواصل لرفاهية كل السكان وكل الأفراد، والتي يمكن عن طريقها إعمال حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ". وهناك الكثير من التعريفات للتنمية المستدامة، والتعريف المتفق عليه هو " التنمية المستدامة هي التنمية التي تفي باحتياجات الحاضر دون التقليل من قدرة أجيال المستقبل على الوفاء باحتياجاتها ".

إنّ التنمية المستدامة تهدف إلى التوافق والتكامل بين البيئة والتنمية من خلال ثلاثة أنظمة هي‏:‏ نظام حيوي للموارد‏،‏ و نظام اقتصادي‏،‏ و نظام اجتماعي‏.‏ ويعني النظام الأول القدرة على التكيّف مع المتغيّرات الإنتاجية البيولوجية للموارد لعملية التخليق والإنتاج، لتكوين الموارد الاقتصادية بطريقة منظمة وليس جائرة الاستخدام‏.‏ أما النظام الاجتماعي فيعني توفير العدالة الاجتماعية لجميع فئات المجتمع.‏ وأخيراً النظام الاقتصادي، وهو يعني القدرة علي تحقيق معادلة التوازن بين الاستهلاك والإنتاج لتحقيق التنمية المنشودة التي تهدف إلى‏:‏ التحسن المستمر في نوعية الحياة‏، ‏والقضاء علي الفقر المدقع داخل المجتمع‏،‏ والمشاركة العادلة في تحقيق مكاسب للجميع‏،‏ و تحسين إنتاجية الفقراء‏،‏ وتبنّي أنماط إنتاجية واستهلاكية مستحدثة‏،‏ والانضباط في الأساليب والسلوكيات الحياتية للمجتمع‏.‏

إنّ التنمية المستدامة عملية مجتمعية يجب أن تساهم فيها كل الفئات والقطاعات والجماعات بشكل متناسق، ولا يجوز اعتمادها على فئة قليلة، ومورد واحد. فبدون المشاركة والحريات الأساسية لا يمكن تصوّر قبول الشعب بالالتزام الوافي والخلاّق بأهداف التنمية وبأعبائها والتضحيات المطلوبة في سبيلها، أو تصوّر تمتعه بمكاسب التنمية ومنجزاتها إلى المدى المقبول، كما لا يمكن تصوّر قيام حالة من تكافؤ الفرص الحقيقي وتوّفر إمكانية الحراك الاجتماعي والتوزيع العادل للثروة والدخل.

ومن هنا اكتسب مفهوم التنمية البشرية رواجاً كبيراً منذ العام 1990 بتبنّي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مضموناً محدداً ومبسطاً له، شمل ثلاثة أبعاد: أولها، خاص بتكوين القدرات البشرية، مثل رفع مستوى الرعاية الصحية وتطوير القدرات المعرفية. وثانيها، يتعلق باستخدام البشر لهذه القدرات للاستمتاع في الحياة وزيادة إنتاجية العمل. وثالثها، ينصرف إلى نوع ومستوى الرفاه الإنساني بجوانبه المختلفة.

ولعله من المفيد التركيز على العناصر الأساسية التالية كمؤشرات للتنمية المستدامة:

(1)- التنمية عملية وليست حالة، وبالتالي فإنها مستمرة ومتصاعدة، تعبيراً عن تجدد احتياجات المجتمع وتزايدها.

(2)- التنمية عملية مجتمعية، يجب أن تساهم فيها كل الفئات والقطاعات والجماعات، ولا يجوز اعتمادها على فئة قليلة أو مورد واحد.

(3)- التنمية عملية واعية، وهذا يعني أنها ليست عملية عشوائية، وإنما عملية محددة الغايات، ذات استراتيجية طويلة المدى، وأهداف مرحلية وخطط وبرامج.

(4)- التنمية عملية موجهة بموجب إرادة تنموية، تعي الغايات المجتمعية وتلتزم بتحقيقها، وتمتلك القدرة على تحقيق الاستخدام الكفء لموارد المجتمع، إنتاجاً وتوزيعاً، بموجب أسلوب حضاري يحافظ على طاقات المجتمع.

(5)- إيجاد تحولات هيكلية، وهذا يمثل إحدى السمات التي تميّز عملية التنمية الشاملة عن عملية النمو الاقتصادي. وهذه التحولات - بالضرورة - تحولات في الإطار السياسي والاجتماعي، مثلما هي في القدرة والتقنية والبناء المادي للقاعدة الإنتاجية.

(6)- بناء قاعدة وإيجاد طاقة إنتاجية ذاتية، وهذا يتطلب من عملية التنمية أن تبني قاعدة إنتاجية صلبة وطاقة مجتمعية متجددة لم تكن موجودة قبلا. وأن تكون مرتكزات هذا البناء محلية ذاتية، متنوعة، ومتشابكة، ومتكاملة، ونامية، وقادرة على مواجهة التغيّرات في ترتيب أهمية العناصر المكونة لها، على أن يتوفر لهذه القاعدة التنظيم الاجتماعي السليم، والقدرة المؤسسية الراسخة، والموارد البشرية المدربة والحافزة، والقدرة التقنية الذاتية، والتراكم الرأسمالي الكمي والنوعي الكافي.

(7)- تحقيق تزايد منتظم، بمعنى أنه ينبغي أن يكون تزايداً منتظماً عبر فترات زمنية طويلة، وقادراً على الاستمرار في المدى المنظور، وذلك تعبيراً عن تراكم الإمكانيات واستمرارية تزايد القدرات وإطلاق الطاقات وتصاعد معدلات الأداء المجتمعي، وليس تعبيراً عن تغيّرات متأرجحة تلقائية المصدر غير متصلة السبب.

(8)- زيادة في متوسط إنتاجية الفرد، وهذا يمكن التعبير عنه بالمؤشر الاقتصادي المعروف " تزايد متوسط الدخل الحقيقي للفرد " إذا ما أخذ بمعناه الصحيح، وإذا ما توفرت له إمكانية القياس الصحيح.

(9)- تزايد قدرات المجتمع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتقنية هو الوسيلة لبلوغ غاياته، وهذا التزايد الذي يجب أن يكون متصاعداً، يجب في الوقت نفسه أن يكون بالقدر النسبي المقارن بالنسبة للمجتمعات الأخرى.

(10)- الإطار الاجتماعي - السياسي، ويتضمن آلية التغيير وضمانات استمراره. ويتمثل ذلك في نظام الحوافز القائم على أساس الربط بين الجهد والمكافأة، إضافة إلى تأكيد انتماء الفرد لمجتمعه من خلال تطبيق مبدأ المشاركة بمعناها الواسع، وكذلك جانب العدالة في توزيع ثمرات التنمية وتأكيد ضمانات الوجود الحيوي للأفراد والجماعات، وللمجتمع نفسه. فهذه الجوانب، بالإضافة إلى كونها تمثل أهداف التنمية، هي في الوقت نفسه مصدر قوة وسائلها وفاعلية وكفاءة أدائها.

ومما لا شك فيه أنّ السياسات السكانية تؤثر على التنمية، إذ تلتقي السياسات السكانية مع سياسات التنمية في الأهداف والغايات الطويلة المدى، كما تلتقي معها في سعيها إلى تحسين نوعية الحياة والارتقاء بمستوى الإنسان، من خلال الاهتمام بتلبية احتياجات الأفراد، وتحقيق التوازن بين السكان والموارد المتاحة، مع الاهتمام بتنمية الموارد البشرية.

 

الأمن الأنساني

الأمن الإنساني يتجسد في صون كرامة الإنسان، وفي تلبية احتياجاته‏ المادية‏ والوجدانية. و‏هي احتياجات تعبر عن نفسها ضمن إطار التنمية بمفهومها الشامل‏،‏ الذي تتداخل فيه الأبعاد الإنسانية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية‏.‏

إنّ الحديث عن الأمن الإنساني يقتضي التعرّف على أهم تحديات الأمن الجماعي، وإبراز الترابط بين التهديدات المعاصرة التي يتعرض لها نظام الأمن الجماعي مثل الإرهاب والحروب الأهلية وبين الفقر والتنمية‏.‏  وفي هذا السياق تبنت الأمم المتحدة إعلان الألفية الثالثة في شأن التنمية في سبتمبر/أيلول 2000، وتضمن ثمانية أهداف أساسية تصبو إليها البشرية، من أجل عيش أفضل، تحققها الدول خلال الفترة الممتدة بين 1990 - 2015، وتتمثل في: القضاء على الفقر المدقع والجوع، تحقيق تعميم التعليم الابتدائي، تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وخفض معدلات وفيات الأطفال دون الخامسة، تحسين صحة الأمهات، مكافحة مرض نقص المناعة (الإيدز) والملاريا وغيرهما من الأمراض، ضمان الاستدامة البيئية وتطوير شراكة دولية من أجل التنمية.

إشكاليات التنمية في العالم العربي

عندما صدر التقرير الثالث حول التنمية الإنسانية في العالم العربي في العام 2005، كان محتواه مفاجئاً لغير المطلعين علي الواقع العربي، وشعر الكثيرون بالصدمة من حالة الجمود والتأخر في مجال التنمية الإنسانية. إذ يقول التقرير: لقد توسعت أزمة التنمية العربية وتعمقت وأصبحت أكثر تعقيداً، ولم تعد الإصلاحات الجزئية، مهما تعددت، فاعلة أو ممكنة، وربما لم تكن كذلك.

أهم التحديات التي تواجه التنمية العربية في عصر العولمة

بعد حرب الخليج الثانية في العام 1991 وتداعياتها دخلت المنطقة العربية مرحلة جديدة توضحت فيها مشاكل أساسية تعترض عملية التنمية الشاملة، أو ما يمكن أن نطلق عليه: تحديات التنمية في العالم العربي، التي تتركز في أزمة المياه والغذاء والبطالة، وعدم تنفيذ المشاريع التنموية، والأزمات السياسية المستمرة، وارتفاع النمو الديمغرافي، وتدني مستوى الخدمات، وتزايد المديونية الخارجية، وانهيار أسعار بعض المواد الأولية. إضافة إلى تحديات أخرى جديدة، تتمثل في:

(1)- الثورة الصناعية الثالثة ( ثورة المعلوماتية ووسائل الاتصال والإلكترونيات الدقيقة ).

(2)- في ظاهرة التكتلات الاقتصادية الكبرى والنظم الإقليمية الوظيفية ( أوروبا الموحدة، والتكتل الآسيوي، واتفاقية دول أمريكا الشمالية " نافتا "... )، التي أصبحت تمثل أهم اتجاه في العلاقات الدولية لمرحلة ما بعد الحرب الباردة.

(3)- تعاظم دور الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، التي تسعى إلى المزيد من الأسواق العالمية.

(4)- تفاقم حالة استنزاف الموارد المالية والبشرية العربية، فأموالنا مستمرة في التدفق نحو المراكز العالمية الكبرى، إما ردّاً لديون متراكمة وإما تسديداً لثمن سلاح، أو بقصد الاستثمار هناك.

(5)- الأبعاد الاقتصادية للنظام الإقليمي الشرق أوسطي المطروح في إطار التسوية العربية - الإسرائيلية، فمن المؤكد أنه في ظل الترتيبات الاقتصادية  الشرق أوسطية  والتوزيع غير المتكافئ لمكاسب " السلام " فإنّ إسرائيل ستصبح هي المركز ومحطة الضخ الرئيسية، بينما تشكل البلدان العربية الأطراف، خاصة في ظل غياب نظام عربي جماعي يحافظ على الحد الأدنى من شروط التنمية المتوازنة.

كما أنّ التنمية المستدامة التي تسعى إلى تحقيق حاجات العالم العربي حاضراً وتأمين استمرارها مستقبلاً، بما هي نمط ثقافي له أبعاد اجتماعية واقتصادية وبيئية ومؤسساتية، تواجه اليوم تحديات وعقبات على مستوى ثقافة التنمية السائدة وعلى مستوى المؤسسات وإدارة الشؤون العامة في كل قطر عربي، وهذه التحديات هي:

1 - أزمة المشاركة في العالم العربي، وهنا لا نريد أن نثير الجانب السياسي من المسألة بشكل مباشر، بل جانب إشراك كل الناس، وكل فئات المجتمع في أية عملية تنمية فعلية وصحيحة، لأنه من أول شروط تحقيق التنمية واستدامتها، مشاركة أبناء المجتمع كافة فيها، مشاركة الناس في نقاش الخيارات المتاحة، وشعورهم بأنّ لهم دوراً ورأياً وحضوراً في هذه المسألة، بل شعورهم بأنّ هذه العملية تمثل تطلعاتهم ومصالحهم في الحاضر والمستقبل.

2 - ضعف هيئات المجتمع المدني، فبالرغم من وجود العديد من المؤسسات المهنية والنقابية والعمالية والبيئية والاجتماعية والثقافية، التي تقوم بنشاطات قيّمة في مجال الحفاظ على البيئة وحقوق الإنسان ومسائل اجتماعية واقتصادية مختلفة، إلا أنّ هذه المؤسسات ما زالت دون حجم التحديات والحاجات القائمة.

3 - هيمنة المركزية وضعف الحياة البلدية أو المجالس المحلية، إذ تتميز الأنظمة الإدارية العربية - بشكل عام - بهيمنة أجهزة الدولة المركزية على حياة الهيئات المحلية من بلديات ومجالس أو إدارات مستقلة، وبضعف اللامركزية الإدارية.

4 - ضعف حضور دولة الحق والقانون، فمسألة تعادل الفرص والمساواة أمام القانون مسألة حيوية جداً، وهي تشعر المستثمرين والمواطنين بالطمأنينة والاستمرار في عملية التنمية، وبدونها يسيطر جو من انعدام الثقة بين المواطنين وأجهزة الدولة، وهو ما يولّد قلقاً اجتماعياً عميقاً يعيق أية عملية تنموية فعلية.

5 - الطبيعة الريعية للاقتصاديات العربية، وهي أحد مظاهر الضعف ومصادر أزمة التنمية العربية، الأمر الذي يتطلب صياغة استراتيجية فعالة لنقل الاقتصاديات العربية من طبيعتها الريعية إلى الطبيعة الإنتاجية، القائمة على أساس تنويع الدخل وزيادة القدرة التنافسية في الاقتصاديات العربية.

أما الجوانب الأخرى التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار فهي السياسة الاقتصادية الكلية لهذه البلدان، التي تعاني ضعف المساءلة وضعف الرقابة وعدم توفّر آليات لرسم سياسات اقتصادية سليمة، وهي جزء من أزمة المؤسسات في العالم العربي. خاصة أنه لا يوجد في عالمنا العربي أسلوب عمل الفريق، ولذا لا نجد الأنظمة السياسية والاقتصادية تبحث عن التكامل والشراكة في مجال الصالح العام بل كل فرد أو مجموعة يعمل لصالحه الخاص. إنّ غياب هذا النمط من التفكير على المستوى السياسي المجتمعي والأسري يؤثر على عملية التنمية التي تحتاج دوماً إلى تضافر الجهود العامة والخاصة.

 

تونس في 14/9/2006                      الدكتور عبدالله تركماني

                                      كاتب وباحث سوري مقيم في تونس
 
(*) – في الأصل ورقة قُدمت في إطار الدورة السنوية لمعهد العلاقات الدولية/جمعية الدراسات الدولية – تونس من 4 إلى 22 سبتمبر/أيلول 2006، ضمن محور " الأنسنة " – 15/9/2006 .