المهاتما الثائر.. "غيفاندي"

  بسام الكعبي   كنعان

 

وصل القدس المحتلة منتصف الثمانينيات أكاديمي فلسطيني قادماً من الولايات المتحدة مبشراً بفكرة محرر الهند المهاتما غاندي داعياً لتبني "السايتاغراها" كأسلوب سلمي في مواجهة الاحتلال، نشط لتوطين فكرته باعتماد حل دون عنف للصراع وأسس لتوجهه مؤسسة أهلية. أحد الأيام قاد مجموعة شبان احتجاجا على الاستيطان وطالبهم الجلوس أرضاً بصمت ودون حركة على الطريقة الهندية فأشبعهم جنود الاحتلال ضرباً.. سقط أسلوب غاندي بكعب بندقية لا ترحم لكن رمزية المهاتما لم تهتز فلسطينياً بينما ظلت صور الثائر العالمي إرنستو تشي غيفارا تحتل أسوار القدس المحتلة وأفئدة شبانها.

كتب الشاعر السوري "أدونيس" تحت عنوان "غاندي لا غيفارا" مقارناً بين النموذجين مفضلاً الطابع السلمي الهندي على الثوري اللاتيني، ورد عليه روائي ساخراً: هل تفضله مع المايونيز يا سيدي، هل تعتقد أنه طبق يُقدم اليك؟

أحيّا اليسار العالمي في الرابع عشر من حزيران الماضي الذكرى الثامنة والسبعين لميلاد "تشي" البطل الارجنتيني الأصل الذي أغتيل غدراً في بوليفيا، وكان في مطلع الاربعينيات فارتفع رمزاً بين شبان العالم برفضه التمترس خلف مكتب وزارته الكوبية بجوار الرئيس كاسترو أو مستغلاً وظيفته كطبيب لضمان حياة مترفة، واختار بقناعة مواجهة جنرالات اميركا اللاتنية اقتداء بمسيرة رمزه الثائر سيمون بوليفار الذي واجه ببطولة نادرة الاحتلال الاسباني وحرر مجموعة بلدان داعياً لوحدة اميركا اللاتنية.. فاستحق عن جدارة لقب "المحرر".

المدرسة الغيفارية في اختيارها شكل كفاحها ليست معبراً للانتحار، وهو أسلوب تفرضه خصوصية الطرف المعادي الذي لا يمنحك حتى "فرصة" الاستسلام!! ومقاتلو "حزب الله" في معاركهم البطولية ردوا الاعتبار لفكرة غيفارا برفض الاستسلام مهما بلغت التضحيات وعززوا أخلاقيات المقاتل: القائد أول من يطأ الميدان وآخر من يغادر وينام ويأكل..مترفعاً عن الامتيازات.

المهاتما ابتكر أسلوبه الكفاحي ونحته من خصوصية واقع شبه القارة الهندية وانتزع انتصاره سلمياً ليضيف شكلاً نضالياً مهماً لمسيرة التحرر الوطني على مستوى العالم.. لكن قد يصعب استنساخه ميكانيكياً على طريقة الاكاديمي الفلسطيني.

هل يمكن دمج نهجي التحرر الوطني: غيفارا الثوري وغاندي السلمي؟ أجتهدُ بصيغة " غيفاندي" تركيباً من اسم الرمزين، فيما يعتمد المضمون طريقة غيفارا مع عدو لا يشبع قتلاً وتدميراً وخطوات غاندي في السلم المجتمعي الداخلي.. بمعنى آخر: غيفاري في مواجهة الجلاد وغاندي تصرفاً ومسلكاً مع الضحية... لكن للأسف أجهزة النظام الرسمي العربي تقلب المعادلة: غيفاري على المظلوم وغاندي مع المحتل!!