حوار مع الروائية والسياسية حسيبة عبد الرحمن

من خلال هذه المقابلة مع الروائية حسيبة عبد الرحمن يمكن لكم التعرف على تجربتها السياسية وباعها الطول في مجال الرواية

الروائية السورية حسيبة عبد الرحمن لـ (الزمان ) : من أين لي أن أجلب أبطالاً في زمن الهزائم؟

عاشت الروائية السورية حسيبة عبد الرحمن تجربة السجن الانفرادي والجماعي ثلاث مرات بتهمة الانتماء إلي حزب سياسي معارض ومحظور هو رابطة العمل الشيوعي السوري. وقد أمضت في السجن مدة سبع سنوات متفرقة قوّضت في داخلها أشياءً كثيرة لم تستطع أن ترمم بعضها حتي الآن. والطريف في الأمر أن حسيبة عبد الرحمن تتحدث عن (أدب السجون) بوصفه مرحلة مهمة جداً من مراحل الأدب في سوريا.

وقد توقفت عند أسماء رسخت هذا النوع الأدبي وتألقت فيه مثل نبيل سليمان، وإبراهيم صموئيل، وخلف الزرزور، وفرج البيرقدار وغيرهم. إن (أدب السجون) هو في حقيقة الأمر ليس ظاهرة غريبة في العالم العربي ولدينا شواهد كثيرة من الأسماء المعروفة نذكر منهم رؤوف مسعد وصنع الله إبراهيم وعبد الحكيم قاسم وكمال القلش ومحمد عفيفي مطر وعزيز السيد جاسم وسعدي يوسف وفاضل العزاوي وعبد الستار ناصر وحميد المختار وبرهان الشاوي وعبد اللطيف اللعبي وعبد القادر الشاوي وقاسم حداد وعشرات الأسماء الأخري التي لا يمكن حصرها في هذه المقدمة القصيرة. هؤلاء كلهم تعرضوا للسجن لمدد متفاوتة، وآخرون غيرهم تعرضوا للمساءلة والتحقيق والمثول أمام (محاكم التفتيش الجديدة) أمثال أحمد البغدادي وليلي العثمان ونصر حامد أبو زيد وسيد محمود القمني. بعضهم غادر البلاد مضطراً، وبعضهم الآخر ما زال مصراً علي البقاء برغم المخاطر التي تتهددهم. غير أن حسيبة عبد الرحمن تصر علي العودة إلي سورية برغم تواجدها في أوربا الآن لمواصلة مشوارها الأدبي. فبعد أن أصدرت رواية (الشرنقة) في بيروت تتهيأ الآن بعزم كبير لإصدار روايتها الثانية (تجليات) التي تدور أحداثها خارج فضاء السجن، خلافاً للرواية الأولي التي كرستها لعالم السجينات وفضاءات السجون الانفرادية المرعبة. كما وضعت اللمسات الأخيرة علي مجموعتها القصصية التي وصفتها بـ(الكوميديا السوداء). وعلي هامش الندوة التي نُظمت لها في مدينة أمستردام، التقها (الزمان) وكان لنا معها هذا الحوار الجريء.

- هل كتبت رواية ( الشرنقة) اعتماداً علي المخيلة والذاكرة الفردية، أم أن فيها صدي للقراءات والمؤثرات الأولي التي لم تغادرك بعد؟

ــ قسم كبير من رواية (الشرنقة) يعتمد علي التجربة الشخصية التي عشتها في السجن. وقسم آخر منها يعتمد علي ذاكرتي التي أعود بها إلي مراتع الطفولة الأولي الموزعة ما بين اتجاهين، اتجاه الريف، واتجاه المدينة. فأهلي هم سكان أرياف نقلوا موروثهم الاجتماعي والحياتي إلي المدينة. كنا نعيش في المدينة حالة ازدواجية في اللهجة والحياة العامة. في البيت كنا نمارس الطقوس القروية، وفي المدرسة والشارع كنا نحاول أن نمارس طقوساً مدينية. لذلك بقيت الذكريات تختلط مع بعضها بعضاً، ما بين ذاكرة أهلي وموروثهم الاجتماعي الريفي والديني، وما بين المدينة وطقوسها الخاصة. لذلك أستطيع القول إن الرواية تعتمد علي ذاكرة الطفولة، والقسم الآخر يعتمد علي ذاكرة السجن المريرة.

- ما الذي أضافته تجربة السجن إلي المبدعة الكامنة في داخلك؟ هل فجرت في داخلك معطيات اللغة أو ملكة التخييل؟

ــ بالتأكيد السجن يعطي فرصة كبيرة للتأمل، برغم أن شروطه المرعبة وفوضاه يضيّقان هذه الفسحة. مع ذلك كانت هناك فسحة هادئة للتأمل، والشرود، والذهاب بعيداً عن السجن. ولعل أيام السجن الانفرادي هي الأخطر. في ( المنفردة ) هناك دائماً وقت متسع، قاتل، ورتيب. وهذا الوقت لابد للمرء أن يعطله بأحلامه وكوابيسه وتخيلاته المختلفة، وذاكرته عن البيت والأهل والشارع والمدينة، أو عما يتوقعه أن يحصل في المستقبل القريب. هذه الأشياء مجتمعة دفعتني إلي الكتابة. إن الكتابة هي، في الحقيقة، ذاكرتي المنفردة التي تبلورت داخل السجن وخارجه.

- كيف تفسرين مفهوم الحرية بعد أن حجبوك سبع سنوات عن الحياة؟ وهل تعتقدين أن هذه الرواية هي رد كافٍ علي المصادرة والاستلاب الفظيع الذي تعانيه المرأة في العالم العربي؟

ــ الحرية دائماً هي أعلي قيمة للإنسان، وهي جوهر الإنسان الحقيقي، بل هي أهم جواهره. لذلك لا يمكن للمرء أن يتخلي عن هذه الجوهرة الحقيقية. وعليه أن يدافع عنها بأية وسيلة. وأعتقد أن ما قاله فولتير عن هذه القضية يعبّر تماماً عن رأيي في مسألة الحرية. السجن يجعل المرء يتحسس الحرية بشكل أكبر لأن حركته تضيق، وخياله يتحدد علي الرغم من أنه يحاول أن يسبح في الفضاءات، لكن هذه الفضاءات محدودة، ومحكومة بالشروط المكانية للسجن.

ما العوامل والمحفزات والظروف التي شجعتك للانتماء إلي رابطة العمل الشيوعي السوري، آخذين بنظر الاعتبار أن تعرّض المرأة للسجن يعّد كارثة اجتماعية بالمعني الحقيقي، وليس المجازي. كيف أقدمتِ علي مجازفة من هذا النوع؟ وما هي ردود فعل الأسرة بصدد اعتقالك ثلاث مرات متتالية؟

ــ إن سبب الانتماء إلي حزب شيوعي علماني هو حزب العمل الشيوعي أو ما كان يعرف سابقاً برابطة العمل الشيوعي هو استجابة لنزعة التمرد التي كانت تمور في داخلي. فنحن نعيش في بيئة مغلقة في الشرق، ومع ذلك ربما كان ظرفي أفضل من النساء الأخريات، لأن أسرتي ضيقة، وليس بيننا ذكور باستثناء أبي، هذا الموضوع أفسح لي مجالاً للحركة والتمرد، غير أن وضع المرأة بشكل عام ضيق وسيئ ومغلق، وتمارس ضدها كل أنواع الاضطهادات سواء الجسدية أو النفسية أو المعنوية. ربما يكون هذا الظلم هو الذي دفعني إلي الانتماء إلي حزب علماني، ومعارض، ومحظور، ويقر بالمساواة بين الرجل والمرأة، ورافض لشكل وطبيعة السلطة في سوريا، والتي تمارس كل أنواع القمع ضد مواطنيها. أما في ما يتعلق باعتقالي الأول فقد كان قاسياً ومأساوياً جداً، فأنا كنت وحيدتهم تقريباً. وقد بقيت أمي مدة طويلة تذهب كل يوم إلي موقف الحافل تنتظر عودتي، وعندما يئست قيل لها إنني اعتقلت وأصبحت سجينة.

- اين تضعين نفسك كروائية، بعد أن أصدرت روايتك الأولي (الشرنقة) بين الروائيين السوريين، والأدباء السوريين عموماً؟ هل تصنفين نفسك كأديبة معارضة، أم أنك تفضلين البقاء ضمن المشهد الأدبي السوري بكل أطيافه السياسية والاجتماعية؟

ــ هل أستطيع أن أصنّف نفسي أديبة أم لا؟ لا أدري. ربما أتمكن من ذلك بعد إصدار عملي الروائي الثاني (تجليات). فإذا لاقت هذه الرواية الجديدة نجاحاً معيناً فسوف أعتبر نفسي أديبة. أما قبل إصدار روايتي الثانية فلن أسمي نفسي روائية. روايتي الأولي تتحدث عن تجربة السجن علي الرغم من أن القرّاء قد قالوا إن لغتي جميلة ومؤثرة. أما في ما يتعلق بالمشهد الثقافي فأنا قطعاً كاتبة معارضة. وربما يكون عملي في مجال حقوق الإنسان قد أتاح لي قضايا خاصة ومعقدة قد لا تتاح للناس الآخرين.

- هل تعتقدين أن الرواية هي أكثر الأنواع الأدبية استجابة لتجربتك السياسية والاجتماعية والنفسية، أم أنك تفكرين بجنس أدبي آخر ربما يضيء تجربتك الإشكالية أكثر من الرواية؟

ــ في ما يتعلق بتجربة السجن كحالة عامة أعتقد أنها تحتاج إلي عمل روائي، أو ربما أكثر من عمل روائي لأن ظروف السجناء، وشروط السجن القاسية، والزاوية التي يمكن للأديب من خلالها أن يتناول إشكالية السجن. أضف إلي ذلك أنني كتبت عن تجربة النساء السجينات، وهي تجربة خاصة جداً لا تتعلق باليسار السياسي، وإنما تشمل تجربة السجن بأطيافه السياسية المختلفة التي امتدت من الأصولية الدينية، إلي البعث، إلي اليسار، وإلي شرائح سياسية واجتماعية كثيرة. هذا المناخ الواسع يتطلب أكثر من عمل روائي. أما بعض القضايا أو التجارب الصغيرة أو اللقطات الخاصة، فأنا أعتقد أنها تحتاج إلي أداة قصصية تلتقط هذه الحالات، وتدونها في إطار القصة القصيرة التي يمكن أن أسميها بالكوميديا السوداء. أنا علي الصعيد الشخصي كتبت أكثر من قصة في هذا الاتجاه، ولكنني لم أنشرها لحد الآن رغم أن لدي ما يكفي لإصدار مجموعة قصصية كاملة.

- لماذا نشرت روايتك الأولي في بيروت، ألم يكن بالإمكان نشرها في سوريا في ظل المتغيرات الجديدة التي وفرّت هامشاً ضيقاً للحرية؟ وهل كنت تتوقعين منعها في سوريا؟

ــ لم أنشر هذه الرواية في سوريا لأنني كنت مدركة تماماً أن الرقابة السورية لا توافق علي نشر مثل هذه الرواية، لذلك اضطررت إلي نشرها في بيروت، ومع ذلك فلم يرد اسم دار النشر علي ظهر الغلاف. أما رد فعل السلطات في سوريا فقد تمثل في استدعائي لما يقارب مدة ثلاثة أشهر لتفسير ما ورد فيها من رموز وإشارات حسب ادعائهم. وماذا أعني بهذه الفكرة أو تلك؟ ولماذا كتبتها بهذا الشكل وليس بشكل آخر؟ لكن ما أثار انتباهي حقاً هو ردة فعل المعارضة. إذ كانت ردة فعلهم قاسية وسلبية جداً. فقد اعتبروني في هذه الرواية أنني أريد أن أنشر غسيلاً، وأنا لم أقصد ذلك أبداً. أنا كتبت عن حياة السجينة بكل تفاصيلها، والسجن هو حياة لتفاصيل دقيقة ومؤلمة. وهذه هي وجهة نظري، وقد أكون مخطئة أو مصيبة. أما أن تكون ردة فعلهم عنيفة إلي درجة لا تختلف فيها عن ردة فعل السلطة فهذا أمر لافت للانتباه، ومثير للتساؤل. غير أن الفرق الوحيد هو أن السلطة تستطيع استدعائي، بينما لا تستطع المعارضة أن تفعل ذلك. ولهذا لجأت إلي سلخ جلدي بطريقة مغايرة. المعارضة يريدون أن تكون الرواية رواية أبطال، بينما كانت المرحلة مرحلة هزائم عسكرية وفكرية. فمن أين لي أن أجلب أبطالاً في زمن الهزائم؟

لا تريد المعارضة أن تعرّي النظام السياسي، وتكشف عن أخطائه وعيوبه؟

ــ لأقدّم تفسيراً أوضح. أنا لا أقصد المعارضة كلها، وإنما أعني أطرافاً محددة في المعارضة. وهذه التجربة قد تمس شخصيات معينة، وأعتقد أنهم لا يريدون الكشف عنها أو تعريتها. فنحن علي ما يبدو لدينا نزعة باطنية في الأشياء كلها، وليس في السياسة أو السلطة فقط، وهذه النزعة لا تميل إلي كشف المستور. في ما يتعلق بعملي الروائي كان كشفاً لتجربة السجن. فالسجن هو السجن، وليس شيئاً آخر. ضع فأرة أو قطة في غرفة واغلق عليها الباب، وترقّب ردة فعلها، فما بالك بالإنسان المحاصر في فضاء ضيق تحتشد فيه التفاصيل الصغيرة والتافهة والممضة إلي حد اللعنة؟

إن البطولة الجماعية هي السمة الأساسية في روايتك. فما هو وجه الاعتراض علي طبيعة هذه البطولة النابعة من حيّز واقعي؟

ــ الرواية تتناول عدة شخوص، وهم يمثلون نماذج بشرية مختلفة. ربما أكون قد أخطأت في اختيارها، لكنها نماذج نابعة من قلب السجن، وليس من مكان آخر. لقد تحدثت عن رغباتهم وميولهم وظروفهم الحياتية، كما غصت في أعماقهم، وتعرفت علي أوضاعهم النفسية التي تمتد من الفرح إلي الحزن، ومن الانشراح إلي الكآبة، ومن القوة إلي الضعف. تحدثت عن الأمهات اللواتي كنّ في السجن، بينما كانت بناتهن خارج السجن. تناولت أطيافاً وشرائح اجتماعية مختلفة، لكنني لا أدري إن كنت نجحت أم أخفقت، ولكنني قطعاً لم أنشر غسيل أحد عن قصد.

هل تعتقدين أن تجربة السجن قد حطمت في داخلك أشياءً محددة، أم أنها أمدتكِ بزخم كبير لمواصلة الحياة برغم الإحباطات النفسية التي تعرضت لها؟ وهل تعتقدين أن العالم العربي مؤهل لإنتاج ما يسمي بأدب السجناء والمعتقلين، في حين أن الشعوب الأخري بدأت تؤدب أنظمتها، وتشذب مخالب القمع والإرهاب، وتجبرها علي ممارسة الحياة الحضارية التي بدأت تمد أجنحتها علي بقاع واسعة من هذا العالم؟

ــ السجن لابد أن يحطّم أشياءً جميلة داخل الإنسان المُعتقل، ومن يقول غير ذلك فأعتقد أنه غير صادق. هناك جوانب عديدة تحترق داخل الإنسان وتتحول إلي رماد. خذ مثلاً الجانب الحالم الشفاف في الإنسان أين تذهب به داخل السجن؟ أين يمضي السجين بأحلامه وتطلعاته وآماله التي كان يرنو إليها قبل دخوله السجن؟ السجن يعلم الإنسان القساوة تدريجياً. أنا عندما خرجت من السجن قالت لي أمي: أنتِ لست ابنتي التي كانت أكثر حناناً ورقة وشفافية! أنتِ أصبحت قاسية جداً، بينما أنا بطبيعة الحال لم أكن أشعر بأنني أصبحت قاسية، ولكن بعض المواقف نبهتني إلي ذلك. فعندما توفي والدي ذرفت دمعتين فقط، ثم دخلت في صمت مطبق. لم أتكلم. حاولت أن أبكي لكنني فشلت. ثم اكتشفت أن القساوة قد تراكمت في داخلي. ردات الفعل في بعض المواقف التي ينبغي أن أقوم بها غريزياً أو عفوياً لم أقم بها علي الإطلاق. وهذه المواقف ناجمة بكل تأكيد من شروط السجن الأليمة. السجين يحاول أن يفلت من شروط السجن ومؤثراته، لكنه لا يستطيع أن ينجو من هذا القدر اللعين. أما بصدد أدب السجون، فسأقصر حديثي علي سوريا فقط إذ ظهر فيها ما يمكن أن يطلق عليه اسم (أدب السجون) وقد بدأت هذه الظاهرة مع نبيل سليمان الذي كتب رواية (السجن) ثم كرّس هذا النوع بخطوات قوية القاص إبراهيم صموئيل في مجموعته القصصية الأولي التي تتناول موضوعة السجن. ومن الشعراء السوريين يمكنني أن أذكر أبرزهم الشاعر فرج البيرقدار وخلف الزرزور. وهناك أسماء في القصة والرواية والشعر لا يمكن الإحاطة بها كلها في هذا الحوار. أنا تعرفت خلال مدة سجني علي معظم فروع الأمن السرّية في دمشق، وزرت أغلب سجونها، والتقيت بعدد من الكتاب الشباب الذين يؤسسون لمرحلة مهمة من مراحل (أدب السجون) في سوريا، وهذا الأمر قد يكون مضحكاً مبكياً في آنٍ معاً. أما عن تأثير الأدب علي السلطات فأعتقد أن تأثيره ضعيف ومحدود. فلكي تتأدب هذه السلطات ينبغي أن نعمل عملاً جماعياً، قد يكون في طليعته المثقفون باعتبارهم ينشدون الديمقراطية، وحرية التعبير، والحياة الحرة الكريمة. لكن ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار أن السلطات لا تعطي الحريات مجاناً. فلابد من تضحيات كبيرة من أجل انتزاع هذه الحقوق المشروعة.

هل تعتقدين أن تجربة السجن قد فجرت في داخلك أساليب حداثية في الكتابة تتعارض تماماً مع الأساليب التقليدية التي لم تعد تنسجم مع روح العصر؟

ــ أعتقد أن خصوصية التجربة ربما تعطي خصوصية في الأدب سواء في الجملة الروائية التي تصدر عن مخيلة متفتقة، أو في استلهامها للمكان في السجن الذي هو لا مكان، وللزمان الذي هو لا زمان. هناك شيء صدئ لا يستطع الإنسان أو الكاتب التقاطه نتيجة شروط السجن الخاصة. فكل شيء ضائع في السجن. وأعتقد أن هذا الضياع يحتاج إلي أسلوب محدد لكي يحتويه.

لا شك أن الحياة هي أوسع من تجارب السجن الضيقة. هل تنوين الكتابة خارج إطار تجربة السجن التي باتت مألوفة لدينا نحن العرب؟ وهل ستجنحين بمخيلتك إلي الحياة الواسعة المتشظية، أم أنك ستدورين في فلك الذات لا الموضوع؟

ــ عندما خرجت من السجن كان لدي هم كبير هو تسجيل تجربة النساء الخاصة بكل تفاصيلها السلبية والإيجابية، وليرد عليّ الآخرون كما يشاؤون. بعد تجربة السجن التي كتبتها في (الشرنقة) لن أعاود الكتابة مرة أخري في الموضوع ذاته. ولهذا فقد كتبت رواية جديدة هي (تجليات) وهي رواية مختلفة ولا علاقة لها بتجربة السجن علي الإطلاق. قد تكون هذه الرواية هي خطوط عامة عن تجربة حياتية داخل سوريا تتداخل فيها الصوفية بالتاريخ الغرائبي والحياة المعاصرة ضمن مدياتها الأوسع.

- كيف تفسرين فكرة التمرد التي تلبستك منذ زمن مبكر، وهل تعتقدين أن التمرد بوصفه فعلاً وجودياً مُلحاً، قادر علي تلبية نوازعك الداخلية، بما فيها الهم السياسي الذي يعد محوراً أساسياً في حياتك اليومية؟

ــ أعتقد أن فكرة التمرد هي ضرورية في عمر محدد. وعندما ينضج الإنسان وتستقر شخصيته تنتفي هذه الحالة بالتدريج. إذاً، أستطيع القول إن التمرد من وجهة نظري هو شرط أساسي للالتحاق بأي حركة سياسية. وغالباً ما يقع هذا التمرد في مرحلة الشباب، والذي يرافقه في العادة قلق مستمر. أنا أعتبر أن القلق هو عنصر مهم جداً سواء في السياسة أو الأدب، وفي الأعمال الإبداعية وغير الإبداعية. إذاً، نخلص إلي القول إن التمرد والقلق هما شرطان أساسيان لكي يكتب الإنسان أو يرسم أو ليلتحق بحلم سياسي كبير، أو يتطلع إلي يوتوبيا. ولكي يحلم الإنسان، ويمشي باتجاه الحلم فهو بحاجة إلي أنماط قلقة من الناس، ومتمردة بشكل عام.

إلى أي مدي نستطيع القول إن الأدباء السجناء هم كتاب باطنيون، يميلون إلي استبطان ذواتهم، وذوات الآخرين الذين يدورون في فلكهم، ويميلون إلي استنطاق الأعماق البشرية والغوص فيها أكثر من ميلهم إلي ترك المخيلة تجري علي سجيتها لكي تكشف أو تتخيل العالم المحيط بالإنسان المقيد والمقهور والمكمم؟

ــ الحقيقة هذه قضية كبيرة. هناك من يميل إلي الباطنية، ولا يريد الكشف عما يحدث داخل السجن بمنغصاته وعيوبه الفاضحة. إن السجن هو عملية تحنيط للإنسان، وحجر لطاقاته الإنسانية، وتعطيل متعمد لها. السجن هو باب التفاصيل الصغيرة، فلا أدري لماذا يتناوله البعض من باب الباطنية، ولا يرونه إلاّ من باب التكتم والسرّية الشديدة. إن عملية الكشف، وتعرية المستور، وكشف المحجوب هي من الحقوق الطبيعية للأدباء الذين عاشوا تجربة السجن. ولكل فرد الحق في أن يكتب وفق رؤيته الخاصة من دون وصاية أو شروط وقوالب مسبقة.

هل تميلين جدياً إلي إظهار المساحة المختفية تحت اللسان؟

حقيقة أنا أميل إلي البوح في كل شيء. وربما سوف أكتب في يوم من الأيام كل التفاصيل المحظورة أو التي لا يمكن التعبير عنها. غير أنني لا أزال أبحث عن الأسلوب الملائم لهذا البوح. سوف أكشف عن كل مكنوناتي الداخلية ذات يوم. إنه مشروعي الجدي الذي أعوّل عليه كثيراً في المستقبل.

كيف تفسرين السماح لكِ ولزوجكِ المعارض بالسفر من قبل السلطات المعنية في سوريا؟ ألا يكون من المحتمل أن الخطاب الذي تتبناه السلطات السورية هو: انظروا أيها الناس. ها نحن نسمح بالسفر حتي للمعارضين لنا. وها هم يقولون آراءهم بصراحة في المحافل والندوات الأدبية من دون أن يتعرضوا إلي القمع والتعذيب والمصادرة؟

ــ إن الذي قلته فيه كثير من الصحة والدقة، ولكن دعني أضيف بعض القضايا الأخري. عندما كنا في حزب العمل الشيوعي. هذا الحزب الذي تعرض إلي ضربة قوية من قبل السلطة، ودفع ثمناً باهضاً لا يستحق أي حزب من هذا الطراز أن يدفعه. إذ زُج بالكثير من أعضائه في السجون والمعتقلات، ولاقوا أصناف التعذيب. بعد أن قوضت السلطة هذا الحزب رأت أن تعطي أعضائه شيئاً من الحرية. أي أن تسمح لهم بالسفر إلي الخارج لأنها تريد أن تقول إننا لم نرتد عن الإصلاحات والهوامش الديمقراطية التي نسعي لتحقيقها للشعب. السلطة تريد أن تقول إننا أعطينا فرج البيرقدار وحسيبة عبد الرحمن جوازات السفر، كما سمحنا لبقية المعارضين بالسفر إلي أوربا. إنها باختصار تمارس سياسة (خد وعين) معنا