معنى القومية العربية

محمد عمارة

 

أولا: في المصطلح

 

 

مصطلح القومية من المصطلحات الحديثة في أدبنا السياسي، لكن مضمونه ليس كذلك، فعهد الواقع العربي بنشأة الروابط والقسمات التي جعلت الجماعة البشرية العربية قومية واحدة هو عهد بعيد يعود الى ما قبل عصرن الحديث، والى ما قبل استخدام مصطلح "القومية" للتعبير عن هذا الواقع، بعدة قرون.

 

ففي عصر ازدهار الحضارة العربية الذي بلغ قمته في القرن الثاني الهجر عرف الواقع العربي ثلاثة تيارات فكرية تصارعت في الواقع ووجدت لنفسها انعكاسات في الدراسات والأعمال الفكرية التي يمكن أن نسلكها في عداد "تراث العرب في الفكر القومي"، وهي:

 

1. التيار الشعوبي: الذي انطلق من العداء للعروبة والعرب والتعريب، مستهدفا تفكيك أواصر الدولة العربية التي جاءت ثمرة للفتوحات السياسية التي وحدت الشرق تحت قيادة العرب المسلمين، ومتخذا من التمايز العرقي والتعصب الجنسي سبلا لعرقلة حركة التعريب التي كانت تبشر بتوحيد هوية الجماعات البشرية التي تعيش في الدولة العربية الجديدة.

 

2. تيار العصبية العربية: الذي بعثه الأمويون لاستغلاله في الصراعات القبلية التي كرسوها لتدعيم سلطانهم، والذي امتد الى أن أصبح عداء لغير العرب من الشعوب التي دخلت في الدولة، بعد الفتح، ولكنها تنحدر من أصول عرقية غير عربية.

 

3. تيار القومية العربية: الذي نشأ ليعبر عن الضرورات التوحيدية لهوية أبناء الدولة الجديدة، وليعكس حقائق الواقع الجديد الزاخر بالمصالح الموحدة لأبناء هذه الدولة بغض النظر عن الأصول العرقية والخلفيات الحضارية التي كانت سائدة قبل نشأة هذا الواقع التوحيدي الجديد.

 

ولقد أعتمد هذا التيار الفكري الذي كان المعتزلة رواده الأول، والذي برزت أفكاره في رسائل الجاحظ (159-254هـ / 775-868م) بالذات للعروبة معيارا غير عرقي، ورأى في العروبة، بالمعنى الحضاري، رباطا جديدا يخلص أبناء العرب القدماء من عصبيتهم ضد الرعايا المتحدرين من أصلاب غير عربية، ويفتح الميدان للاستفاده من كل الحضارات التي تمثل تراث شعوب هذه الدولة الجديدة، باعتبارها ميراثا شرعيا لهذه الجماعات البشرية التي أخذت في التوحيد والانصهار، ومن ثم، فلقد أسقط هذا المعيار الحضاري للعروبة المبررات المعلنه للتيار الشعوبي الذي كان يناصب العرب والعروبه العداء، كما أسقط الأسس التي قامت عليها عصبية بني أمية وتعصبهم ضد الموالي.

 

ومنذ ذلك التاريخ أدك الناس، وكتب الكتاب، ورسخ في الواقع العربي أن اللغة العربية الواحدة، والعادات والشمائل والتقاليد الموحدة أو المتقاربة، والولاء الموحد للحضارة العربية الشابه والمستنيرة والمزدهرة، هي الوعاء الجديد والانساني الذي تنصهر فيه الجماعات المنحدرة من أصلاب عدة، كي تكون جماعة واحدة قومية متحدة هي الجماعة و القومية العربية.

 

ولقد أسهمت وحدة الدولة، عندما كانت سلطتها المركزية في أوج قوتها، في تنمية القسمات المشتركة والعامة لهذا الوليد القومي الجديد، كما حفظت وحدة الفكر والاعتزاز بالثراء الحضاري الجديد المزدهر، المناخ الملائم لنمو القسمات القومية العامة والموحدة حتى في ظل الفترات التي ضعفت فيها السلطة المركزية وازدهرت فيه الدول والدويلات والامارات. وأسهم في هذا الميدان كذلك بسهم وافر نمو حركة التجارة، الداخلية منها والعالمية، بسبب موقع الوطن العربي الحاسم، باعتباره حلقة وصل في تجارة آسيا خاصة الصين والهند وجزرها مع أوروبا، فغدت طرق التجارة التي سلكتها القوافل من المشرق الى المغرب ومن الجنوب الى الشمال شرايين وحدة وخيوط توحيد للمجتمع العربي. وكذلك صنعت رحلات العلماء، عندما شاركت حركة التجارة ورحلات التجارة في الحفاظ عىل نمو القسمات القومية التوحيدية للمجتمع العربي، حتى في ظل ضعف السلطة المركزية وازدهار حكم الولايات والامارات.

 

ولقد أثمرت تلك العوامل والمؤثرات، المادية منها والفكرية، وحدة هوية الجماعة البشرية التي اتخذت الوطن العربي مستقرا لها، وبرزت القسمات القومية التي ربطت هذه الجماعة برباط قومي جديد، فأصبح لهذه الجماعة من قسمات القومية وشروطها:

 

1. أرض مشتركة، خلت من الموانع الطبيعية الحاجزة، ومن ثم، غدت هذه الأرض وعاء يساعد على الانصهار القومي ويتيح للقسمات القومية العامة المزيد من المحتوى التوحيدي والمزيد من الغنى والثراء في هذا المجال.

 

2. لغة مشتركة، هي اللغة العربية، التي أصبحت احدى القسمات القومية العامة بعد أن اكتملت حركة التعريب لأبناء الدولة الجديدة، تلك الحركة التي نمت ديمقراطيا واختياريا وبطيئا، وساعد على تقدمها ذلك الثراء الذي جعل العربية لغة الفكر والعلم والفلسفة والأدب عدة قرون كانت فيها كل المراكز الحضارية في العالم تعيش سبات عصور الظلمات.

 

3. تكوين نفسي مشترك، تمثل في البناء الفكري والثقافي الغني الذي تجسد في آثار العرب في ذلك التاريخ، وهو البناء الذي تلتقي فيه بالقيم والمثل والعادات والتقاليد الموحدة، التي أصبحت موضع الاحترام ومقصد الولاء وموطن الاعتزاز من أبناء العروبة جمعاء. وكما يقول الجاحظ، فلقد غدت هذه العادات والتقاليد والشمائل والواحدة بمثابة "الرحم" الذي ولدت فيه هذه الجماعة الواحدة، بعد أن كانت ممزقة الهوية غير متحدة الولاء، فكان هذا بالنسبة اليها، ولادة جديدة قامت مقام النسب الواحد والعرق الواحد!

 

4. سوق تجارية واحدة واقتصاد متحد، ساعد على بقائها رغم الصعوبات التي كانت تنشأ عن ضعف السلطة المركزية، ان المنطقة طريق للتجارة العالمية، الأمر الذي جعل طرق التجارة تمثل دورا توحيديا بارزا في التكوين القومي، وارتباط انتشار التجارة العربية بانتشار الاسلام واللغة العربية، باعتبارها لغة القرآن ووعاء الحضارة الشابة ا لعقلانية المستنيرة. ولقد ظل هذا دور التجارة العربية والعالمية في التوحيد القومي العربي، حتى نجح الاستعمار الغربي في تحويل طرقها عن الوطن العربي الى طريق الرجاء الصالح سنة 1497م، فكان ذلك واحدا من العوامل التي انتكسب بازدهار القسمات العربية وجمدت نموها، فعرفت المنطقة التجزئة الاقتصادية، وأصبحت "المكوس" (الضرائب) التي تجبى عند عبور التجارة حدود الولايات والامارات قانونا واقعيا ومقبولا بعد أن كانت من الأمور الشاذة التي لم تعرفها البلاد الا في شكل مظالم يفرضها الطغاة من الحكام.

 

هكذا، على هذا النحو امتلكت الجماعة العربية، منذ عصر ازهار حضارتها، أهم القسمات التي جعلت منها قومية عربية واحدة.

 

 

ثانيا: مرحلة النكسة

 

ثم نشأت في الواقع العربي وطرأت عليه مجموعة من العوامل أوقفت نمو القسمات القومية العربية، بل وهددت بعض هذه القسمات بالذبول.

 

فالخطر الصليبي الذي جاء غزوا استعماريا أوروبيا مسلحا، مولته المدن التجارية الأوروبية، وأذكت روحه ونظمته الكنيسة الكاثوليكية الأوروبية، التي فزعت من خطر العقلانية العربية الاسلامية على تسلطها آنذاك بالخرافة على مقدارت رعاياها، والذي قاده فرسان أوروبا الاقطاعية، هذا الغزو الذي تمثل في الحملات الصليبية على قلب الوطن العربي والكيانات الاستيطانية التي زرعت في فلسطين وسوريا وشمال العراق، وهددت مصر والمغرب (1096-1294م). هذا الخطر قد جعل الوطن العربي يسلم القيادة الى أنظمة حكم عسكرية، تنحدر أصولها من أصلاب غير عربية، ولم تكن الحضارة العربية قد أصبحت ذات شأن كبير في بيئاتها وبلاطات حكمها، كما أن الخطر الداهم لم يترك لها متسعا من الوقت للاهتمام بالفكر والثقافة والحضارة؛ وأصبحت سيطرة "عسكر المماليك" الذي ظهروا في الدولة العربية منذ عهد المعتصم العباسي (179 227هـ/ 795-841م) أمرا مألوفا وواقعا شائعا، بل شيئا مرغوبا فيه منذ اشتد الخطر الصليبي .. فكانت السيطرة لدول مؤسسات الفروسية العسكرية التي قادت المعارك ضد الصليبيين: الدولة الزنكية (518-567 هـ/ 1127-1171م) فالأيوبية (567 648 هـ/ 1171-1250م) فالمماليك بحرية وبرجية (648-923 هـ/ 1250-1517م). ثم كانت السيطرة العثمانية على أغلب أجزاء الوطن العربي (923-1341هـ/1517-1922م)، الأمر الذي خلق مناخا غذى العوامل التي أضعفت نمو القسمات القومية للجماعة العربية وساعدها.

 

ولقد كان من نتائج الصراع بين الغرب والعرب خلال فترات الغزو الصليبي أن أحرزت أنظمة الحكم العسكرية انتصارات رائعة في الميدان العسكري، فانحسرت موجات الغزو الاستيطاني، بل اندحر الزحف التتري المغولي عن البلاد، الأمر الذي مد في عمر هذه الأنظمة غير العربية، لا عرقيا و لا حضاريا، على حين كانت حملات الصليبيين وهزيمتهم مناسبة اكتشفوا أثناءها وبعدها مقومات حضارة العرب وأسباب تقدمهم. فأخذت أوروبا تشهد حركات الاصلاح الديني، وتتجه الى تراثها اليوناني بواسطة التراث العربي ومن طريقه، ثمر خطت الى عصر نهضتها، وأخذت تبني دولها القومية. ثم كانت الثورة الصناعية، الأمر الذي نقل مركز الاشعاع الحضاري من الوطن العربي الى أوروبا.

 

وهكذا تخلفنا نحن عندما دعمت انتصاراتنا العسكرية قبضة الأنظمة غير القومية على مقدرات حياتنا، بينما فتحت هزيمة أوروبا العسكرية عيونها على سر ازدهار الحضارة العربية، فسلك الغربيون الطريق لبناء دولهم القومية، ورزحنا نحن تحت سيطرة ونير المماليك والعثمانيين، فتجمدت بعض قسماتنا القومية وأصاب الذبول بعضها الآخر، وحق لنا أن نقول عن الآثار النهائية والبعيدة المدى الى هزيمة المنتصر وانتصار المهزوم؟! فالذين انتصروا، عسكريا، تخلفوا قوميا، ومن ثم حضاريا، والذين انهزموا، عسكريا، تفتحت عيونهم على كنوز الحضارة، فانتصروا عندما دخلوا عصر النهضة وبناء دولهم القومية من أوسع الأبواب!

 

ثالثا: عصر اليقظة القومية

 

عندما عادت أوروبا الاستعمارية الى جولة جديدة في صراعها التاريخي الطويل ضد الشرق، وضد الوطن العربي بالذات، ومثلت حملة بونابرت الفرنسية (1798-1801م) على مصر والشام طلائع هذه الجولة الجديدة، كانت أنظمة الحكم "المملوكية العثمانية" قد بلغت مرحلة الشيخوخة، وآذنت شمس فروسيتها العسكرية أمام عتاد الثورة الصناعية الأوروبية الحربي بالغروب، ففقدت مبررات سيطرتها على رعيتها العربية عندما هزمت حملة بونابرت فرسان المماليك، وانكشارية العثمانيين.

 

وعندما برزت قدرات العرب المصريين في ثوراتهم ضد جيش بونابرت، وقدرات العنصر الوطني العربي في حصار الفرنسيين عكا سنة 1799م، لاحت في الأفق بشائر عصر جديد، تعود فيه القيادة، حتى في الميدان العسكري، الى العنصر الوطني العربي، ومن ثم تفقد فيه مؤسسات الحم غير العربية مبررات وجودها واستبدادها بحكم البلاد، الأمر الذي فتح الطريق لعودة الروح الى قسمات العرب القومية من جديد، فبدأت مرحلة اليقظة القومية العربية الحديثة، واتخذت من جيش مصر الوطني ودولتها الحديثة التي قاد بناءها محمد على باشا (1183-1266 هـ/1769-1849م) في النصف الأول من القرن التاسع عشر، اتخذت منها نقطة بدء تواصل بعدها مسيرتها القومية العربية التي توقفت عن السير عدة قرون.

 

فكانت الضربات التي أصابت العلاقات الاقطاعية في الريف والزراعة عندما ألغي نظام "الالتزام" و "الأوقاف".

 

وانتهت سيطرة المؤسسة العسكرية المملوكية التي دامت عدة قرون.

 

وأنهت حملات الجيش المصري على الجيش العثماني بالشام التي أكتسبها بفتوحاته الأوروبية.

 

واتصلت أسباب العلم والحضارة بين العرب وبين أوروبا، فرأوا ثمار النهضة المؤسسة على العقلانية، والمعتزة بالخصائص القومية، وأدركوا أثر انفتاح الأوروبيين على حضارتهم وتراثهم القديم في بعث نهضتهم وبناء كيانهم الحديث، وهو الأثر الذي تجسد في "الكلاسيكيات" الفكرية الأدبية والفنية التي انتزعت روعتها الاعجاب والاحترام.

 

ومن ثم كانت الدعوة الى العروبة والقومية العربية، فنشأت الجمعيات: فكرية، وثقافية، ثم سياسية، وتصاعدت بأهدافها وأساليب نضالها الى أن أصبحت حركة قومية عربية، امتلكت رؤيتها الواضحة وأهدافها المحددة في بناء دولتها القوية الواحدة. امتلكت هذا الوضوح وهذا التحديد عبر طرق متعرجة مرت بها، ومن خلال ضباب فكري كثيف وقعت في أسره أحيانا ... فمن حركات اصلاح ديني، ذات طابع عربي، معادية للعثمانية والتتريك، بدرجات متفاوته مثل: الوهابية، والسنوسية، والمهدية، مثلا الى تيارات متباينه رفعت شعار "الجامعة الاسلامية" ثم تمايزت مفاهيمها لمضمون هذا الشعار وأهدافه وعلاقة هذا المضمون وتلك الأهداف بالفكر القومي وهدف العرب في بناء وحدتهم القومية مثل تيار جمال الدين الافغاني (1838-1897م) وتيار مصطفى كامل (1874-1908م) وتيار اللامركزية في المشرق العربي ... مثلا. وخلال هذه العملية النضالية المعقدة تساقطت الشوائب وانقشعت الغيوم، وواكب وضوح الرؤية العربية في المسألة القومية صلابة عود الحركة القومية ا لعربية، وانعكس ذلك كله في الثورات والانتفاضات والجمعيات والأحزاب والأدب السياسي، والفكر والفن الذي غدا مرآة الأمة العربية المعبرة عن الطور الجديد الذي بلغته في طريقها الى بناء دولتها والواحدة المجسدة لقوميتها الواحدة.

 

وعندما بدأت هذه اليقظة القومية في القرن التاسع عشر، كان الأدب السياسي العربي يستخدم مصطلح "الجنسية" بدلا من مصطلح "القومية"، نسبة الى "الجنس" الذي يطلق على الجماعة من الناس. ولكن عموم هذا المصطلح الذي قد يطلق على كل الناس، قد جعل الأدب السياسي، وخاصة في حقل الدراسات القومية يستخدم مصطلح "القومية" للدلالة على هذه الظاهرة المتمثلة في الجماعة البشرية العربية التي امتلكت قسماتها القومية الواحدة والساعية الى اغناء واثراء المحتوى التوحيدي لهذه القسمات، والخلاص من العقبات التي تحول بينها وبين أبناء وحدتها القومية الجامعة.

 

ولقد كان شيوع مصطلح "القومية" في أدبنا السياسي الحديث، بدلا من مصطلح "الجنسية" والأول أدق في التعبير عن الظاهرة موضوع الدراسة- احدى علامات النضج في الحركة والدراسات القومية العربية. فهو مصطلح مشتق من مادة "قوم" التي وردت في كتاب العرب الأول: القرآن الكريم في 384 موضعا، غلبت عليها جميعا الدلالة على الجماعة المحددة بحدود والمجتمعة حت مظلة روابط معينة والمتصفة بصفات مميزة، فهي تطلق على "المجتمع" المتميز بصفات تجمعه. و "قوم" الرجل هم شيعته وعشيرتة، كما أن "قوم" كل رسول هم مجموع الأمة التي بعثه الله لهدايتها. وقوم الرسول محد (صلى الله عليه وسلم)، الذين بدأ بهم دعوته هم العرب، فهو النبي الأمي العربي بعثه الله سبحانه في "الأميين" أي العرب رسولا.

 

وكذلك استخدم الأدب السياسي العربي الحديث مصطلح "الأمة" العربية تحديدا للجماعة البشرية العربية التي تميزها، قوميا، قسماتها القومية العربية. وهو مصطلح ورد، هو الآخر، في القرآن الكريم في 64 موطنا. ومن معانية التي رشحته الى هذا الاستخدام الحديث: الجماعة. فالأمة هي: الجماعة. وأمة الرجل قومه، كما يقول ابن منظور في لسان العرب. فالصلة اذن بين الأمة والقوم أصيلة في تراثنا اللغوي القديم.

 

رابعا: عقبات على الطريق

 

ولقد كان مقدرا لحركة القومية العربية التي تحركت في أرجاء الوطن العربي بعد أن دقت حملة بونابرت ناقوس الخطر المؤذن بجولة جديدة في الصراع التاريخي بين العرب والغزاة، وبعد أن تداعت أركان النظم غير القومية، سواء أمام جيش بونابرت أو أمام المقاومة العربية القومية، كان مقدرا ومأمولا أن تبني الجماعة العربية دولتها القومية على أنقاض حكم المماليك والعثمانيين، لتجعل منها سفينة النجاة من الخطر الاستعماري الأوروبي الحديث.

 

ولكن عوام كثيرة، يرجع بعضها الى محدودية القدرة الذاتية لهذه الحركة، وما كان يمثله الاقطاع والعشائر من نفوذ أثمر ضعفا في قدراتها، وما كانت عليه أطماع الأوروبي، المسلح بثمرات الثورة الصناعية والشراهة المجنونة للاستغلال الرأسمالي، ما كانت عليه هذه من بأس وضراوة وتصميم على الحيلولة بين هذه الأمة وبين انجاز وحدتها القومية، حتى لا تفلت نهائيا من شراك الاحتلال والاستغلال هذه العوامل، ومثلها معها، جعل الاستعمار الأوروبي الوريث لدولة آل عثمان "امبراطورية الرجل المريض". فبدأ استعمار فرنسا الجزائر سنة 1830م وانكلترا عدن سنة 1838م، وفرنسا تونس سنة 1881م واحتل الانكليز مصر سنة 1882 وبعدها السودان .. ثم احتلت فرنسا بقية المغرب العربي سنة 1912م. وصحب ذلك احتلال ايطاليا ليبيا ... ثم جاء دور المشرق العربي في التقسيم الذي اتفق عليه الانكليز والفرنسيون بمعاهدة "سايكس بيكو" سنة 1916م، ووضعوه موضع التنفيذ عقب الحرب العالمية الأولى .. وكان وعد بلفور باقامة وطن قومي يهودي في فلسطين تجسيدا للمخطط الاستعماري الجديد.

 

وهكذا استبدلت سطلة الأتراك العثمانيين، غير العربية وغير القومية، بسلطة المستعمرين الأوروبيين من انكليز وفرنسيين وايطاليين، وازدادت حواجز التجزئه والاقليمية داخل الوطن العربي والواحد، وسهر التخطيط والتنفيذ الاستعمار على تنمية ورعاية مقومات التجزئة ومبررات الاقليمية، حتى يضعف من فاعلية القسمات القومية وتأثيرات عوامل التوحيد ... وحتى عندما كانت السلطة الاستعمارية واحدة، والأقاليم المستعمرة متلاحمة، ومتجانسة التجانس كله، كان المستعمر ينفذ ويرعى مخطط التجزئة وينمي أسبابها، ففرنسا قد حافظت على تجزئة أقطار المغرب التي وقعت تحت نيرها الجزائر، وتونس، والمغرب- وانكلترا فعلت الشيء ذاته، بل أمعنت في التجزئة واصطناع الكيانات في : العراق، والخليج العربي الذي قسمت شاطئه الى امارات عدة وجنوب اليمن، والاردن، وفلسطين. وكذلك صنع الفرنسيون بالمشرق فأقاموا في سوريا عدة دول للطوائف والمدن والولايات.

 

ثم كان انشاء جامعة الدول العربية سنة 1945م، التي أراد الاستعمار، والاستعمار الانكليزي بالذات، من وراء تزكية انشاءها، أن يكرس التجزئة التي رعاها وسقى عودها، حتى أصبحت في الدويلات والدول العربية مصالح اقليمية وضيقة تعبر عنها طبقات أنانية المصالح محدودة الأفق، حمل الاستعمار ممثليها الى السلطة في كثير من الأقاليم، ثم حملهم الى صيغة جامعة "الدول" كي تكون بديلا عن الجامعة القومية والدولة الواحدة. وبعد ذلك أقام مستعمرته الاستيطانية اسرائيل- التي استخدم في انشائها التيار الصهيوني العنصري، وجعلها تشق وحدة أرض الأمة العربية، كي تحول بين واحد من أهم شروط القومية وحدة الأرض- وبين التحقق والاكتمال! وحتى تمثل في ظل الاستعمار الحديث دور "مملكة أورشليم" الصليبية في الجولة السابقة من الصراع!

 

وأصبحنا على المستوى الرسمي، نجد الجماعة القومية العربية، التي يقترب تعدادها من المئة والأربعين مليونا، والتي تعيش في وطنها الواحد المحدود شرقا بالخليج العربي وغربا بالمحيط الأطلسي، وشمالا بجبال طوروس، وجنوبا الصومال والسودان الجنوبية مع الحبشة أصبحنا نجد هذا الوطن وهذه الأمة تتوزعها عشرون "دولة" غير فلسطين السليب، مع تفاوت في تعداد سكان كل دولة ما بين 100000 نسمة الىقرابة الأربعين مليونا! فالشرق العربي تبلغ مساحته 3710058 من الكيلومترات المربعة، مقمسة الى ثلاث عشر دولة، بعضها مقسم الى عدة امارات، وسكانها يبلغ عددهم حوالي أربعين مليون نسمة. أما مصر والأجزاء العربية- الأفريقية فتبلغ مساحتها 9920721 من الكيلومترات المربعة، مقسمة الى ثماني دول، يسكنها حوالي مئة مليون نسمة.

 

وهو التقسيم والتجزئة التي يجسدها الجدول الآتي (الذي يبدأ بعرب آسيا ثم عرب أفريقيا):

 

رقم الدولة عدد السكان المساحة ملاحظات

1 اتحاد الامارات العربية 195000 83600 بالمشرق

2 الأردن 1400000 92000 بالمشرق

3 البحرين 225000 598 بالمشرق

4 اليمن الشمالي 5500000 195000 بالمشرق

5 اليمن الجنوبي 1300000 287682 بالمشرق

6 سوريا 6800000 185180 بالمشرق

7 العراق 10000000 434724 بالمشرق

8 السعودية 7500000 2149690 بالمشرق

9 عمان 750000 212400 بالمشرق

10 فلسطين 3200000 20770 بالمشرق

11 قطر 110000 22014 بالمشرق

12 الكويت 650000 16000 بالمشرق

13 لبنان 2800000 10400 بالمشرق

14 تونس 5400000 164150 بالمغرب

15 الجزائر 14500000 2381741 بالمغرب

16 السودان 16600000 2505813 بالمغرب

17 الصومال 3100000 637657 بالمغرب

18 ليبيا 2000000 1759540 بالمغرب

19 مصر 36000000 1000000 بالمغرب

20 المغرب 16500000 445050 بالمغرب

21 موريتانيا 1200000 1030700 بالمغرب

المجوع 135730000 13630449

 

ولقد اجتهد الاستعمار، الذي خطط لتجزئة الوطن العربي، واجتهدت وتجتهد القوى والفئات التي وجدت وتجد في هذه التجزئة الاشباع لمطامعه الآنية والضيقة، في خلق الواقع المادي والبنى الفكرية التي تطيل في عمر التجزئة، وتجعلها عقبة حقيقية تحول دون قيام الوحدة القومية، فكان التخطيط للتنمية الاقتصادية على أساس قطري، ووضع العراقيل أمام مشاربع التكامل الاقتصادي العربي والسوق العربية المشتركة التي طرحها الفكر القومي واستطاع فرضها من حيث المبدأ حتى في اطار جهاز جامعة الدول العربية، الأمر الذي أثمر قيام المصالح القطرية المتعارضة في أجزاء عربية مع نظرائها في أجزاء أخرى، وما عكسته هذه المصالح الاقليمية من نزعات لا قومية حاول دعاتها استبدال الشخصية القومية العربية الواحدة بشخصيات اقليمية اصطنعوها للأقليم، واجتهدوا في اختراع المميزات والقسمات التي تستر تهافتا وهلاميتها، كما حاولت هذه النزعات اللاقومية فاتعال تناقضات بين الهوية القومية العربية التي أصبحت رباطا مشتركا لأبناء الأمة العربية وبين المراحل الحضارية القديمة التي عبرتها شعوب هذه المنطقة قبل أن تنخرط في موكب العروبه وتكتمل لها عملية التعريب، مثل افتعال تناقض بين ماضي مصر الفرعوني أو القبطي وبين عروبتها الحالية، أو التناقض بين ماضي لبنان الفينيقي وبين عروبة أهله منذ دخوله ضمن اطار الدولة العربية الكبرى.

 

لكن جماهير الأمة العربية قد أصبحت مالكة سلاح "وعي" قيمة وحدتها القومية وحركات سياسية ثورية وحدوية، فلم تعد حركتها في اتجاه الوحدة حركة عفوية تدفعها اليها فقط وحدة القسمات التي تكون قوميتها العربية الواحدة، بل لقد أضاف "الوعي" القومي الى هذه العوامل ادراك هذه الجماهير أن تحقق أمانيها في التقدم الحضاري والعدل الاجتماعي والانعتاق من نير الاستعمار الجديد والاستفادة القصوى من ثرواتها وخيراتها رهن بتقدمها في طريق الوحدة القومية.

 

ومن خلال ثوراتها واتفاضاتها الوطنية والديموقراطية، التي تتميرز بمضامين اجتماعية متقدمة، وبواسطة الحركات والتنظيمات والاحزاب القومية، وحتى من خلال الأجهزة والأطر التي قامت لحماية التجزئة وتكريس الأقليمية، أخذت جماهير الأمة العربية تناضل في سبيل تجسيد وحدتها القومية في دولتها القومية الواحدة.

 

فهي تسعى لاغناء واثراء قسماتها القومية الواحدة بالمضامين الأكثر انسانية والأكثر استنارة والأكثر تقدما.

 

وهي تجعل فكر أمتها الموحد ووعاءها الحضاري الواحد الوارث الشرعي الذي يعتز بالتراث الحضاري الذي أبدعته شعوب هذه المنطقة قبل توحيد العروبة والتعريب لابنائها.

 

وهي تناضل من أجل ازالة الأساس المادي للتجزئة والاقليمية، المتمثل في التجزئة والتنمية غير المكتملة، حتى تسقط انعكاساتها الفكرية مع الطبقات والفئات التي تستثمرها وتستفيد منها.

 

وهي تسعى كي تجعل من معركة تحرير فلسطين البوتقة المقدسة التي تنصهر فيها وحدتها القومية المنشودة.

 

وهكذا تتقدم المسيرة القومية العربية نحو اسكمال مقومات الأمة العربية الواحدة، كي تجسد على أرض الوطن الواحد دولتها القومية الواحدة حتى تعود هذه الأمة الى مكانها اللائق بها، فتواصل دورها التاريخي كاحدى القوى الهامة والكبرى في الساحة الدولية والمجتمع الانساني، وحتى تسهم من جديد بعطائها الحضاري الغني، الذي يجعل من حاضرها ومستقبلها الامتداد المتطور للصفحات المشرقة التي سطرها أسلافنا في عصر النهضة والازدهار.