مشهد العلاقات الفرنسية - الأميركية؟      

 عمر كوش

 

جاءت الحرب الإسرائيلية على لبنان في بعد عملية خطف الجنديين الإسرائيليين في 12 تموز لتضيف معطى جديداً إلى العلاقات ما بين الولايات المتحدة وفرنسا، فقرار الحرب كان أميركياً بامتياز، أما الجانب الفرنسي فقد طالب في البداية بوقف فوري لإطلاق النار، لكنه حين اصطدم بالموقف الإميركي، الرافض لوقف إطلاق النار، آثر التعاون والتفاهم مع الأميركيين.

وكان لافتاً، خلال الحرب، النشاط الفرنسي المكثّف على كافة الصعد، نظراً للعلاقات الخاصة والتاريخية التي تربط فرنسا بلبنان. ويمكن القول بأن فرنسا ضغطت بكل ثقلها في الآونة الأخيرة بغية إنهاء الحرب التدميرية. وكانت النتيجة صدور القرار 1701 الذي ينهي الأعمال العدائية الحربية، ولا يطالب بوقف فوري لإطلاق النار، أي أنه يعلق الحرب ولا ينهيها. ولا تخفي فرنسا تركيزها الدائم على تأمين مصالح الحكومة اللبنانية، في حين أن الولايات المتحدة الأميركية لا تخفي البتة تركيزها الدائم على ضمان أمن إسرائيل وقوتها وتسلطها في منطقة الشرق الأوسط. وكان قرار الرئيس الفرنسي جاك شيراك القاضي بإرسال 2500 جندي فرنسي إلى جنوب لبنان قراراً لافتاً، كونه شجع الدول الأوربية الأخرى، وخاصة إسبانيا وبلجيكا وسواهما، على المشاركة في القوات الدولية، وبالتالي لم تعد هنالك خشية من حدوث فراغ في جنوب لبنان يمكن أن تستغله إسرائيل للقيام بأعمال وحشية.

ويمكن القول بأن مشهد العلاقات الأميركية الفرنسية، اليوم، بات مختلفاً تماماً عما كان عليه عشية الحرب الأميركية البريطانية على العراق في 19 من آذار 2003. فقد كان التباين شديداً في المواقف تجاه الحرب على العراق، حيث عارضت فرنسا الحرب بشدة، واعترى البرود والفتور العلاقات بين الدولتين، بل وارتفت أصوات في الولايات المتحدة الأميركية طالبت بمعاقبة فرنسا على موقفها الرافض للحرب.

وتزعمت فرنسا حملة الانتقادات والمعارضة السياسية الدولية للحرب على العراق، ثم أبدت تخوفها من إعادة انتخاب الرئيس جورج دبليو بوش لولاية ثانية، لكن مواقف البلدين بدأت بالتغير بعد احتلال العراق، حيث بدأت باريس بتغيير لهجتها ومواقفها. وعلى الطرف المقابل، عوضاً من معاقبة باريس، بدأت الإدارة الأميركية بسلوك طريق كسب ودّ باريس ورضاها، وبعثت إليها أكثر من رسالة في هذا الصدد.

وأخذ الدفء طريقه إلى مشهد العلاقات الأميركية الفرنسية ليدشن مرحلة جديدة من التقارب بين البلدين، تنحو باتجاه تعميق سبل التعاون السياسي والدبلوماسي بينهما. وبلغ التعاون أوجه في مجمل قضايا الشرق الأوسط التي كانت تشكل نقاط اختلاف وتباين بين الدولتين، بدءاً من احتلال العراق وصولاً إلى الملف اللبناني والموقف من القضية الفلسطينية والموقف حيال الملف النووي الإيراني.

غير أن الأمر لا يتعلق، فقط، بالمواقف حيال قضايا الشرق الأوسط، إذ أن هنالك مصالح حيوية، اقتصادية وتجارية وسياسية، ما بين الدولتين البلدين تجعلهما تسعيان إلى التقارب والتعاون على مختلف المستويات، لكن ذلك لا يخفي وجود تبايات في المواقف السياسية من القضايا الخارجية، ففي حين تعلن فرنسا التزامها بإقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، لا تعتبر الإدارة الأميركية إقامة دولة فلسطينية من إحدى أولوياتها، بالرغم من كل ما يقال عن رؤية بوش في هذا المجال، بل لا تكف الإدارة الأميركية عن دعم إسرائيل في حربها المفتوحة على الشعب الفلسطيني التي ازدادت ضراوة وهمجية بعد فوز "حماس" بالانتخابات التشريعية الفلسطينية.

من جهة أخرى، آثرت الإدارة الفرنسية الصمت حيال ما يجري في العراق بعد الاحتلال، حيث لم تبدي فرنسا أية إشارة تدلّ على شماتتها أو سعادتها لما تعانيه القوات الأميركية في العراق، بل ولم تذكّر الإدارة الأميركية بالتحذيرات والمخاوف التي أبدتها عشية الحرب على العراق، إضافة إلى ذلك، فإن فرنسا لا تفضل رؤية الولايات المتحدة الأميركية مهزومة في العراق، رغم أن الأيام والوقائع بيّنت مدى الفشل الذريع للمشروع الأميركي في العراق، وفي مجمل منطقة "الشرق الأوسط الكبير".

وتزامنت بداية التقارب ما بين الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا مع بداية الضغوطات الدولية على سورية، وظهر التقارب بشكل جليّ وواضح في استصدار القرار 1559 الذي أدى إلى إنهاء التواجد العسكري السوري في لبنان، وكذلك في إطلاق التحقيق الدولي في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

ومع تزايد الضغوطات الدولية على سوريا تزايد التقارب في المواقف بين الدولين إلى درجة غير مسبوقة من التعاون والتشاور، وبلغ التعاون ذروته حول الملف اللبناني الذي توّج باستصدار القرار 1636 الذي يطالب سوريا بالتعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية واعتقال أي مشتبه بتورطه في جريمة الاغتيال ووضعه تحت تصرف المحققين الأمميين للاستجواب، ثم جاء 1680 ليضيف إلى الملف مسألة ترسيم الحدود اللبنانية السورية وإقامة علاقات دبلوماسية وتبادل السفارات.

إذاً، يمكن القول بأن الضغوط على سوريا كانت مفتاح التقارب والتعاون في العلاقات ما بين الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، لكن دخول الملف النووي الإيراني على الخط شكّل أيضاً عامل تمتين وتوثيق للعلاقات بين الدولتين. وقد أبدت الإدارة الأميركية منذ البداية تشدداً واضحاً تجاه الملف النووي الإيراني، لكنها تريثت قليلاً حين طلبت فرنسا وبعض الدول الأوروبية إفساح المجال للجهود السياسية والدبلوماسية كي تلعب دورها للتوصل إلى حلّ يرضي مختلف الأطراف، وأفضت الجهود إلى تقديم عرض "الحوافز"، أو ما سمّي "الإجراءات التشجيعية" لإيران كي تتخلى عن برنامجها النووي. لكن يبدو أن الرد الإيراني قد جاء مخيباً للآمال الأوروبية بعد طول انتظار وترقب، فهو على الأقل "غير مرض" حسبما ورد على لسان المستشارة الألمانية ميركل، وفي نفس الاتجاه جاء الرد الفرنسي الأولي. لكن هذه المسألة بحاجة إلى انتظار الأيام القليلة القادمة كي تتبلور المواقف الأميركية والأوربية منه. ومعلوم أن موقف فرنسا من إيران يختلف عن موقف الولايات المتحدة، لأنها تسعى من خلال استمرار الضغوط على طهران إلى إدماجها في النظام الدولي، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى تهميشها وعزلها دولياً.

بقي أن نشير أن فرنسا تشارك الولايات المتحدة الأميركية في حربها التي تسميها "الحرب على الإرهاب"، لكنها لا تكف عن التنبيه إلى العوامل تساهم في انتشار الإرهاب وتنميته، وخصوصاً الأسباب السياسية، لكن الولايات المتحدة لا تهتم إلا بالتعامل مع نتائجه، ولا تعرف سبيلاً في التعاطي معه غير لغة القوة العسكرية والإجراءات الأمنية.

والواقع أن فرنسا لا تشارك الإدارة الأميركية في رؤيتها للعالم الذي تسعى إلى الهيمنة عليه، ومنذ عام 2002 بدأ الكتاب يتحدثون على جانبي الأطلسي عن الخفي والمعلن والقديم والحديث في العلاقات الفرنسية الأميركية، ووصل الأمر إلى أن "فيليب روجيه" أصدر كتاب "العدو الأميركي، تاريخ العداء الفرنسي لأميركا" في بايس عام 2002، يتحدث فيه عن نزعة عداء دفينة، لكن الأمر ليس كذلك في السياسة، إذ أن العلاقات الأميركية الفرنسية تشهد مرحلة قصوى من التعاون والتفاهم، وبات العديد من المهتمين بها يستاءلون إلى أين تمضي هذه العلاقات؟

__________