قراءة في مجريات الاحداث اللبنانية: في الشأن الداخلي 

   هيثم قنديل

 

اما وأن العدوان قد توقف.. الى حين، ِ تتسارع مواقف الساسة في لبنان بين مؤيد ومعارض لنزع سلاح حزب الله. فكلٍِ من موقعه يحاول ان يوظف المستجدات لصالحه على حساب الآخرين وان كانت نتائج العدوان وفعالية التصدي له من قبل المقاومة وسّعت من شعبية هذا الفريق، إلا ان تركيبة المجتمع اللبناني الطائفية وبكل أسف أضعفت هذه الشعبية وأسقطت إمكانات توظيفها محليا ً ودولياً. فاذا إستثنينا الحاضنة الشيعية للمقاومة وبعضاً من حلفائها وعلى رأسهم ميشال عون مع ما يمثله من ثقلٍِ في الشارع المسيحي ،  وجدنا النصف الآخر من السياسيين اللبنانيين وفياً لأرتباطاته مع الأدارة الأميركية ولحلفه مع الرجعية العربية والبترودولار. فهجوم هذا الفريق على سوريا وإيران ما هو الا فصل من فصول الأستراتيجية الأميركية   في التأسيس لشرق أوسط جديد تكون فيه هذه المنطقة ساحة منزوعة السلاح الا من سلاح البطش الإسرائيلي للقضاء على كل مقاومة قد تنشأ هنا او هناك. فالصراع الشرس على أرض فلسطين وتخبط المشروع الأميريكي في العراق والمواجهة البطلة في جنوب لبنان، هددت وتهدد ما تخطط له الأدارة الأميركية وما يرّوج له عربها. غني عن الذكر ان هذه الأنظمة لا تستمد شرعيتها من الأنتخابات الحرة بل من مقتضايات الرضا الأميريكي ومعه الإسرائيلي.

يبقى أن المحاولة الإسرائيلية لإشعال فتيل الحرب الأهلية في لبنان عبر ضرب المناطق الآهلة بالسكان الشيعة دون المساس بتلك المحسوبة على الآخرين، لم تأت بثمارها. لا بل عزز هذا العدوان الوحدة الوطنية على الصعيد الشعبي وأمتدت أصداء المقاومة الى أرجاء الوطن العربي وبات حزب الله والحالة التي وّلدها يشكل تهديداً على الأنظمة داخل بلدانها بعد أن كان هذا التهديد محصوراً بالمشروع الأعم للشرق الأوسط الكبير. فكلنا رأى صور نصرالله وأعلام المقاومة مرفوعة في المظاهرات التي عّمت بعض الدول العربية رغم أنف الناعتين لعمليتها بالمغامرة غير المحسوبة وهنا أقول طبقاً لحساباتهم. فالسياسة هي فن الممكن والتحالفات تحددها المصلحة المشتركة. فما الضير في أن تلتقي أهداف إيران وسوريا مع أهداف المقاومة في كل من فلسطين ولبنان؟ مصداقية المقاومة ترسمها الظروف الميدانية والأهداف المنجزة في الصمود والتحرر الوطني.

 

إنجازات التصدي للعدوان

 

لبنانياً: الوحدة الوطنية وأن كانت آنية وإنكشاف جميع اللاعبين. وما إستشهاد المندوب الإسرائيلي في مجلس الأمن بأقطاب 14شباط الا دليل قاطع على هذا الإنكشاف. كما أن هذه الأزمة حملت الكثير من الشيوعيين واليساريين الى تصويب موقفهم وحسمه إزاء الجدل الدائر بين مؤيد للحزب الشيوعي اللبناني وآخر مؤيد لحركة اليسار الديموقراطي. فالحزب الشيوعي اللبناني شهد ويشهد زخماً في منظماته قل مثيله منذ خروج جماعة اليسار الديموقراطي والتحاقهم بمجموعة 14شباط.

 

عربياً: عاد الدم ليجري في عروق الشارع العربي وعادت منظماته الأهلية وأحزابه لترفع الصوت عالياً تحدياً للأنظمة وأحتجاجاً على العدوان ولو أن هذه التحركات تشتعل في الذروة لتعود فتهدأ عند أنخفاض وتيرتها. فحالة التضامن مع الشعب الفلسطيني ماثلة أمامنا: شعبٌ ينكل به، أهداف وطنية تتعرض للمصادرة بتواطوء من الأنظمة العربية. حتى أن الوساطة المصرية لا تغدو كونها عملية ضغط على القوى الفلسطينية. كل هذا يحصل دون أن نغفل عملية السعي الدائم لشرذمة وحدة الصف الفلسطيني وتقليب القوى الفاعلة إحداها على الأخرى.. فماذا يفعل الشارع العربي إزاء ذلك؟

يبقى أن أحد أهم نتائج التصدي للعدوان وبعيداً عن الأجواء العراقية هو عودة اللحمة بين طوائف المجتمع العربي الأسلامية. فالحرب الطائفية في العراق بين السنة والشيعة ورغم وعي الجميع لمن يقف من خلفها ومن يؤجج أتون حربها، ساهمت في تصعيد حدة التوتر بين هاتين الطائفتين في أرجاء الوطن العربي. أدى تصدي حزب الله ومن خلفه الطائفة الشيعية في لبنان الى مراجعة بعض قيادات الحركات الأسلامية السنية مواقفها في شأن هذه الطائفة وتموضعها في جبهة الصراع مع الأمبريالية.

 

إسرائيلياً: لا بد من تسمية النتائج بمسمياتها. فقد هزم الجيش الإسرائيلي بتكتيكه العسكري وهزموا جنرالاته ومعهم الطبقة السياسية. فالتخبط السياسي الذي بدأت ملامحه تظهر، ما هو الا العاصفة التي تسبق الزلزال. سنرى من الصراعات السياسية ما لم نره منذ حرب ال73. أساءت هذه الحرب الى صورة جيش العدو الردعية وأهتزت مكانة إسرائيل الأستراتيجية أمام قوى الأستعمار القديم المتجدد وأكتشف الشارع الإسرائيلي مدى عزيمة المقاومة ولمس حقيقة أن التجهيز الجيد والعقيدة المتينة

 

قد يهزمان أعتى الجيوش مع ما يعني ذلك من تشجيع ونهوض لكل القوى المقاومة مستقبلاً. بالمقابل، أكتشف وهنا الأهم أن جيشه لم يعد جيشاً عقائدياً يقاتل من أجل نصرة إسرائيل بل مجرد قوة عسكرية مجبرة على القتال بقرار سياسي . أخيراً ودون الأمعان في التفاؤل، نتائج الحرب الأخيرة ستنعكس سلباً على موجات الهجرة الى إسرائيل مع ما يمثل ذلك من تهديد للمشروع الإستيطاني لهذا الكيان.

 

آخر المطاف.. إستنتاجات وأمنيات

إستعاد المشروع المقاوم بعضاً من عافيته رغم ما يتربص به من مؤامرات من قبل إسرائيل ومعها الأدارة الأميركية وعربها. فالمعولون على المشروع الأميريكي من زعماء عرب ما زالوا كثر. ها نحن نرى كيف ستحقق أميركا ما عجزت عنه إسرائيل عسكرياً في لبنان من خلال اللبنانيين أنفسهم ومعهم العرب. يعلم هؤلاء بعد أن خسروا الرهان على الحسم العسكري الإسرائيلي بأن عليهم أن يبادروا ما أن يتوقف دخان المدافع بالهجوم على المقاومة قبل ان يقطف المشروع المقاوم ثمار صموده. من هذا المنطلق أطل علينا وليد جنبلاط في مؤتمر صحفي يتهجم فيه على المقاومة محاولاً قدر الأمكان الكلام عن محور إيراني سوري يقوض الإستقرار في لبنان والمنطقة بشكل عام وهو في قوله هذا كمن يبرر لنفسه ولحلفائه الإرتماء في الحضن الأميريكي والسير في مشروع الشرق الأوسط الجديد.

قد تنتقل المعركة الى ساحة أخرى هي ساحة تفسير القرار 1701 الذي أريد له أن يكون مبهماً كما كل قرارات مجلس الأمن لكي يتمكن المتطاولون على المقاومة من تحقيق هدفهم، ففي القرار من المطبات ما يستدعي أعلى درجات الحذر على المشروع المقاوم للشرق الاوسط ألأميريكي.

من هنا صرخة إستغاثة نطلقها الى جميع القوى الوطنية للتصدي لما يخطط له في أروقة القرار. فالتحاق لبنان بالمشروع ألأميريكي هو عزل لفلسطين وخسارة لمقاومتها لأسباب عديدة منها أنه إذا ما حيّد لبنان باتت فلسطين شبه معزولة محاطة بدول على صلح مع هذا الكيان، كما أن خطر نزع سلاح ما يسمونه بالمليشيات يحمل في طياته ايضاً نزع السلاح الفلسطيني الوحيد خارج حدود فلسطين.

إن شراسة الهجوم ألأميريكي الإسرائيلي مع ما يخطط للمنطقة يستدعي نهوض القوى المعارضة والمقاومة لهذا المشروع على طول البلاد العربية وأخص بالذكر قوى اليسار. فهذه القوى مدعوة أكثر من غيرها لتنسيق مواقفها ولصيغ مشروع مضاد يكون النواة لتيار مقاوم تقدمي تعود قضايا التحرر، حرية الرأي وحقوق المرأة والضعفاء لتحتل حيزاً مهماً في سلم نضالته  فالمضي في مسارات نضالية متعددة يحصن المقاومة ويمدها بالطاقات.

مَن غير اليسار هو المؤهل لطرح هكذا شعارات؟