قبل ان
ترحل ام
ميشيل كيلو الى
السماء!
فايز
سارة
لا احد يستطيع
ان يجزم.
بما كانت تفكر
ام ميشيل
السيدة العجوز
التي تجاوزت
عقدها الثامن
وروحها تقترب
من انفاسها
الاخيرة.
غير ان كل
الذين كانوا
حولها، كانوا
يرقبون تلك
النظرات
التائهة، وهي
تبحث عن شيء
ما، او
احد ما دون
نتيجة. كانت
العينان
الزائغتان، تتطلعان
في كل
الاتجاهات
قبل ان
يرتد
تركيزهما
للتوقف عند
وجه احد
الحاضرين من الابناء والاقارب،
ثم ينطلق
بعدها في رحلة
بحث جديدة عن
شيء ما او
احد بعينه!
للمقربين
جداً من ام
ميشيل قدرة
أكبر على
تقدير مالذي
كانت تبحث عنه
تلك السيدة في
لحظاتها الاخيرة،
وسيذهب
اغلبهم في
تقديراته
باتجاه واحد،
للقول انها
تترقب دخول
ابنها ميشيل،
ترافقه ضحكته
العريضة،
وجلبة صوته
الجهوري
القوي، وقد
اعتادت
عليهما منذ
وقت طويل، يوم
كان ولداً
وشاباً، وقبل ان يصبح ابا، وقد
رافقته بعد ان اصبح
جداً فوق
الستين، دون ان تتغير
ضحكته
العريضة
وجهورية صوته.
والمقربين من ام ميشيل،
يعرفون أكثر مالذي كان
يعنيه ابو
ايهم
لهذه السيدة،
وهو الذي لم
يكن ابنا
فحسب، بل أكثر
من ذلك بكثير،
وهو المقرب –
القريب، الفرحة
التي اطلت
عليها في
بدايات
حياتها وسط
ظروف عامة
صعبة، وكفاحها
مع ابو
ميشيل من اجل
عائلة بسيطة
وجميلة من ابناء
وبنات،
يعرفون
الحياة،
ويعيشون من
اجلها بالالفة
مع انفسهم
ومع الآخرين،
ومن تلك
المعادلة
البسيطة ولدت
الروح التي
تمييز بها
ميشيل
وأكتسبها من امه وابيه
ومحيطه
الاجتماعي،
وهذا ما جعل
ميشيل –كما يعرف
المقربين-
قريب من قلب
السيدة
العجوز، وقريب
من روحها
وهمومها، وهي
ملامح لم
تتبدل عند ام
ميشيل، عندما
ذهب ميشيل
ليدرس في
الخارج، ولاعندما
استقر في دمشق
يعمل فيها
ويعيش مع
عائلته، وجعلها
أكثر حساسية
وتحسسا
بالحاضر
الغائب، وكأن
ثمة صلة
مباشرة، خيط
لا يدركه
سواها يربط بين
الاثنين، وفي
مرات كثيرة،
وبينما كانت تفكر
فيه، فوجئت به يطرق
الباب ويدخل ان يخبرها
بمجيئه
مسبقاً، وفي
مرات نامت على
امل
رؤيته، صحت
لتجده
بجوارها،
وهذه الصلة
ربما كانت
سببا في تقوية
عزيمتها
عندما اختفى
ميشيل كيلو
خلف قضبان الامن
مدة عامين في
الثمانينات،
وهي السبب في
قدرتها على
استيعاب
التهديدات
التي كان
يواجهها ميشيل
قبل اعتقاله الاخير مع اصدقاء له
وقعوا على اعلان
بيروت – دمشق
لعلاقات افضل
بين سوريا
ولبنان، كما
يقول بعض
المقربين.
كان الوقت يمر
بطيئاً
وثقيلاً، ويزادد
ثقله مع اجواء
رطوبة آب في
اللاذقية،
مضافة الى
قلق الحاضرين
على صحة
السيدة
العجوز. احد
الحاضرين،
قدر ان ام ميشيل
كانت تفكر في
تلك اللحظات في
السبب الذي
جعل ميشيل،
يتأخر في
القدوم الى
اللاذقية،
وهو الذي لم
يكن ليتأخر قط
عندما تمرض
والدته، او
تصيبها وعكة
حتى لو كانت
بسيطة. وان ام
ميشيل ربما
نسيت وهي في
غمار صراعها
مع الموت، ان
ميشيل قيد
الاعتقال منذ اكثر من
شهرين، وانه
لن يستطيع
الحضور، حيث
السلطات الامنية
لاتفرج
عن معتقلين
لان امهاتهم
مريضات، حتى
لو كن على ابواب
الموت،
وغالبا، فانها
لاتسمح
لهم بالخروج
من المعتقل
للمشاركة في
تشييع الاقربين
ولاخذ
العزاء بهم.
احد الاقارب،
قدر ان ام ميشيل،
كانت تستعرض
في لحظاتها الاخيرة
وجوه الاحبة
من الابناء
والاحفاد،
وملامح الاقارب
والمقربين
الذين قضت
حياتها بينهم ولاجلهم،
تتذكر زوجها
حنا بين من
غيبه الموت،
وتتذكر من احفادها
بعض من ابعدته
الايام
بسبب السفر
والركض وراء
لقمة العيش او طلباً
لعلم ومعرفة،
أو لسبب
تجهله، لانها
لم تعد في
سنواتها الاخيرة
قادرة على
متابعة
تفاصيل
الجميع
وظروفهم، بل
تكتفي بما
تستطيع
معرفته
بالصدفة.
احد حضور
اللحظات الاخيرة
لرحيل السيدة
العجوز، أكد
انه كان يعتقد
ان ام
ميشيل سوف تمر
من الازمة،
وتتابع
حياتها، ودلل
على تقديره، انها في
مرات سابقة
كانت اكثر
ضعفا، واوضاعها
الصحية أكثر
تردياً، وقد
تجاوزت
المحنة مرات،
وعاشت. لكنه اضاف، في
هذه المرة،
كان الوضع
مختلفاً، فقد
خذلتنا ام
ميشيل وغادرتنا،
ربما لان
ميشيل لم يكن
موجوداً
بجانبها!