الجزائر
بين الآجال
الحارقة
والأسئلة الملتهبة
نصر
الدين بن حديد*
لا حديث في
الجزائر ـ أو
بالأحرى بين
الجزائريين ـ
راهنًا سوى عن
«ميثاق
المصالحة»، تراوحًا
بين القول
بالتمديد أو
الحزم بالرفض
وإغلاق «باب
الرحمة».
النقاشات
الدائرة بين
السياسيين
والمعنيين
وكذلك ما شهدته
وسائل
الإعلام، اختزلت
مجمل المشهد
السياسي
الجزائري حين
تجاوزت المواقف
البعد
المباشر
للسؤال لتلفّ
أو تعبّر عن
مدى
التحالفات أو
حالات
التناقض ـ إن
لم نقل النفي
ـ القائمة بين
الأطراف
فاعلة ضمن هذا
المشهد...
يختزل هذا
السؤال مجمل
المعادلة
الجزائريّة
الراهنة ضمن
جذورها
وتراكماتها
التي تضرب
بعيدًا
متجاوزة الأبعاد
البيّنة ـ أيّ
إلغاء الدور
الثاني من الانتخابات
التشريعيّة
سنة 1991 وما تلا
من «تعقيدات» ـ
ليمسّ البنى
السياسيّة
وكذلك
الاجتماعيّة
والثقافيّة،
وما أفرزته من
حالة جذب وتنافر...
يعلم الجميع
يقينًا أن
السؤال يتطلب
ـ في مقامه
المباشر ـ
معالجة سريعة
وإجابة
آنيّة، حين يخلّف
التأجيل أو
التسويف
نزيفًا يهدّد
الجزائر
بأكملها ـ
سواء كانت
الدولة أو
الشعب ـ وكذلك
وجوب أن
يتجاوز هذا
الجواب محاولة
التسكين أو
التخدير من
خلال السعي
إلى البحث أو
الغوص في
الجذور
المؤسّسة
لحالة التناحر
التي لا تزال
قائمة، سواء
كانت نارًا
مشتعلة أو
جمرًا يتستّر
بالرماد...
الجواب الذي
ستقدّمه
القيادة
الجزائريّة ـ
مهما كانت
طبيعته ـ يأتي
ملبيا
وموافقًا لآراء
البعض ومغفلا
ـ إن لم نقل
مسفهًا ـ
لتطلعات
الآخرين، ومن ثمّة
وجب على
الطبقة
السياسيّة
بأجملها وكامل
الأطراف
الفاعلة
البحث عن حالة
توافق تنزل
بالرؤية إلى
ما هو أعمق من
مجرّد القبول
أو الرفض،
لتؤسّس لحالة
من «الثقة»
التي تمثّل
الشرط الأوّل
والأساسي
لقيام حالة
التوافق هذه...
الأكيد
والذي لا يقبل
الجدل يكمن في
انعدام التوافق
أو هو عدم التطابق
بين الإطار ـ
المباشر
والتطبيقي ـ
الذي يتنزّل
ضمنه«ميثاق
المصالحة» من
جهة وبين ما يبغيه
البعض من حلّ
ـ عن لوعة أو
صدق ـ للمعادلة
الجزائريّة
ضمن أبعادها
المأساويّة
الشاملة
والواسعة
خصوصًا، حين
يأتي الميثاق
في صورة
الكلمة
الأولى من
السطر الأوّل
من الصفحة
الأولى من
الفصل الأوّل
من كتاب
المصالحة
الشاملة
والتوافق التام،
أيّ أنّه
المفتاح
القادر على
فتح باب الغد،
وليس الباب
ذاته، وقد رغب
البعض أو سعى
أو أراد ـ عن طوبائيّة
أو حلم أو
مناورة ـ جعله
أو تسويقه في
صورة «المعجزة»
القادرة على محو
الماضي من
الذاكرة
وإلغاء كلّ
الشوائب التي
لا تزال تعيق
البرء والانعتاق
من بوتقة «العنف
التدميري»
بجميع أشكاله
وضمن جميع
صوره...
السؤال في
بعده الأشمل
والأوسع
يتمحور في
البعدين
التاليين:
ـ لماذا
انزلقت
الجزائر في
دوّامة الحرب
الأهليّة؟
ـ كيف
صار القتل والتصفية
ضمن أبشع
الصور وسيلة
التخاطب
الوحيدة بين
شقّ كبير من
الجزائريين؟
لا يكمن
الحلّ في
تحديد أسماء
الفاعلين ومن
تورّط ـ ضمن
هذه الصورة أو
تلك ـ فهذه
مهمّة
العدالة في
المقام
الأوّل وكذلك
من أدوار
التاريخ، بل يتوجّب
على الطبقة
السياسيّة
والنخب بجميع
طبقاتهم طرح
هذه الأسئلة
من باب تحديد
مواطن الخلل ومواضع
العلّة،
ليخلص الجميع
إلى حالة من
التوافق أو هو
نمط من
الميثاق أو
العرف الذي
يبحث عن
التأسيس لحالة
من الاستقرار
والرسوخ تنفي
ـ بأيّ حالة
كانت ـ أن
يتجدّد ما فات
وأن يصير درسًا
نستفيد منه
سواء ضمن
البحث عن
تأسيس الدولة
الراهنة أو أن
نترك للأجيال
الصاعدة أو القادمة
إرثًا لا نخجل
منه أو هم لا
يخجلون بالانتساب
إلينا...
الجميع
يتّفق على
اعتبار أنّ
الموافقة أو
الرفض لا يمكن
أن تكون سوى
مجرّد وسيلة
للخروج من عنق
الزجاجة، حيث
غادرت
الجزائر منطق
«الحرب
الأهليّة» دون
القدرة على
التأسيس
لـ«سلم
اجتماعية
دائمة
وراسخة»، ومن
ثمّة يتفّق
الجميع
ويتوافقون
على اعتبار أنّ
المصلحة
الوطنيّة هي
المبتغى
والمراد، ليصير
الأسلوب ـ حين
صفاء النوايا
ـ محصّلة
الآراء
وملخّص
الرؤى، دون
رغبة هذا الطرف
أو ذاك في نفي
الطرف
المقابل أو أن
يدّعي في
الأمر وصاية
أو «قداسة»
ليقود الجميع
إلى جنّة قسرا
وعنوة...
لا يمكن ـ
بأي صورة ـ
لأيّ كان أن
ينكر ـ بمن
فيهم من رفض
وعارض مشروع
«ميثاق
المصالحة» ـ
أنّ الأوضاع
الأمنيّة في
الجزائر شهدت
تحسّنا
ملحوظًا
مقارنة مع ما
كان قائمًا من
قبل، ومن ثمّة
وجب على هؤلاء
«الخوارج»
البحث عن صيغة
ـ أو صيغ ـ
إثراء هذا
المشروع، من
باب أنّه حفظ
دماء الآلاف
من
الجزائريين، رغم
ما قد نرى فيه «من
نقائص»... كذلك
لا يمكن ـ
بأيّ صورة ـ
لأيّ كان أن
يدّعي ـ بمن
فيهم من وضع
«ميثاق
المصالحة» ـ أنّه
«المطلق
والمقدّس أو
المنزّل» ومن
ثمّة يأتي ـ
حسب ذات الرأي
ـ من خالفه أو
رفضه في صورة
«المدنّس أو
الخائن»،
لتكون هذه
الصورة شديدة
الشبه إن لم
نقل مطابقة
لما كان
قائمًا قُبيل إلغاء
الدور الثاني
من الانتخابات
التشريعيّة...
قد يتخفّى
الرافضون خلف
ما يرونه من
«عدم شرعيّة
النظام
القائم» وقد
يرى من وضع
القانون أنّ
التمديد يعني
التسيّب
والانحلال
وما يعني ذلك
من مسّ من
هيبة الدولة،
فالقول واجب لهؤلاء
الرافضة بأنّ
مبدأ
الاختلاف أو
الصراع مع هذه
الدولة
القائمة لا
يعني أنّ
منجزها عدم،
وأيضًا نقول
أنّ بناء
الدولة
يتوجّب «قدسيّة
القوانين»
لكنّ ما يسبق
القوانين
ويؤسّس لهذه
القدسيّة هو
الإجماع
والتلاقي
والتوافق وما
يسبقها
جميعها من
تشاور بعيدًا
عن عقليّة
الإقصاء
وضغائن
التصفية
جسديّة كانت أو
فكريّة...
ليس المطلوب
أو المأمول أو
الحلم أن
ننتقل بين
لحظة وأخرى من
وضع الاقتتال
الدامي إلى
حالة التوافق
المطلق، فقد راكمت هذه
البلاد من
الضغائن
والآلام
والندوب ما يجعلنا
بل يلزمنا أن
ننظر إلى
التاريخ ـ هذا
التاريخ
الدموي ـ نظرة
تترفّع عن
الأهواء وترتقي
دون الغرائز
التي وجب أن
نعترف
بقدرتها ـ ضمن
الحالة
الجزائريّة ـ
على تعطيل
الرؤية العقلانيّة
القادرة على
جعلنا جميعًا
نحسّ منذ عقود
أو هي للمرّة
الأولى في
تاريخ هذه
البلاد تأتي
راهنًا في
صورة ذلك
القارب الذي
لم يغادر بعد
منطقة
الأعاصير
العاصفة
والرياح العاتية
وبالتالي ليس
لمن شاء أن
يبغي الصعود
فوق أكتاف
الآخرين وليس
لمن شاء أن
يعطلّ الرحلة نحو
شاطئ الأمان...
نصر
الدين بن
حديد(*)
nasrbenhadid@yahoo.fr
(*) صحفي
جزائري مقيم
في تونس