الدكتور برهان غليون: مصالح أمريكية وأوروبية وعربية وراء الحرب على لبنان

  - شبكة الانترنت للإعلام العربي

حادثه : هشام القروي


 

 برهان غليون أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون – باريس 3 – ومدير مركز دراسات العالم العربي والشرق المعاصر، غني عن التعريف. فهو من الشخصيات الفكرية العربية التي روجتها وسائل الاعلام، بما فيها المكتوبة والمسموعة والمرئية. والحديث معه شيق وممتع ومفيد. وفي الوقت الذي أحضر فيه هذه المقابلة للنشر، اطلعت على بعض الأخبار التي تؤكد أغلب ما قاله لي حول الحرب اللبنانية، وخاصة ما كشفته "الغارديان" البريطانية ومجلة "نيويوركر" – انظر ما كتبه سيمور هارش في عدد 14 أغسطس 2006 - من أن عددا من المسؤولين الاسرائيليين سافروا الى الولايات المتحدة في شهر أيار/مايو الماضي لطرح خطط مهاجمة حزب الله على الحكومة الأمريكية، لأخذ الضوء الأخضر، وأن الادارة الأمريكية مورطة تماما في الاحضار لهذه الحرب. وهذا ما أكده لي البروفسور برهان غليون قبل أن تظهر أية اشارات اليه في الصحافة. ودون اطالة اليكم الحديث:

لنبدأ من هذه الحرب  الأخيرة على لبنان... ألا ترى ان ما شجع اسرائيل هو انها تعرف مسبقا أن الدول العربية عاجزة ولن ترد الفعل؟

د. برهان غليون: أعتقد ان اسرائيل لم تتوقع اطلاقا رد فعل الدول العربية على هذه الحرب وأقل من ذلك رد الفعل الايجابي من بعضها. وأعتقد ان مشروع الحرب قد نوقش بشكل واضح بين واشنطن وتل أبيب وهدفه تطبيق القرار 1559 الذي ينص - من أشياء أخرى - على تفكيك حزب الله ونزع سلاحه. وهو الهدف الذي تسعى الدبلوماسية الاسرائيلية والاوروبية لتحقيقه منذ سنتين عن طريق الحكومة اللبنانية من دون جدوى. وقد استغلت اسرائيل، كما هو واضح، عملية خطف الجنديين من قبل حزب الله لتبدأ تنفيذ هذا المشروع المعد منذ فترة طويلة. إن أهمية نزع سلاح حزب الله مزدوجة، وتعني المصالح الأمريكية والاسرائيلية معا. فبالنسبة للولايات المتحدة، يمثل تفكيك حزب الله ضربة كبيرة للمحور الذي تشكل في السنتين الأخيرتين ضد سياستهافي الشرق الأوسط بطرفيه السوري والايراني. فنزع سلاح حزب الله هو كسر الذراع الضاربة  لهذا المحور، ومن خلال ذلك تطويع النظام السوري واضعاف الموقف الايراني فيما يتعلق بملف تخصيب اليورانيوم المفتوح. ثم تثبيت الوضع اللبناني الذي نجم عن انتفاضة 14 آذار بعد مقتل الحريري وقاد الى اخراج القوات السورية من لبنان. هذا بالنسبة للولايات المتحدة، أما فيما يتعلق باسرائيل، فقد وجدت الفرصة المثالية للتخلص من التهديد الدائم على حدودها الشمالية من قبل حزب الله الذي يملك ترسانة من الصواريخ والكاتيوشا- القصيرة والمتوسطة المدى - والذي ارتبط اسمه بأكبر هزيمة عسكرية تكبدها الجيش الاسرائيلي في تاريخه عندما اضطر للانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 تحت ضربات هذا الحزب.

الحرب الاسرائيلية على لبنان هي في نفس الوقت حرب أمريكية، والى حد ما حرب عربية، لأن قسما كبيرا من الدول العربية المشرقية بدأت، بعد توقيع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي بين سوريا وايران في السنة الماضية، تشعر بخطر التمدد الايراني في المنطقة، بل احتمال تكوين حلف يضم أيضا العراق الذي تسيطر عليه حكومة من أصول شيعية. فلهذه الدول أيضا مصلحة في أن يقع اضعاف هذا المحور من جهة، وفي لجم طموح ايران لامتلاك تكنولوجيا نووية. نستطيع أن نقول إنه قد التقت في هذه الحرب مصالح متعددة وشكل حزب الله هدفا مشتركا لها، وهو ما يفسر البطء الشديد لرد فعل الدبلوماسية  الدولية - بما في ذلك أوروبا - التي لا تختلف مصالحها عن الولايات المتحدة وإن اختلفت أساليب المعالجة، والدول العربية التي أدان بعضهافي البداية مغامرة حزب الله، ولم ينعقد مجلس وزراء الخارجية العرب الا بعد 26 يوما من الحرب.

هناك فرضية تقول ان اسرائيل تشعر بالاختناق في الوقت الذي تجد نفسها محاصرة من طرف دول معادية لها...كوجود وكمشروع... وفي هذا الوضع، تحاول اسرائيل فك الحصار بضرب حلقاته الأضعف... فما هو تعليقك؟

د. برهان غليون:  يمكن أن تشعر اسرائيل بأنها محاصرة لأنها لا تزال في حالة عداء مع القسم الأكبر من الدول العربية. لكن هذا الشعور يخفي عقدة نقص تكوينية ولا يعبر عن الواقع الحقيقي. فالاسرائيليون أنفسهم يقولون - وهم صادقون - إن بإمكانهم هزيمة الجيوش العربية مجتمعة. والحقيقة أن اسرائيل هي التي تحاصر البلاد العربية بما تملكه من تفوق عسكري ساحق ومن تأييد دولي لا يفتر سواء من قبل واشنطن أو أوروبا، وبما هو قائم من تفكك الوضع العربي وتمزق جبهة البلدان العربية. والدليل على ذلك أن اسرائيل مستمرة في التطرف في سياستها وعدم التخلي عن أي مكاسب اقليمية حققتها أثناء الحروب السابقة التي ربحتها. فهي مستمرة في توسيع رقعة الاستيطان في فلسطين والالتفاف حول أي مبادرة  تقود نحو استقلال الدولة الفلسطينية، ولا تزال مستمرة في احتلال هضبة الجولان واخضاعها لسياسة الاستيطان، كما هي مصرة على الاحتفاظ بأراضي شبعا وكفر شوبا اللبنانية. فالذي يسعى للاحتفاظ بالمكاسب الاقليمية بالرغم من عروض السلام -المقدمة من العالم العربي- التي لم تهدأ، هو الذي يشعر بالقوة وبالقدرة على مواجهة الخصوم واخضاعهم. وهذا هو واقع الحال اليوم. اسرائيل هي التي تفرض الاذعان على البلدان العربية وليس العكس، وهي التي تشكل تهديدا حقيقيا لهذه البلدان بسبب تفوقها العسكري الساحق، وليس أي دولة عربية أخرى. فإذا كان هناك فعلا شعور لدى الاسرائيليين بالحصار بينما هم القوة الضاربة الأولى في الشرق الأوسط، فليس هناك حل للمسألة سوى تدخل الدول الكبرى لتحقيق السلام مع ضمان أمن اسرائيل وتطمينها.  لكن لا يمكن الاستمرار على الوضع الراهن الذي يعني أنه من المستحيل تطمين اسرائيل وارضاء عطشها للأمن إلا بتدمير محيطها العربي في لبنان وفلسطين وغيرهما.

كما هو معروف، الحرب هي أفضل تعبير عن مأزق السياسة، أو لنستعير عبارة كلاوزفيتش، هي "مواصلة السياسة بطرق أخرى"... فبرأيك، من المسؤول عن المأزق السياسي؟

د.برهان غليون:  المسؤول عن المأزق السياسي في الشرق الأوسط - أي عدم التوصل الى حل سياسي للصراع - بالدرجة الأولى، هي أطماع اسرائيل الاقليمية واستراتيجية الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة التي تراهن على التفوق العسكري الاسرائيلي من أجل فرض سيطرتها في المنطقة وتثبيته. هذا يعني أن غياب السلام والتسويات نابع أولا من عدم وجود ارادة سلام فعلية وتفضيل القادة الاسرائيليين الاحتفاظ بالأرض في فلسطين والجولان ولبنان على السلام. والمسؤول الثاني سياسات الهيمنة الغربية على منطقة الشرق الأوسط واكتشافها في التفوق العسكري الاسرائيلي أفضل وسيلة لأرهاب الدول العربية واجبارها على الخضوع لأجندة السيطرة العالمية.

 أنت صاحب الفكرة التي تقول انه في المثلث المكون من سوريا وايران وحزب الله، فإن سوريا هي أضعف الحلقات. ولهذا، فهي مستهدفة من اسرائيل على المدى البعيد... أود ان أربط هذا بأطروحة دانيال بيمان الذي كتب في "فورين آفيرز" - نوفمبر/ديسمبر 2003 - قائلا ان الخيار الوحيد الذي تستطيع واشنطن أن تجابه به حزب الله غير مباشر، ويتمثل في الضغط على سوريا وايران لنزع سلاحه... هل تعتقد أن هذا الخيار فشل الآن؟

د.برهان غليون: هناك الكثير من المحللين الأمريكيين الذين دعوا في الأيام الأخيرة الادارة الأمريكية الى فتح حوار مع سوريا من أجل الالتفاف على العجز الذي أظهره الجيش الاسرائيلي أمام مقاومة حزب الله. وهذا دليل على أن حزب الله ليس الحلقة الأضعف ولكن سوريا بالفعل. إلا أن سوريا في هذه الحرب لم تلعب ورقة التضامن الفعلي مع حزب الله بالرغم من الخطابات المناقضة لذلك، ولم تفعل اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها مع لبنان في الماضي. ولكنها وقفت على الحياد وأوحت من خلال تصريحات مسؤوليها أنها مستعدة لن تساهم في اطفاء الحريق ووقف ضربات حزب الله اذا ما قدمت لها مكاسب معينة. باختصار، سوريا تجنبت الضربة الاسرائيلية والأمريكية لأنها وضعت نفسها في صف الذين يعرضون خدماتهم لوقف النزاع ولم تجعل نفسها طرفا في هذا النزاع. لا بل أن وزير الاعلام محسن بلال صرح في منتصف الحرب أن سوريا تعرف "القاعدة" في لبنان وهي مستعدة للتعاون مع الولايات المتحدة حول هذا الموضوع، إذا قبلت. سوريا بشكل عام تريد أن تستفيد مما يحصل، ولكنها لا تريد أن تتحمل مسؤوليته. بالاضافة الى ان الاسرائيليين يعتقدون أن الابقاء على نظام ضعيف ومسالم في دمشق أفضل من فتح باب لتطورات لا يمكن التكهن بها. الذين كانوا يريدون توسيع رقعة الحرب لضرب سوريا هم الأمريكيون وليس اسرائيل. أعتقد أن الحرب الاسرائيلية على لبنان خيبت الادارة الأمريكية في أمرين: أولا، عجزها بعد شهر من المعارك على القضاء على حزب الله. وثانيا، تجنيبها سوريا أي ضربة في سياق الحرب.

اذا كانت هذه السياسة الأمريكية مدعومة أمريكيا، فلماذا أصرت فرنسا على التدخل بشكل يعقد المشكلة؟ اللبنانيون والاسرائيليون وحتى الفلسطينيين والسوريين عارضوا الاقتراحات الفرنسية، وذهب السيد ايميل لحود، رئيس لبنان، في مقابلة بثتها "الجزيرة"، الى حد القول ان مساعي فرنسا استعمارية وليس وراءها سوى البحث عن موطئ قدم جديد... غير أن بعض الملاحظين الفرنسيين كانوا أشاروا الى أن باريس تحاول التقرب من ادارة بوش بعد الجفاء، حول موضوعين يهمان الملف السوري وملف حزب الله... فكيف ترى المسألة؟

د. برهان غليون: لا يعبر موقف لحود عن موقف لبنان الذي يمثله موقف الحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة. وهذا الأخير يراهن كثيرا على تدخل فرنسا لتعديل الموقف الأمريكي لصالح لبنان. ووراء هذا الموقف العلاقات الوثيقة التي تربط لبنان بفرنسا والتي تجعل الفرنسيين يشعرون بالتزام خاص تجاه لبنان، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، لا اعتقد أن الفرنسيين لعبوا لعبة الولايات المتحدة في هذا الموضوع، وإنما كان هدفهم الوصول الى تسوية بين الموقف الاسرائيلي والموقف اللبناني. وهو ما يصعب على الدبلوماسية الأمريكية الممالئة لاسرائيل تحقيقه بالمطلق. لكن الموقف الفرنسي لا يختلف عن الموقف الأمريكي والأوروبي فيما يتعلق بتطبيق القرار 1559 ونزع سلاح حزب الله. وهذه هي قاعدة الاتفاق.و فيما يتعلق بسوري، يختلف الأمر. فللأمريكيين مطالب اهمها وقف ما يسمونه "دعم الارهاب" في العراق. وللفرنسيين مطالب من دمشق أيضا، أهمها احترام سيادة لبنان وعدم التدخل فيه، لاعتقادهم ان لبنان يقع تاريخيا في دائرة النفوذ الفرنكوفوني. لذلك نستطيع القول: التقت مصالح واشنطن وباريس من أجل الضغط على سوريا وعزلها، وهو ما قوى من امكانية هذا العزل. وقد ساهم هذا الوفاق في اضعاف الموقف السوري بشكل كبير. وهو ليس حال لبنان الذي تتمتع حكومته بسمعة ورعاية وتأييد كبير من قبل الفرنسيين.

 لنتحدث الآن عن سوريا... هل تستطيع أن تذهب الى هناك متى أردت؟

د. برهان غليون: كل امرئ يستطيع أن يذهب الى سوريا متى يريد، ولكنه لا يستطيع أن يفعل في سوريا ما يريد، ولا أن يخرج منها كما يريد. فليس خافيا على أحد ان السلطة السورية القائمة لا تعير أهمية كبرى للحريات السياسية ولا لحقوق الانسان.

 كثيرا ما يقدمونك كمعارض لنظام البعث السوري... كيف تصف أنت علاقاتك مع النظام ومع المعارضة؟

د. برهان غليون: أعرف ذلك، ولكن المعارض في نظري هو الذي ينتمي الى حركة سياسية تعمل لأخذ السلطة. بهذا المعنى، انا لست عضوا في أي حزب سوري، ولكني مثقف نقدي  يرفض الوضع القائم ويدعو للتغيير الديمقراطي، ولا يتردد في دعم كل الحركات السياسية التي تعمل لتحقيق هذا الهدف. بهذا المعنى أيضا، لست رجل سياسة وانما رجل فكر له موقف سياسي واضح فيما يتعلق بمصير بلاده، كما هو الحال بالنسبة لمسائل أخرى عديدة تتعلق بالسياسات الدولية ومستقبلها. وبهذا المعنى أيضا أكون معارضا. لكن هذا الموقف  يسمح في الواقع بأن يكون لي هامش حركة تجاه النظام وتجاه المعارضةالسياسية في الوقت نفسه.فهدفي ليس الوصول الى السلطة ولكن مساعدةالمجتمع على تغيير الأوضاع وازالة الاستبداد.

أنت كتبت أكثر من ثلاثين كتاب حول كل شيء يتعلق بالمجتمع والسياسة في العالم العربي والاسلامي...وأنت تظهر للحديث عن هذه المواضيع كذلك بشكل دوري في القنوات الفضائية، كالجزيرة والعربية، وسواهما... وقد أخذت سوريا حصة كبيرة من اهتماماتك. فما هو توصيفك للوضع في سوريا؟ وكيف ترى المرحلة القادمة؟

د. برهان غليون: أخذت سوريا نصيبا مهما من اهتماماتي خاصة في السنوات الخمس الماضية لأني اعتقدت، كما اعتقد العديد من السوريين، أن هناك فرصة للتغيير ظهرت بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد. فكان لا بد من تعزيز الحركة الديمقراطية الناشئة ودعمها فكريا وسياسيا. وهذا ما دعاني الى أخذ مبادرات داخل سوريا وخارجها تتعلق بتوسيع فرص الاصلاح والتغيير الديمقراطي في هذا البلد. ومثال ذلك مشاركتي في ما سمي ب"ربيع دمشق"، الذي قضت السلطة على براعمه بعد شهور قليلة من تفتحها عام 2001. وما تعيشه سوريا اليوم هو نتائج القضاء على هذا الربيع الذي لم يكتمل. أي العودة الى سياسة القمع وتسليط أجهزة الأمن على المجتمع واغلاق أفق الاصلاح وزوال الثقة بالحكم، واستشراء الفساد كما لم يحصل في أي حقبة سابقة. ان قطع الطريق على الحركة الاصلاحية، كان يعني دفع البلاد بشكل أكبر نحو الفوضى والعنف. ولا يغير من ذلك ان العنف والفوضى لا يزالان الى الآن من صنع أجهزة الأمن والسلطة. ولكن ليس هناك ما يمنع اذا استمر تدهور ظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كما هو الحال، أن ينتقل سلاح العنف والفوضى من السلطة الى السكان وأن ندخل في حالة من الانفلات التي تميز اليوم للأسف العديد من بلدان منطقتنا. مشكلة سوريا الآن انها تعيش من دون أي أفق، من دون سياسة للمستقبل، من دون أمل، محاصرة من الداخل من قبل السطة وأجهزتها، ومن الخارج من قبل المنظومة الدولية التي ترى في هذا النظام مصدرا للمخاطر والتهديدات المنظورة وغير المنظورة.

ما الذي يمثله "ربيع دمشق"؟

د. برهان غليون: بعد وفاة حافظ الأسد الذي كان يمثل نوعا من السلطة الأبوية القاسية والمهابة معا، انتشرت لدى طبقة المثقفين والطبقة الوسطى آمال كبيرة بالتغيير والخروج من نظام الحزب الواحد الشبيه بالنظم الشيوعية. وغذى خطاب الرئيس الجديد الذي تحدث عن ضرورة التغيير في اطار سعيه لنيل شرعية جديدة، هذه الآمال عند المثقفين والطبقة الوسطى. فانتشرت منذ السنة الأولى ظاهرة المنتديات الفكرية ومجالس الحوار في المدن السورية بل حتى في القرى، كالنار في الهشيم. وتحولت سوريا خلال عدة شهور الى خلايا نقاش دائم، ليل نهار، حول مستقبل البلاد، وبشكل خاص تحقيق تحول ديمقراطي يسمح لكل الجماعات والافراد بالتعبير بحرية والمشاركة في الحياة السياسية المحجوزة حتى الآن. وأنا الذي شاركت في أكثر من منتدى، كان لدي شعور حقيقي في ذلك الوقت، اننا لو استمرينا شهرين آخرين لغدا من المستحيل على أي نظام غير ديمقراطي أن يدوم في البلاد.  كانت هناك حركة شعبية هائلة تطالب بالتغيير الديمقراطي بجرأة وشجاعة وحماس وذكاء وعقلانية.

لكن ما شعرنا به نحن، لسوء الحظ، شعرت به أيضا فئات المصالح الكبرى المافيوية المرتبطة بأجهزة الأمن والمتحالفة معها. وهي التي قادت منذ سبتمبر 2001 انقلابا كاملا على الوضع عبر عنه اغلاق المنتديات الفكرية ومنع التظاهرات السياسية وملاحقة المثقفين والحكم على 10 من أنشط المساهمين بأحكام قاسية تراوحت بين  5 و10 سنوات. ولا يزال الدكتور عارف دليلة عميد كلية الاقتصاد السابق ضحية هذا الحكم (حيث يقضي سنواته العشر في السجن). هذا في حين أخضع الذين اطلق سراحهم بعد تقضية مدة العقوبة لملاحقة مستمرة من قبل الأجهزة الأمنية فرضت عليهم ان يلوذوا بالصمت. ولا تزال ملاحقة المثقفين والناشطين في الجمعيات المدنية وانزال عقوبات طويلة بالسجن عليهم ملخص الحياة السياسية في هذا البلد. فلا يتحدث الناس في سوريا الا عن المعتقلين والمفرج عنهم والمعتقلين ثانية والذين يتعقبهم الأمن...الخ. هذه هي حياة سوريا ونهاية ربيع دمشق. لقد قتل الأمل بالتغيير الديمقراطي في المهد.

للولايات المتحدة اهتمام كبير بسوريا يعود الى منتصف القرن العشرين - فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية -، حيث نجدها ضالعة في تلك السلسلة من الانقلابات التي نقلت سوريا من يد الى يد... فكيف ترى مستقبل هذه العلاقات؟

د. برهان غليون: أعتقد أن العلاقات مع الولايات المتحدة ستكون صعبة مهما كانت طبيعة النظام القائم في سوريا طالما بقيت أمريكا ممالئة بشكل مطلق لاسرائيل وقابلة بسياستها التوسعية في الاراضي السورية المحتلة - الجولان - وفي الاراضي الفلسطينية. فالرأي العام السوري عموما غير قادر على تفهم هذا الانحياز الدائم والكامل لواشنطن تجاه السياسات الأكثر تطرفا في تل أبيب، في الوقت الذي كان الشعب السوري ينتظر، مثل شعوب المشرق جميعا، مبادرة أمريكية جدية ومنتظرة لانهاء النزاع العربي الاسرائيلي واخراج المنطقة من دوامة العنف التي أدخلها فيها هذا النزاع. وكان الرئيس بوش نفسه قد وعد بوجود دولة فلسطينية عام 2005، ولم يحدث شيء بعد ذلك. واليوم لا يزال الشعب الفلسطيني من دون أي أفق سوى الاحتلال، في الوقت الذي تدعم فيه الولايات المتحدة حربا تدميرية في لبنان ولا تطرح أي مبادرة لانهاء النزاع وتحرير الشرق الأوسط من أشباح الماضي الخانقة. من المؤكد ان الشعب السوري مثله مثل الشعوب العربية الأخرى ليس لديه أي عداء للولايات المتحدة، بل ان هذه الشعوب تراهن على واشنطن للخروج من أزماتها، لكنها تكن جميعا عداء عميقا للسياسات الأمريكية المنحازة التي خيبت أملها وجعلت من وعود واشنطن المستمرة وعودا كاذبة ومحبطة.

كيف ترى البديل في سوريا؟

د. برهان غليون: أنا لا أرى بديلا عن نظام ديمقراطي. وحتى نصل اليه ينبغي العمل على جبهتين متوازيتين: أولا، جبهة العمل السياسي التي تعنى بإيقاظ القوى الحية في المجتمع وتنظيمها وتوحيدها. وبالفعل، ولد في السنة الماضية أول تحالف سوري تحت عنوان "إعلان دمشق"، ضم مجموعة كبيرة من الأحزاب والقوى السياسية الديمقراطية. وثانيا، الجبهة الثقافية والفكرية، فلن تتقدم الديمقراطية في سوريا من دون تفكيك الثقافة الأبوية والبيروقراطية والاستبدادية القائمة. وفي المقابل، تطوير ثقافة ديمقراطية تعنى بمفهوم الحرية الفردية والحق والعدالة، وترسخ "قيم التعاون والتضامن والثقة بين الأفراد الذين مزقهم القهر والاضطهاد وجعلهم فاقدي الثقة بأنفسهم وبمواطنيهم. وإذا كان انجاز المهام المتعلقة بالجبهة السياسية  يتوقف بشكل رئيسي على السياسيين، - وهم لا يزالون قليلي التجربة - فإن تحقيق مهام الجبهة الثقافية  يتوقف بالدرجة الأولى على المفكرين والأدباء والفنانين والمثقفين، ويستدعي منهم تواصلا أكبر مع المجتمع وقدرة أكثؤ على الابداع. ولكن لا أعتقد أن من الممكن التقدم في هذا المشروع من دون مساعدة الظروف الاقليمية والدولية. فليس من الممكن تصور تقدم محسوس للحركة وللفكر الديمقراطيين في بيئة تسيطر عليها الحروب الدائمة ذات الصفة الوطنية أوالقومية أو الطائفية كما هو سائد اليوم في اقليم الشرق العربي. وليس من الممكن تصور تطور كبير للثقافة الديمقراطية في هذه المنطقة أيضا اذا سيطرت على الأجواء الدولية مناخات الحرب الحضارية والثقافية وحصل الاستقطاب بين الثقافات والانغلاق المتبادل كما هو الحال اليوم. فمناخ الحروب الأولى ومناخ الحرب الحضارية أو الثقافية يقودان لا محالة الى الانغلاق والتعصب، والتضامن الآلي على حساب نمو قيم الفردية والحرية والقانون. وللأسف، لا تزال البيئة الدولية فيما يتعلق بالمجتمعات العربية والاسلامية معادية لنمو ثقافة ديمقراطية حية.

منذ صدور "بيان من أجل الديمقراطية" في 1979، تعتبر من أهم المدافعين عن القيم الديمقراطية في العالم العربي. فما رأيك في برنامج الدمقرطة الذي تطرحه ادارة بوش كدبلوماسية عامة في الشرق الأوسط؟

د.برهان غليون: من دون التشكيك بنوايا أحد، أعتقد أن مشروع الديمقراطية الذي طرحته الادارة الأمريكية قد جاء على سبيل الحصول على بعض الشرعية لمشروع السيطرة السياسية والعسكرية في المنطقة. أقصد من ذلك أن الديمقراطية الأمريكية الموعودة لم تكن هدفا في ذاتها، وانما وسيلة لتحقيق أجندة معادية في مضمونها للديمقراطية، هي أجندة الهيمنة الإقليمية الأمريكية. ولذلك، أعتقد أن هذا الارتباط بين ا