ماذا بعد الحرب الأخيرة على لبنان؟

عمر كوش

 

ما أن هدأت أصوات الطائرات والمدافع والقنابل في الحرب على لبنان حتى بدأت أصوات عديدة في العالم تتحدث عن السلام وعن فرص السلام الضائعة في السنوات السابقة والفرصة المتاحة في عالم اليوم. وانطلق العديد من المهتمين بشؤون منطقة الشرق الأوسط من اعتبار يقضي بأن نهاية هذه الحرب ستشكل بداية تحركات ديبلوماسية ومفاوضات ربما تؤدي الى التوصل الى السلام المنشود في هذه المنطقة، وهم يعتقدون، بأمل كبير، أن هذه الحرب ستكون الحرب الأخيرة في سياق الصراع العربي ـ الإسرائيلي

وتملك مثل هذه الأفكار وجاهة من اعتبارات عديدة، تلتقي في أن الحرب الأخيرة شكلت بداية النهاية لمشاريع الولايات المتحدة الأميركية، التي تهدف الى تقويض التكوينات الجيوسياسية في المنطقة العربية، والتي انطلقت مع وصول المحافظين الجدد الى الحكم في الولايات المتحدة الأميركية.

ويشهد واقع الحال على أن الولايات المتحدة الأميركية اتبعت سياسات طائشة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، حيث شنت الحروب التدميرية في العديد من البلدان العربية والإسلامية، ولم تخلف وراءها سوى بلداناً مدمرة، وفرقاء حرب، وتربة صالحة لتكاثر مختلف الأصوليات. ففي أفغانستان لم تنجح الولايات المتحدة في بناء دولة تستطيع تسيير أمورها لوحدها، أو تستطيع كذلك ضمان مصالح الولايات المتحدة، فيما تشهد حركة "طالبان" عودة قوية على الصعيدين، العسكري والسياسي. وفشل الاحتلال الأميركي في ضبط الوضع العراقي، ولم ينجح في تأسيس دولة لمجموع العراقيين، بعد أن حوّل العراق الى بلد مدمر، ومرتع لميلشيات إرهابية، وفرق موت، وحرب أهلية مذهبية، يُقتل فيها الإنسان على الهوية، وتزهق أرواح الآلاف من العراقيين. وفي فلسطين، لم ينجح الاحتلال الإسرائيلي في فرض شروطه على الفلسطينيين، بل جاءت التجربة الديموقراطية لتعلن بشكل واضح أن خيار الشعب الفلسطيني مخالف تماماً لما يتصوره الساسة الأميركيون والإسرائيليون.

لم تشهد منطقة الشرق الأوسط أوضاعاً مثل هذه الأوضاع التي أسهمت في تنميتها وتغذيتها السياسات الأميركية في المنطقة، حيث الفوضى تضرب في كل مكان، والعنف وصل الى درجات غير مسبوقة، وبرزت ممانعات عديدة عبّرت عن ذاتها في مقاومات شتى أربكت الاحتلال في العراق وفي فلسطين، ووجهت اليه ضربات قاسية.

وجاءت الحرب على لبنان لتؤكد اكتمال فشل المشاريع الأميركية في المنطقة، وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح بقوة في هذا المجال هو: ماذا بعد هذه الحرب الأخيرة؟ اليس الأجدى بالإدارة الأميركية سلوك طريق يغيّر نهجها المتبع، والركون الى استراتيجية جديدة تقطع مع النهج السابق، وتتعامل مع قضايا المنطقة، وفي أساسها القضية الفلسطينية، بموضوعية، دون تحيّز وغطرسة واستعلاء؟

لقد وصلت الاستراتيجية في المنطقة العربية، التي وضعها المحافظون الجدد، الى طريق مسدود، بعد أن أشبعت بسياسة الانفراد وثنائيات ميتافيزيقا القوة، ولم تعد تلقى قبولاً داخل أوساط الشعب الأميركي وخارجه، بعد أن انكشفت جميع وسائلها وأهدافها وتكتيكاتها، وبات دافع الضرائب الأميركي يتساءل عن جدوى سياسات القوة والحروب الوقائية والاستباقية، والأهم من ذلك هو أن الإدارة الأميركية لم تعد قادرة على الاستمرار في استغلال مخاوف الأميركيين وتجييرها خدمة لحروبها التي لم توفر الحد الأدنى من الأمن والاستقرار في العالم. اضافة الى تغيّر المزاج الدولي وعدم ركون الدول الكبرى في العالم الى الصمت إزاء النهج الأميركي الذي لا يحترم مصالح الدول، ولا حقوقها ولا دورها في عالم اليوم.

إن العالم تغير، وبات مختلفاً عما كان عليه بعيد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001، وليس هنالك حل في منطقة الشرق الأوسط إلا الحل الذي ينهي المشكلة الأساسية في المنطقة، عبر إقامة الدولة الفلسطينية، وأن أي حل في لبنان مهدد بالانهيار إن لم تحل القضية الفلسطينية بشكل عادل.

ويعلم الساسة في الولايات المتحدة وفي إسرائيل ان الكيل قد طفح في منطقتنا العربية، وأن الدولة العبرية قد صالت وجالت أكثر من اللزوم، وارتكبت المجازر والجرائم العديدة، الى درجة أن منظمة العفو الدولية اتهمتها صراحة بذلك وأدانتها، وعليه ينبغي الضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل كي تغيّر كل منهما سياستها العدوانية التي لم تعد تحتمل، والتي أثارت حفيظة العالم بأسره. وعليهما استغلال أية بادرة تمهد للإنسحاب الأميركي والإسرائيلي بغية تشييد بداية فعلية لتحقيق سلام عادل في المنطقة. ويعلمنا التاريخ بأن دماء الضحايا في فلسطين ولبنان والعراق لن تذهب سدى، بل ستؤسس للخلاص المنشود من الاحتلال والعدوان والمجازر