خطاب إلى الأستاذ البيانوني..

  مازن كم الماز

 

الأستاذ البيانوني

هذه ملاحظات من مواطن سوري معارض ينتمي إلى موقع فكري معارض للإخوان المسلمين لكنني أعتقد بضرورة إطلاق حرية العمل لتيار الإخوان المسلمين في الداخل السوري بما في ذلك حرية العمل الجماهيري و السماح لهم بالدخول في انتخابات حرة تمثيلية بل و أجدني مستعدا لأكون مواطنا في دولة يقودها حزب الإخوان و أنا أفضل في حال جرى تغيير سياسي في السلطة أن أكون مواطن في دولة تقودها على أن يقودها شخص كخدام ما دامت هذه الدولة تسمح لي و لسائر الشعب السوري بالعمل و الحياة و الكتابة و الفعل بحرية لا أظنها منة من أحد علي أو على أي مواطن سوري..

1- تذكرني الكلمات التي تستخدم في تسويغ إعادة انتخابك رئيسا للإخوان بما كان يقال في حق خالد بكداش عندما استمر زعيما متوجا منفردا للحزب الشيوعي السوري لخمسين عاما..أنا أشكر كل من ذكرنا بأن هذا ما هو إلا ممارسة كل الأحزاب و القوى السياسية السورية و ربما العربية من يسار و يمين و لعلها الممارسة الوحيدة رغم أن هذا لا يعطيها المبرر للاستمرار..أنا أعتقد أن التغيير في الوطن ليس بمعزل عن التغيير داخل القوى التي يفترض أن تكون حاملة للتغيير.. إن اختيار القيادات يجب أن يقر و يقبل بالتغيير و الحوار و حرية النقد و يقوم عليها و أنا أتمنى عليك أن تكون مثلا في الحياة السياسية السورية في هذا الإطار رغم يقيني أنه من الممكن أن تستمر في موقعك إلى ما شاء الله..

2- أريد أن أشكرك بعض الشيء و ألومك بعض الشيء عن مقابلتك مع تلفزيون المستقبل يوم الأربعاء 30 آب الحالي حيث كان واضحا أن المذيع و ما يمثله يطلب منك كارت بلانش على كل سياسات تيار 14 شباط و أصعب و أشد ما كان يريده منك هو انتقاد المقاومة و حزب الله الذي تجد جماعة 14 شباط صعوبة كبيرة في تمريره حاليا بعد تمكنه من الصمود و هزيمته للعدو الإسرائيلي و قد سايرته أحيانا و حاولت أحيانا أن تعارضه..هذه الطريقة التي تعيد إنتاج طريقة إعلامنا السوري الذي يضع الكلام في فم الشخص الذي يقابله التي تمثل طريقة "الحوار" التي يتقنها أتباع التيارات السياسية السائدة في أوطاننا سواء مع الحلفاء ( أي الأتباع ) أو أصحاب القرار الذين فوق ( أي الأسياد ) أي عملية من جهة واحدة فإما أن تصغي أو أن تأمر و تملي و أنا هنا أريد فقط أن أنقل معلومة يعرفها الجميع أن حدة هجوم تيار 14 شباط على حزب الله إنما جاء بأمر مباشر من رايس مفاده أن تسلم هذا التيار الحكم في لبنان  لا فائدة منه و أنهم لم يتمكنوا من إيقاف أو استيعاب حزب الله و أن هذه المهمة هي وسيلتهم لتأكيد إمكانيتهم الإمساك بخيوط المعادلة الداخلية اللبنانية لصالح المشروع الأمريكي الذي ترى جماعة 14 شباط أنها جزء منه و هذا ما حدا بالسيد جنبلاط أن يلتقي مع النائبة الإسرائيلية ليعرب لها عن إصرار فريقه على لجم حزب الله في تجاوز يحاول فيه إثبات تصميم فريقه على خوض المعركة ضد حزب الله مهما تطلبت و مهما كلفته..كان المذيع واضحا صريحا لدرجة الوقاحة أحيانا في استدراجك إلى تأييد ما يذهب إليه..أشكرك على ما أرى أنه عدم تنكر للمقاومة و أعتب عليك لما أرى أنه مسايرة لسياسات أرى أن الشعب السوري و اللبناني غير ملزم بها لمجرد مقتل الحريري أو وجود وصاية مخابراتية على كلا البلدين و لا يمكن أن تسوق لصالح تقدم المشروع الأمريكي فكأننا كشعوب نجلد مرتين مرة بسوط النظام و أخرى بسوط العدوان الأمريكي الإسرائيلي الهمجي و من يريد إقناعنا بفضائل هذا الغزو..

3- إننا نرى أن النظام ليس بوارد مقاومة الغزو القادم بهدف السيطرة على منطقتنا و فرض هيمنته على بلادنا..إن النظام أضعف قوة التصدي الشعبي حتى درجة الشلل و حاصر و ألغى الفعل الوطني الشعبي و أخضعه لمنطق الولاء وحده و استخدم مفهومه عن القومية كمطية ليبرر تسلطه على المجتمع..هذا في المحصلة الأخيرة يعني استبدال الوطن بالنخبة الحاكمة و شطب الشعب من ساحة الفعل و ممارسة مقاومة إنشائية لا تستند إلى أية إستراتيجية للدفاع عن الوطن أو استعادة الأرض المحتلة..لكن هزائم النظام العربي الرسمي لا تمنعنا من أن نرى أن المشروع  الأمريكي الإسرائيلي يريد تسخير المنطقة لصالحه و تطويع شعوبها..إن المشروع الأمريكي لا يمثل خلاص شعوبنا بل هو استغلال جديد في شكل جديد و لا أعتقد أن شعوبنا تريد استبدال الاستبداد بآخر أو باحتلال ليس فقط لمجرد كونه احتلالا بل لأنه يريد استلاب ثروات بلادنا و قرارنا الوطني و سيادتنا لصالح قوى خارجية و يعيد القصة من أولها..إن مواقف أقسام المعارضة التي تغازل المشروع الأمريكي و تحاول أن تقدم نفسها كقوة موالية له و قابلة للانضواء فيه إضافة لطبيعة الصراع في المنطقة الذي يتداخل فيه الوطني بالإقليمي بالعالمي يؤدي لتسويد صفحة المعارضة و تضليل الجماهير حول جدية مقاومة النظام و يعرقل جذب الناس لساحة الفعل ضد النظام كما أنه يجسد في حال تحقق التغيير بقوى خارجية مقدمة لتعويض النظام ببنية سياسية عميلة لتلك القوى كما هو الحال في العراق

4- إن الطائفة العلوية لم تكن يوما خارج حسابات الوطن و قد انضم الكثير من مثقفيها إلى صفوف المعارضة في وقت مبكر جدا و دفعوا ثمنا باهظا لنضالاتهم عدا عن أنها كفئة مقهورة تاريخيا تتشكل أساسا من فقراء لا علاقة لهم بناهبي ثروات البلد..إن العلمانية الزائفة للنظام و محاولته التمسح بالطائفية و طبيعة الاستقطاب و المحاصصات التي تجري في العراق و لبنان و لعب بعض الأنظمة و القوى على وتر التفرقة الطائفية لأغراض تخصهم و تخص تسهيل الطريق أمام تقدم المشروع الأمريكي الإسرائيلي يحتاج منا في إطار تأكيد الوطن و المواطنة كقيمة أساسية لبناء الوطن الديمقراطي أن نؤكد أن الطائفية لا دور لها في التغيير أو بعد التغيير و أن التغيير لا يستهدف طائفة بل هو يستهدف الفاسدين الذين أذلوا الشعب و سرقوا قوته و أن كل سوري آمن على نفسه و طريقة حياته و عقيدته و أن سوريا هي لكل السوريين دون تفرقة حسب الدين أو العرق أو القومية أو المذهب مع الإقرار بالمشترك الإسلامي و العربي كأساس لهوية المجتمع مع احترام التنوع و الاختلاف داخل المجتمع..يتعلق بهذا أيضا إقرار كل القوى السياسية بإلغاء العنف كوسيلة لحل خلافاتها التي يجب أن تحل فقط بواسطة صناديق الاقتراع وفق إرادة الشعب..يتعلق هذا بشكل واضح بالشكل الطائفي و الدموي للصراع الذي دار بين النظام و الإخوان أو أقسام منهم في السبعينيات و الثمانينات من القرن المنصرم..إن نقد ممارسات تلك الفترة ضروري للغاية لتأكيد هذه المبادئ التي تدعو إليها قوى التغيير الوطني الديمقراطي

 

الأستاذ البيانوني

أقدر العمل الذي قمتم به في صياغة مشروع سياسي ديمقراطي وطني و أرى أن هذا العمل مع نضال شعبنا و قوى التغيير الوطني الديمقراطي قد يفتح المجال لخلق مقدمات للتغيير الذي لا يسير في ركاب المشروع الأمريكي بل يلبي مصالح شعبنا و بلدنا..لكن هذا العمل سيبقى ناقصا بل و ربما بعيدا عن إنجاز التغيير بصيغته الوطنية الديمقراطية ما لم نحدد بوضوح و شفافية و صراحة موقفنا من هذا الاصطفاف الإقليمي و العالمي و خاصة المشروع الأمريكي لبلادنا و المنطقة و من جدية المعارضة في احترام المواطنة كقيمة لبناء الوطن و نفي الطائفية عن الفعل المعارض..كما أدعي هكذا تبنى الأوطان هكذا يبنى البديل الوطني الديمقراطي

 

    و شكرا

         

                        مازن كم الماز