دروب ما بعد المعتقل أوضاع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي المفرج عنهم في سورية

 

( تقرير )

 

 

 

إعداد

د.حسام السعد

المحامية رزان زيتونة

 

 

 

آب/أغسطس 2006

 

 

 

المحتويات

 

مقدمة: الاعتقال السياسي 3

- الاعتقال السياسي في سورية 5

- السجن السياسي: مدخل عام 9

- الآثار الاجتماعية والنفسية على السجين السياسي 11

- الأوضاع الأمنية والاقتصادية ما بعد الاعتقال 22

-       الأوضاع الاقتصادية 22

-       التجريد من الحقوق المدنية والسياسية 23

-       المراجعات الأمنية 24

-       حرية التنقل والمغادرة 25

- المنظمات الحقوقية وملف الاعتقال السياسي 27

- خلاصة وتوصيات 30

 

 

 

 

مقدمة

الاعتقال السياسي: مدخل نظري

منذ بداية تشكّل السلطة وظهور القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في المجتمعات، كانت أفعال الرفض وعدم الخنوع والقبول بالأمر الواقع تتخذ أشكالاً مختلفة من السلوك الاعتراضي، لأن محاولات الإنسان سعت على الدوام إلى الوصول إلى تفسير مقنع لشروط الحياة.

إن كل خروج محتمل على معايير النظام السياسي القائم، وكل محاولة رفض كانت تجد في مواجهتها ممانعة من قبل السلطة، مما كان يؤدي إلى الاعتقال والغياب داخل السجون السياسية مدة تقصر أو تطول، دون العودة في الغالب إلى حكم قانوني نافذ، باختلاف المجتمعات وأنظمتها السياسية وفاعلية القوى الاجتماعية والسياسية داخلها. ولذلك فإن تلك المقاربات القمعية تختلف من مجتمع إلى آخر.

يرى(ميشيل فوكو) أن تطور الإجراءات العقابية اتجهت عبر تاريخها نحو الضبط والتمكن التام من الجسد. لم يكن هدف العقاب بطبيعة الحال، الجسد فقط، والتحكم به وإخضاعه، أو كما يسميه(فوكو) "التكنولوجيا السياسية للجسد"[1]. بل أيضاً التأثير في العقل وإخضاعه، وهو الأهم، فالجسد ليس إلا مدخلاً "مادياً" متجسداً، يسهم في السيطرة على العقل، مصدر الحركة والحراك. ولهذا فإن هدف التعذيب، هو إنتاج أجساد طيَعة ووعي معلّب. ولذلك فإن آليات العقاب ووسائل التعذيب والتطويع واصلت "تطورها" من الشنق والصلب والرمي بالرصاص والكراسي الكهربائية... الخ.

وظاهرة الاعتقال السياسي ليست بجديدة، وإن كانت تتركز في وقتنا الحالي في الدول غير الديمقراطية التي تعاني من أنظمة استبدادية أو شمولية أو ثيوقراطية...

يمكن تعريف الاعتقال السياسي بأحد معنيين:

- الأول: سجناء الرأي وهم "هؤلاء الذين يُعتقلون في أي مكان بسبب معتقداتهم السياسية أو الدينية, أو أية معتقدات أخرى نابعة من ضمائرهم, أو بسبب أصلهم العِرقي, أو جنسهم, أو لونهم, أو لغتهم, أو أصلهم القومي أو الاجتماعي, أو وضعهم الاقتصادي, أو مولدهم, أو أي وضع آخر, دون أن يكونوا قد استخدموا العنف أو دعوا إلى استخدامه".وفقاً لتعريف منظمة العفو الدولية.

- الثاني: يعرف السجناء السياسيين على أنهم الذين يعتقلون بسبب آرائهم/ن أو معتقداتهم/ن السياسية الموجهة ضد السلطة الحاكمة في بلدانهم/ن.

ورغم أن التعريفين يتقاطعان كثيرا، إلا أن تعبير "معتقل الرأي" أشمل من تعبير "المعتقل السياسي".

وعادة ما تكون الشروط الموضوعية للسجين السياسي أكثر سوءاً وأقل نزاهة من مثيلاتها للسجين العادي، في إطار من غياب الفاعلية القانونية من جهة، وسكون الحراك المتعلق بالنشاط الأهلي والمدني، ويكون ذلك بشكل منظم أو غير منظم. ولهذا السبب فإن تبعات السجن السياسي على المستوى النفسي والاجتماعي للسجين، تكون هنا أكثر سوءاً. على اعتبار أن السجين السياسي يُعامل، من الناحية القانونية، على الأقل في الأنظمة غير الديمقراطية، بطريقة أسوأ من السجين غير السياسي (الجنائي مثلا)، سواء بالنسبة لظروف الاعتقال والتحقيق أو فيما يتعلق بالمحاكمات والأحكام الناتجة عنها والعقوبات المضافة إليها.

حيث تنظر السلطات التي تمارس هذا الاعتقال إلى السجين السياسي بوصفه مجرماً من "درجة ممتازة"، في الخطورة طبعاً، فهو "الخائن" و"عدو الوطن"، لاسيما في ظل ذاك التداخل بين مفهومي الوطنية والسلطة، والتمازج بينهما. وغالبا ما يتم شرعنة أساليب التعاطي التعسفية مع المعتقل السياسي، عن طريق قوانين العقوبات والقوانين الاستثنائية، طالما أن الذي يحدد درجة خطورته وشرعية عمله، على المستويين القانوني والمجتمعي، هي السلطات السياسية القائمة، التي تسعى إلى لصق التهمة بالناشط السياسي حتى تتدرج بحلقاتها إلى الخيانة.

ما سبق ينطبق على الوضع السوري الذي عرف ظاهرة الاعتقال السياسي ولا زال يعايشها حتى اللحظة، بحيث تشكل فئة السوريين والسوريات ممن عاشوا تجربة الاعتقال نسبة لا يمكن الاستهانة بها في المجتمع.

ونظرا لأن معاناة هذه التجربة لا تتوقف بمجرد الإفراج عن المعتقل، بل تمتد لتطال حياته ومستقبله ما بعد فترة السجن، فقد خصصنا هذا التقرير للحديث عن معاناة المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي في سوريا ما بعد الاعتقال، معتمدين بشكل أساسي على شهادات المعتقلين السابقين في هذا الإطار.

 

 

 

 

 

 

 

الاعتقال السياسي في سورية

 

سورية القابعة تحت إعلان حالة الطوارئ منذ الثامن من آذار/مارس 1963، كانت ولا تزال مسرحاً لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، تتراوح ما بين الإعدام خارج القانون كما حصل بشكل مكثف في عقد الثمانينيات- والاختفاء القسري والتعذيب وإساءة المعاملة وغيرها من الانتهاكات الأخرى، التي يأتي الاعتقال السياسي- التعسفي كمقدمة إلزامية لها.

بدأت ظاهرة الاعتقال السياسي في سوريا تنحو منحى ممنهجا ومنتظما مع مطلع عقد الثمانينات من القرن الماضي. فيما عرفت سوريا هذه الظاهرة قبل هذا التاريخ في مناسبات عديدة ارتبطت غالبا بالانقلابات العسكرية وتصفية الخصوم السياسيين.

ولا توجد حتى الآن إحصائيات دقيقة حول أعداد المواطنين الذين تعرضوا ويتعرضون للاعتقال السياسي في سوريا، وإن كانت المنظمات الحقوقية السورية حديثة النشأة قد بدأت بإعداد قوائم بأسماء المعتقلين منذ عام 2003 ، وحتى هذه القوائم لا يمكن المبالغة بدرجة دقتها لأسباب مختلفة.

إلا أن الأحزاب السياسية والمنظمات الحقوقية تقدر العدد بعشرات الآلاف، جرى اعتقالهم بدءا من أواخر عقد السبعينيات إلى نهاية عقد الثمانينيات. آخذين في الاعتبار حين إيراد هذا التقدير، الأعداد الكبيرة للمعتقلين الذين تعرضوا للاختفاء القسري، وانقطعت أخبارهم نهائيا عن ذويهم حتى اللحظة، حيث تقدر المنظمات الحقوقية أعدادهم ب 17 ألف مفقود[2].

ينتمي المعتقلون السياسيون السوريون إلى مختلف التيارات والاتجاهات السياسية وأهمها:

 

معتقلو ما قبل عام 2000 :

1-  جماعة الإخوان المسلمين

2-  الأحزاب الشيوعية واليسارية

3-  مجموعات فلسطينية مختلفة

4-  مواطنون لبنانيون

5- بالإضافة إلى المعتقلين لأسباب مختلفة، كالانتساب إلى بعث العراق، أو الناصريين أو حزب التحرير الإسلامي أو كرهائن عن ذويهم المطلوبين أو بسبب تقارير أمنية كيدية...الخ.

 

معتقلو ما بعد عام 2000 :

1- المعتقلون على خلفية إسلامية "سلفية- سلفية جهادية- حزب التحرير الإسلامي..الخ"، ويشكل هؤلاء النسبة الأكبر من بين المعتقلين.

2-  المعتقلون الأكراد على خلفية المشاركة في فعاليات عامة مؤيدة للقضية الكردية في سوريا.

3-  نشطاء المعارضة والمجتمع المدني.

4-  جماعة الإخوان المسلمين، بالنسبة لهؤلاء القادمين من المنافي .

5-  أسباب مختلفة، كالتقارير الأمنية الكيدية أو نقد الحكومة والنظام السياسي في سوريا علناً..الخ.

 

يترافق الاعتقال السياسي في سوريا مع جملة من الانتهاكات الأخرى نلخصها فيما يلي:

أولا- يتم الاعتقال خارج نطاق القانون من قبل الأجهزة الأمنية المختلفة، ولا يندر أن يتعرض المعتقل للاختفاء القسري خاصة في الأشهر أو السنوات الأولى لاعتقاله.

ثانيا- التعذيب وإساءة المعاملة في فترات التحقيق التي قد تمتد أشهرا.

ثالثا- الإحالة إلى القضاء الاستثنائي المفتقر للمعايير الدنيا للعدالة، متمثلا في محكمة أمن الدولة العليا بدمشق، والمحاكم العسكرية الميدانية، بينما يستخدم أحيانا في الوقت الحالي -بالإضافة إلى ما سبق- القضاء العسكري لمحاكمة معتقلي الرأي.

رابعا- الاعتقال بدون أية محاكمة لفترات طويلة قد تشمل كامل فترة الاعتقال.

خامسا- العزل عن العالم الخارجي ومنع الزيارات.

ولسنا هنا في صدد الحديث عن معاناة المعتقل خلال فترة الاعتقال، والتي تتنوع أشكالا وأنواعا مختلفة، قد نتطرق إلى بعضها حيث يقتضي الأمر في معرض تقريرنا.

منذ مطلع التسعينيات، بدأت السلطات السورية بالإفراج عن دفعات من المعتقلين على خلفيات متعددة، كان آخرها في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، هذا مع استمرار عمليات الاعتقال التعسفي خارج القانون حتى اللحظة على أية حال.

وإذا كان الهم الأوحد للمعتقل هو نيل حريته والعودة إلى مجتمعه، فإن الأمر يغدو مختلفا بعيد انتهاء لحظات الفرح بالحرية.

ينص الإعلان بشأن المبادئ الأساسية لتوفير العدالة لضحايا الجريمة وإساءة استعمال السلطة الذي اعتمد من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 1985 في مادته 19على أنه "ينبغي للدول أن تنظر في أن تدرج في القانون الوطني قواعد تحرم إساءة استعمال السلطة وتنص على سبل انتصاف لضحاياها. وينبغي، بصفة خاصة، أن تشمل سبل الانتصاف هذه رد الحق أو الحصول على تعويض أو كليهما، وما يلزم من مساعدة ومساندة مادية وطبية ونفسية واجتماعية."

كما تتضمن المعايير الدنيا لمعاملة السجناء[3] كما يتضمن جملة من المبادئ منصوص عليها في القسم المعنون ب "العلاقات الاجتماعية والرعاية بعد السجن"، تتناول أدق التفاصيل التي تعترض حياة المفرج عنه :

79. تبذل عناية خاصة لصيانة وتحسين علاقات السجين بأسرته، بقدر ما يكون ذلك في صالح كلا الطرفين.

80. يوضع في الاعتبار، منذ بداية تنفيذ الحكم، مستقبل السجين بعد إطلاق سراحه، ويشجع ويساعد على أن يواصل أو يقيم، من العلاقات مع الأشخاص أو الهيئات خارج السجن، كل ما من شأنه خدمة مصالح أسرته وتيسير إعادة تأهيله الاجتماعي.

81. (1) على الإدارات والهيئات الحكومية أو الخاصة، التي تساعد الخارجين من السجن على العودة إلى احتلال مكانهم في المجتمع، أن تسعى بقدر الإمكان لجعلهم يحصلون على الوثائق وأوراق الهوية الضرورية، وعلى المسكن والعمل المناسبين، وعلى ثياب لائقة تناسب المناخ والفصل، وأن توفر لهم من الموارد ما يكفى لوصولهم إلى وجهتهم ولتأمين أسباب العيش لهم خلال الفترة التي تلي مباشرة إطلاق سراحهم.

(2) يجب أن تتاح للممثلين الذين تعتمدهم الأجهزة المذكورة إمكانية دخول السجن والالتقاء بالسجناء، ويجب أن يستشاروا بشأن مستقبل السجين منذ بداية تنفيذ عقوبته .

إلا أن السجناء السياسيين في سوريا، لا يحظون بشيء من الرعاية المنصوص عليها سابقا. على العكس، فبانتظار المعتقل السياسي المفرج عنه أشكال جديدة من المعاناة سيختبرها، يتعلق جزء منها بوضعه قبل الاعتقال (العائلي، المادي، ...الخ)، وجزء بما عاناه داخل المعتقل ( نتائج التعذيب الجسدي ، التعذيب النفسي، الحكم من قبل قضاء استثنائي...الخ)، وآخر يتعلق بالظرفين الخاص والعام اللذين سيحيطان به بعيد الإفراج عنه. مع غياب شبه كامل لأي نوع من أنواع المؤازرة أو المساندة التي يحتاجها.

هذا على الرغم من أن الجريمة السياسية بمفهومها القانوني، تعتبر سبباً في منح المعتقل ظروفا أفضل من نظيره المسجون لأسباب جنائية أو مدنية في معظم قوانين العالم . مع الأخذ بالاعتبار أن معظم حالات الاعتقال السياسي في سوريا، تأتي على خلفية التعبير السلمي عن الرأي وممارسة الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، كالانخراط في الأحزاب السياسية أو المشاركة في الأنشطة العامة، ولا ينطبق عليها وصف "الجريمة" بمعناها القانوني.

ومع ذلك يتم التعامل مع المعتقل السياسي في سورية، بمنطق يستبعد القانون بشكل شبه تام، في عملية تتجاهل مواطنة السجناء السياسيين وتحرمهم من الحقوق التي تترتب عليها. هذا في الوقت الذي يقرأ فيه طلاب كلية الحقوق في جامعة دمشق ما جاء في مادة العقوبات بحث الجريمة السياسية من أن " التشريعات الحديثة أحسنت صنعا حين ميزت المجرمين السياسيين عن المجرمين العاديين في إجراءات المحاكمة وفي العقاب وفي المعاملة العقابية فهم لا يرتكبون جرائمهم تحقيقا لمصالحهم الأنانية والشخصية بل يرتكبونها حسب اعتقادهم على الأقل تحقيقا للمصلحة العامة ولأهداف الشعب وغاياته وانطلاقا من مبادئ العقيدة التي يعملون لنصرتها."!!

 



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السجن السياسي

الآثار الاجتماعية والنفسية

مدخل عام ...

أبدع الإنسان فنون مبتكرة من العقاب بحق أخيه الإنسان باعتماد أكثر الأساليب وحشيةً وإيذاءً في سبيل التطويع والتدجين. وتلعب مدة وظروف الاعتقال آثارها على السجين، على مستويات عدة:

1- المستوى الجسدي: الآثار الصحية الناجمة عن التعذيب والتي قد تصبح بمثابة أمراض مزمنة ملازمة للشخص المعني.

2- المستوى الاجتماعي: مشكلات التوافق مع المحيط الاجتماعي، وعدم التوازن بسبب الانقطاع عن الاختلاط بأنماط ونماذج مغايرة.

3- المستوى النفسي: الآثار الناجمة عن العنف النفسي، الذي يؤثر على الصحة النفسية، كفقدان التوازن النفسي وصعوبة تجاوز مرحلة السجن، ومن مظاهرها الاغتراب النفسي والاجتماعي، عدم قبول الآخر، العدوانية، الانطواء، الخ.

 

إن تعرض السجين السياسي إلى كل تلك الممارسات يؤدي إلى عدة تغيّرات تطال شخصيته على الصعد كافة والتي تكون من إفرازاتها ما يلي:

-       طبيعة شخصية حادة وغير متكيَفة للفرد.

-       نمط من عدم الثبات النفسي عاطفياً.

-       إعاقة قدرة الفرد على التفكير والحكم على الواقع.

-       اضطرابات وقلق مزمن وتهيج واستنفار مستمرين.

-       عنف ومشاجرات وردود فعل صاخبة عاطفية ونفسية مقارنةً مع الحدث.

ولا تتوقف أسباب ذلك على التجربة القاسية التي يكون السجين قد مرّ بها، فالأكثر خطراً على شخصية السجين، الخارج إلى الحياة الاجتماعية، هو مدى تقبّل المحيط الأسري والاجتماعي للتجربة التي عاشها، فدرجة القبول والتقييم الإيجابي أو السلبي تساهم إلى درجة كبيرة في تجاوز، أو التخفيف من الآثار السلبية على السجين، وبشكل خاص في مجتمعات كالمجتمع العربي، حيث غياب أو محدودية فاعليات المنظمات الأهلية والجمعيات المتخصصة المستقلة.

ولذلك فإن النداءات التي يعلو صوتها في المرحلة الآنية تركّز جهدها على تكثيف المشاريع والمبادرات التأهيلية والمشاريع العملية التي تسعى إلى إعادة دمج السجين، بشكل صحي وسليم، داخل المجتمع وعودته كعنصر فاعل في الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية مرة أخرى.

وبالعودة إلى محيط السجين الأسري والاجتماعي(الأهل والزوج والزوجة والأبناء والأصدقاء)، نرى أن بنية العلاقات في مجتمعنا تسهم، سلباً وإيجاباً، في تكريس أو تجاوز مشكلة علاقة السجين مع محيطه المجتمعي، والتخفيف من الآثار النفسية المحتملة والمتوقعة؛ بل لها الدور الأساس في تجاوز أزمات ما بعد الخروج من السجن، لما لها من دور فاعل في حياة الفرد، رغم التغيرات التي طالت الأسرة السورية خلال العقود الأربعة الماضية. وعلى هذا، فإن درجة قبول وتفهّم المحيط لتجربة السجين، من شأنها تجنيبه الوقوع في أزمات اجتماعية- نفسية- فكرية.

يعاني السجين الخارج من المعتقل من إشكالية اندماج، تبدو سياسات السجن وآليات عملها هي المسؤولة عنها بالدرجة الأولى. ففي السجن يتشكل مجتمع صغير وضيق، غير ذاك المجتمع الخارجي. تحكم هذا المجتمع ثقافة، بالمعنى الحقيقي، ومعايير تتمركز حول الشعور بالظلم والغبن والعنف، وتتشكل قواعد رئيسة وخطوط عامة داخل السجن، من المحتمل إيجاد صعوبة كبيرة في تجاوزها بعد الخروج. لاسيما في ظل جهود كبيرة عانى منها السجناء في التأقلم والتكيّف مع وضعهم داخل السجن، وبهذا فإن السجين يجد نفسه مضطراً إلى إعادة إنتاج وخلق آليات تمكّنه من التعاطي مع العالم الخارجي، لأن هذه المشكلة هي مشكلته، حسب القيم والمعايير المجتمعية. وهي، بالتأكيد، جهود مضاعفة بالمقارنة مع الفرد الذي لم يعان من تجربة السجن والانعزال عن المجتمع.

ويمكن الجزم بأن النساء اللواتي يختبرن تجارب السجون السياسية، يعانين بشكلٍ مضاعف لأسباب مختلفة، خاصة في ظل بقاء مفاهيم الشرف والعفة الخاصة بالأسرة مرتبطة بنساء تلك الأسر.

لا توفّر وسائل التعذيب أي صنف من العذابات الجسدية والروحية التي تنتهك الأنوثة والرجولة بشكل متساو، ويكون فيها الاغتصاب أو مقدماته أو التهديد به، أداة تحقيق وعقوبة، مثله مثل الصدمة الكهربائية وغيرها من صنوف أدوات التعذيب والبذاءات اللفظية التي يقاسونها من المحققين. وربما لهذا السبب تبرز دائماً إلى الواجهة تجارب رجال السجن السياسي دون النساء، إذ يرجع ذلك لعوامل الخوف والعيب، والحساسية الاجتماعية، والمداراة أو المواربة، أو ما يمكن أن نسميه تابو(المرأة- الشرف) بالعموم. إذ أن التوجّس من اهتمام وعمل المرأة بالشأن العام يحرّكه بالعموم ذاك الخوف.

 

 

 

 

 

 

الآثار الاجتماعية والنفسية على السجين السياسي في سورية

الجانب التطبيقي ...

 

"الوضع النفسي والعاطفي كان الصدمة الثانية بعد صدمة الاعتقال حيث لا زال شعور الغربة مسيطرا" غ.ع- معتقل سياسي سابق لمدة تسع سنوات [4]

 

للاطلاع على الآثار التي خلّفتها تجربة السجن السياسي في سورية، على المستوى الاجتماعي والنفسي، تمت مقابلة عدد من السجناء السياسيين بفترات زمنية مختلفة، للحديث عن تجربتهم وعلاقتها بكل ما يشكل محيطهم الخاص والعام، على مستوى الأسرة والأقارب والمجتمع المحيط. وتم كذلك رصد عدد من الحالات الخاصة، مثل الطلاق القانوني، والطلاق النفسي، والانفصال، وذلك من السجناء الذين عانوا من تلك التجربة وأثرت بشكل مباشر على حياتهم الخاصة والعامة كذلك.

لقد تمت المقابلة المركزة- المفتوحة مع عدد كبير من السجناء السياسيين ثم جرى رصد ومتابعة أكثر من عشرة حالات[5].

قد لا يكون مجتمع السجناء السياسيين متجانساً إلى حدٍ كبير، بيد أن هناك نقاط تقاطع في التجارب تعد مشتركة بين الجميع، وتبقى الاختلافات والفروق الفردية تلعب دورها في تجاوز السجين لمشكلة ما بعد الخروج ، ومع ذلك فإننا لا نسعى إلى تعميم نتائج هذه المقابلات على كل تجارب ما بعد الخروج، بل الهدف هو إعطاء تصوّر أولي للمعاناة الاجتماعية والشخصية للسجين السياسي في مرحلة ما بعد السجن، في سعي جدي نحو محاولة وضع برنامج عمل يهدف إلى مساعدة السجين السياسي على تجاوز المصاعب النفسية والاجتماعية، التي من شأنها أن تترك منعكساتها الواضحة عليه وعلى أسرته.

شملت عينة الأفراد تيارات سياسية مختلفة، وتوزعت بين السجناء والسجينات، وبفترات زمنية متباينة في مدة السجن.

 

تمحورت أسئلة المقابلات والرصد حول النقاط التالية:

-       القبول الأسري(الوالدين، الأخوة، الزوجة والأولاد).

-       القبول الاجتماعي(الأقارب، الأصدقاء، الحي).

-       اختلاف القيم وأثرها في الاندماج الاجتماعي للسجين.

-       تقييم التجربة، سلباً وإيجاباً، وأثرها في تجاوز التجربة.

-       أثر التجربة في الطباع الشخصية وأثر ذلك في التعاطي مع المحيط.

 

 

وفي المستوى التحليلي، تركّز البحث في النقاط التالية:

- التكيف الاجتماعي: من قبل السجين وتكيف المحيط الأسري معه. التكيف مع الأقارب والحي والأصدقاء.

- التكيف النفسي(الطباع والعادات).

- العمل السياسي بعد الخروج.

 

وقد تمحورت إجابات الأفراد حول المحاور المطروحة كما يلي:

 

- التكيف الاجتماعي:

لعبت عدة عوامل دورها في مسألة تجاوز السجين السياسي لحالة ضغط السجن والقهر الجسدي والمعنوي في عملية اندماجه في المجتمع، وبقيت هذه العوامل متعلقة بالعائلة والقبول الأسري والخصائص النفسية للسجين، ولهذا فثمة اختلافات في سرعة الاندماج وتجاوز التجربة، بشقها السلبي.

ومن العوامل التي ساعدت على ذلك:

1- تقبل الأسرة لتجربة العمل السياسي:

إن سيادة جوّ من القبول الأسري لضرورة العمل السياسي، أو أحقية الفرد داخل الأسرة باختياراته السياسية، ساهم إلى حد كبير في وضع تجربة السجن كعامل دفع وتحدٍ وليس عامل إحباط، فالتقدير الأسري والعائلي لتجربة السجين تزيل الكثير من المعوقات الحياتية أمامه، خصوصاً أنه يخرج من مجتمع ضيق، يكون العنف سمته الرئيسة، إلى مجتمع أكبر بمزيج من الأنماط والتناقضات، مما قد يشكل أمامه عقبة حقيقية.

وهنا نجد أن بعض الأسر قد ساهمت في ترسيخ جدية وإيجابية التجربة، وساهمت كذلك في تجنيب السجين الإرباكات الاقتصادية المعيشية أثناء وبعد خروجه من السجن، في الفترات الأولى. كما هو الأمر مع معظم من التقينا بهم، وذلك بخلاف بعض التجارب التي ساهم اللوم والعتاب وسوء التقدير في تكريس مشكلات حقيقية في العلاقة الأسرية وبالتالي الاجتماعية.

ومثلما يساعد الجو الأسري في تحصين السجين مجتمعياً، يساعد أيضاً بسلبيته في أزمة اغترابية تجعل من الصعوبة بمكان اندماجه داخل المجتمع، ووضع تجربته الشخصية كعامل دفع، وهذا ما حدث في بعض الأسر التي ساهمت بوجود مشكلات بين أفرادها نتيجة الاختلافات بين الزوجين مرة، وبين الأخوة مرة أخرى، أو بالعلاقة مع الأهل بشكل عام.

لكن المسألة تبقى في حدودها الفردية، على مستوى التجربة. وفي هذا يعاني السجين الخارج إلى الحياة العامة جهداً مزدوجاً، ففي كل مرحلة من حياته عليه أن يجد من وسائل التكيف ما هو مناسب لمحيطه، هذا في ظل عدم وجود هيئات أو جمعيات من شأنها العمل على حل الأزمات التي تنشأ من جراء الاختلاف الزماني والمكاني والقيمي بين السجين ومحيطه الاجتماعي بفعل تباعد الفترة الزمنية بينهما، واختلاف القيم أيضاً.

ولهذا السبب فإن تركيب أسرة السجين وقيمها هي التي تلعب الدور الحاسم في مسألة إيجابية التجربة وعلاقتها بالخارج- الاجتماعي.

وفي هذا الصدد فقد اعترف الكثير ممن التقينا بهم والذين اعتقلوا لفترات طويلة- أن العلاقات الاجتماعية أصبحت ذات طابع استهلاكي، مما يؤدي إلى صعوبة التعامل بالقيم ذاتها التي كانت سائدة سابقاً، إضافة إلى تغيرٍ لحق بمكانة ودور الفرد داخل أسرته، تقول المعتقلة السابقة ضحى العسكري: "المكانة الاجتماعية في الأسرة والمجتمع فقدناها، عليك أن تبحث عن مكانك من جديد وتعيد إثبات نفسك وتبررها،عليك إعادة ترميم ما فات من صحة ودراسة وعمل"[6].

ورأى آخر أن هناك صعوبة في التكيف مع الواجبات الاجتماعية، وخصوصاً في العلاقة الزواجية، وملحقاتها المتمثلة بالزيارات العائلية وزيارات الأصدقاء والمجاملات الاجتماعية بشكل عام.

وتبدو المرأة وكأنها تأخذ قسطاً أكبر من تأثيرات تجربة العمل السياسي لأسباب ذكرناها سابقاً، تتركز جميعها حول البنية الذكورية للمجتمع وموقع المرأة المتدني في السلم التراتبي للأسرة بوصفها الحلقة الأكثر ضعفاً.

ويبرز، مرة أخرى، دور بنية وثقافة الأسرة في قبول تجربة العمل السياسي للمرأة ووضعها في إطارها الصحيح أو الإيجابي. فمع أن كثيرا من الأسر ترفض عمل المرأة السياسي وتستنكر عليها اهتمامها بالشأن العام، لأسباب سياسية وأخلاقية، بالمعنى الضيق، فإن هناك الكثير من الأسر التي شرّعت لأفرادها من النساء العمل السياسي، لظروف إما خاصة بالأسرة أو بالمكان- البيئة التي تتواجد فيها. إضافة إلى دور المناخ العام في مدى قبول المجتمع لهكذا تجارب، للرجال والنساء على حد سواء.

فعلى سبيل المثال، كانت السيدة روزيت عيسى[7] من أولى المعتقلات السياسيات في سورية عام1978، اللواتي تم توقيفهن عرفياً لمدة سنتين ، لذلك كانت هناك صدمة مجتمعية لأن السجين هو امرأة، حتى بالنسبة للسجانين، كما تذكر. ولذلك فقد حاولت الجهات الأمنية وقتها دفع التهمة وترويجها على أساس أخلاقي، إذ بحسب شهادة روزيت فقد حاول الأمن الوصول إلى الأقارب والأهالي لتشويه سمعة الفتيات السجينات على أساس أخلاقي تارة وعلى أساس ديني تارة أخرى، على اعتبار أنهن منتميات إلى رابطة العمل اليسارية.

سبّب هذا الأمر، وربما بسبب حداثة تجربة السجن السياسي للمرأة وريادتها، صعوبة شديدة في التعامل مع المحيط الاجتماعي بالنسبة للبعض. وإن كان الأمر قد تمَ تفهمه، في حالاتٍ قليلة، لكنها اقتصرت على المحيط الضيق(الأب والأم والأخوة)، ولم يكن كذلك بالنسبة للقرابة الأبعد فالأبعد، مما وضع، في البداية حاجزاً في التعامل، ولعب التخوف الأمني دوره في ذلك.

ومهما يكن من أمر، فإن آثار تجربة السجن السياسي على المرأة في المجتمع أكثر منها لدى الرجل، سواء لدى الأسرة، أو في علاقتها بالأبناء، إذ عادة ما تُحمّل ذنباً أكبر.

تقول ضحى في شهادة بليغة جدا:

" أهم شيء بالنسبة لتجربتي كامرأة أنني سجنت في سجن قضائي. كان هناك شيء من الخوف، خفت أن يورطوني بقضية مخدرات أو ما شابه أو أن يقال أني اعرف فلانة المحكومة بالتهمة الفلانية. المرأة مهما كانت ينظر إليها على أنها امرأة .. منذ أول اعتقالي كان هذا الأمر يزعجني جداً، كان الأمر أهون علي من غيري لأني متزوجة، وزوجي كان إنساناً متفهماً فحمى وضعي اجتماعياً. عائلتي الأساسية متدينة، لديهم فكرة انه إذا دخلت المرأة السجن فإنها تفقد عذريتها، كانت صورتي ستكون مهزوزة لديهم لو لم أكن متزوجة".

 

لكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فقد تدفع العلاقة مع السجن إلى نتائج لها تأثيرها الكبير على المستقبل المهني والوظيفي، الأخوة مثلاً، مما يعني أن هناك عقاباً جماعياً من شأنه أن يترك منعكسات على درجة من التأثير السلبي في العلاقة الأسرية، وبالتالي وقوع السجين في أزمة متشعبة. تقول إحدى السجينات:

" الاعتقال ينعكس على الاسر بشكل مباشر مادي ومعنوي، يُحرم الإخوة مثلا من وظائف الدولة او الاختصاص بسبب الاخ / الاخت المعتقل/ة، ومعنويا تدفع الاسر ثمنا باهظا عدا الألم والحرمان والحزن، بل في خياراتها في الحياة وفي مواقفها ومشاعرها".

 

2- تقبل المحيط الاجتماعي:

في سؤالٍ له حول الأمور ذات العلاقة بفترة سجنه و التي مازالت تؤثر عليه سلبا اليوم يركز غ.ع على:" غياب السياسة عن المجتمع وبالتالي عدم تفهم موضوع اعتقالي وخصوصا جمهور "الناصحين" الذين يقولون لك "كبَر عقلك وبلالك هالشغلة[8]".

لكنه أشار إلى أن تعاطف المجتمع المحيط مع السجين كان واضحاً، بيد أن هاجس الخوف الأمني كان حاضراً بقوة:

" لا أستطيع ذكر موضوع اعتقالي أمام الجيران أو في مكان العمل، بسبب خوفهم من تبعات العلاقة معي، إذا عرفوا بذلك".

وإن تم تقبل تلك التجارب وتقديرها، بالنسبة للنساء والرجال معاً، فإن ذلك قد اختلف من مدينة إلى أخرى، وكذلك من منطقة لأخرى. فمدينة حماة على سبيل المثال احتفت في ثمانينيات القرن الماضي بالسجناء اليساريين، "تبعاً لكلام أصحاب التجربة"، رغم اختلاف الجوّ السياسي والمجتمعي العام للمدينة. لكن تبرير ذلك عائد إلى سيادة المناخ السياسي المعارض.

وبعد الفترات الأولى من الخروج من السجن، بدا التعاطف واضحاً، والتفهم للجماعات المعارضة، مع بقاء التخوف الأمني حاضراً.

وهذا الأمر يصدق أيضاً حول بعض السجناء الذين ينتمون للقومية الكردية، والتي تضع تجربة السجين السياسي في الغالب في موضع تمييز إيجابي لأسباب عديدة قد يكون أهمها طبيعة النضال ذي البعد القومي للأقلية الكردية في سوريا.

لكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فالقبول الاجتماعي لا يعني نهاية الأزمة أو تجاوزها، إذ يدخل المتغير الاقتصادي ليلعب دوره الكبير هنا، ولاسيما إن كان هناك أولاد للسجناء. وفي ظل غياب المنظمات والجمعيات غير الحكومية المهتمة بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية للسجناء وأولادهم، فإن المسألة تكون فردية وتختلف من أسرة سجين إلى آخر، وهكذا فبينما تم تجاوز الأمر عن بعض الأسر فإنه أدى إلى مشكلات حقيقية بالنسبة للأولاد والأهالي على حد سواء، في أسرٍ أخرى، رغم وجود قيم التكافل الاجتماعي في مجتمعنا، الذي يؤثر فيه التخوف من التقرب من هؤلاء الأشخاص.

وفي هذا الصدد فقد تم رصد عدد من الحالات الخاصة بعلاقة الزواج والعلاقة الأسرية من السجناء الذين وجدنا صعوبة في اللقاء بهم، نظراً لحساسية الموضوع.

ومن تلك الحالات انفصال زوجة أحد المعتقلين وهو داخل السجن عنه وزواجها. وكذلك في انتظار فتاة لأحد السجناء مدة عشر سنوات، ثم انفصالهما بعد وقتٍ من خروجه، وتزوج كل منهما على حدة.

وهناك إحدى حالات الطلاق رغم وجود ولدين، علما أن الطلاق تم بعد خروج الزوج من السجن.

وهناك حالة بقيت علاقة الزواج فيها صورية، وبقيا سوياً من أجل الأولاد، يذكر أن هذا السجين لم يعد إلى عمله(مهندس). والزوجة تعوّدت طيلة فترة غيابه على أن تكون صاحبة القرار، اقتصادياً وأسرياً، مما خلق خلافات كثيرة. لعب العامل الاقتصادي في هذه الحالة الدور الحاسم، فعدم عمل السجين بعد الخروج أثر في العلاقة الزوجية طالما أن خروجه لم يسهم في تغيير مكانة وأدوار أفراد الأسرة والعلاقة بينهم، فبقيت المسؤولية الاقتصادية على عاتق الزوجة، مما لم يسمح له بممارسة دور رب الأسرة، وهو ما ساعد في خلق الأزمات.

ويبرز العامل الاقتصادي كعنصر توازن واستقرار من شأنه أن يسهم في تجاوز السجين لكثير من المنعكسات السلبية عليه، تقول ناهد بدوية[9] أن عودتها للعمل بادئ الأمر وتقبّل زملاء العمل لها لعب دوره الإيجابي في عدم وقوعها في أزمة مع المجتمع المحيط، وهذا الأمر استمر حتى بعد تركها الوظيفة وعملها كمهندسة بشكل مستقل.

 

العلاقة مع الأبناء .. نماذج:

 

لا تقتصر مشكلة السجين الخارج إلى الحياة في تقبل المحيط الاجتماعي والأسري له فقط، فمن عايش تجربة عمل السجين وغيابه داخل السجن عادةً ما يكون محيطاً بالشروط والظروف التي أدت إلى سجنه، وبالتالي قد يسهّل ذلك من موضوع توازن السجين في علاقته مع الآخرين. وتبرز بالمقابل مشكلة- أزمة على درجة من الحساسية والتأثير، وهي العلاقة مع الأبناء، لاسيما لأولئك السجناء الذين قضوا فترات زمنية طويلة داخل السجن، وبعد خروجهم وجدوا أبنائهم وقد كبروا بمكونات نفسية واجتماعية بعيدة عن إشرافهم المباشر.

ومهما اختلفت الأوضاع الأسرية للأبناء- أسر متكافلة أو متأزمة- فإن موضوع العلاقة مع الأبناء يتجاوز، في الغالب، بنية الأسرة إلى التكوين النفسي لأبناء سجناء لم يتم إنصافهم على المستويين الرسمي والاجتماعي. ولذلك غالباً ما وجد السجناء المفرج عنهم صعوبة في التعاطي مع أولادهم الذين عانوا هم بدورهم من تبعات علاقتهم بآباء سجناء- سياسيين.

نقتبس هنا بعض الشهادات حول هذا الموضوع من بحث (ياسين الحاج صالح) - الذي مرَ هو نفسه لفترة طويلة بتجربة الاعتقال السياسي - غير المنشور حتى الآن:

" طوال شهور عانى ص. ع، الذي قضى 15 عاما في السجن، من صعوبة في التفاهم مع ابنته الشابة التي كانت قد بلغت الخامسة عشرة من عمرها حين أفرج عنه عام 1998. كانت أم الفتاة حاملا بها حين اعتقل الأب؛ الأم ذاتها اعتقلت لوقت قصير مع الزوج عام 1983. كان الرجل الذي خرج من السجن وهو في أواسط الأربعينات من عمره والفتاة المراهقة يتنازعان الأم ويغاران من بعضهما عليها، حسب رأي الأم نفسها".

"وواجه ف.م الذي قضى 10 سنوات حالة معاكسة. فقد أفرج عنه عام 2000، وكان قد سمع عن المصاعب التي يواجهها زملائه الذين سبق أن أفرج عنهم مع أبنائهم. لذلك تعمد أن لا يتدخل في حياة ابنه البالغ من العمر 17 عاما. بعد عامين، شكا الابن الكتوم من أن والده لم يكن مباليا به، ولا مهتما بمعرفة ما يفكر فيه وما يحتاجه. أما ابنته، وكانت في الثالثة عشرة، فقد كانت تنكمش حين يضع أبوها يده على كتفها، وظلَت لبضعة أشهر تتصرف حياله بتحفظ، فلا تخلع شيئا من ثيابها أمامه. لكن حالتي ص. ع و ف.م كانتا مخففتين قياسا إلى حالاتٍ كثيرة أصعب".

" أخفق م.د، وكان عضوا في حزبٍ يساري، في ترميم علاقته مع ابنته البالغة 12 عاما حين أفرج عنه بعد 8 سنوات ونصف سجنا. تقول الفتاة إنه لطالما تعامل معها كطفلة عمرها أربع سنوات، أي كما تركها قبل اعتقاله، ورغم ذلك لطالما نعى عليها وعلى جيلها أذواقهم وتصرفاتهم، وكان لا يمل من تذكيرها بأن جيله أفضل من جيلها. وتلخص موقفه حيالها: "يناقشني ككبيرة، ويعاملني كصغيرة". ولأنها اعتقدت أنه كان يريد لحياتها أن تكون مثل حياته، صارحته مرة بأنها تتمنى له أن يعود إلى السجن. في السادسة عشرة من عمرها بلغ ضيقها من أبيها حد أنها أخذت حبوبا منومة بِنيّة أن تنتحر، لكنها بدلا من أن تموت نامت 20 ساعة. وهكذا قررت أن تستمر في اخذ الحبوب لتنام أوقاتا طويلة، وكي تكبر وهي نائمة دون أن تحس بالوقت، ودون أن ترى أباها. وكم استمتعت وهي تراه يأخذها من طبيب إلى آخر ويجري فحوصا مكلفة: تحاليل لوظائف القلب والدماغ، CT scan, MRI وغيرها، لتفسير سبب نومها المستمر. تقول، "كنت سعيدة وأنا أراهم يتعبون بي". انقضى شهران طويلان قبل أن ينكشف سبب النوم، وخلالهما، شيئا فشيئا، أخذ يتكوَن بين الفتاة وأبيها "تواصل روحي" حسب تعبيرها، وأخذت تحبه كثيرا دون أن تكف أحيانا عن كرهه كثيرا. "اكتشفت"، تقول، "أن حب الأب يأتي بالمعايشة والمشاركة وليس من تلقاء نفسه". "ليس لأبي وجود في ذاكرتي السابقة، لقد حضر فجأة، وكان والدي و..فقط".

 

يضاف إلى ذلك كله اللوم المباشر والصريح على تجربة العمل السياسي التي أودت بالآباء إلى السجن(حالة أ. ب مثلاً).

من الصعب لوم الأبناء على مواقفهم المتذمرة والسلبية في كثيرٍ من الأحيان، إذ أن الثقافة المجتمعية السائدة عادة لا تثني على العمل السياسي الذي يؤدي غالباً إلى السجن، بل على العكس، هناك قيم تثني على التملص و"الشطارة" والابتعاد عن الشر والسير على هامش الحياة.

لذلك، فإن الابن أو الابنة الذين يرون أن مجتمعهم وثقافته لم تنصف آبائهم، ينكرون عليهم تجربتهم، ربما بداعي الضيق عليهم وعلى أنفسهم، لأن تبعات سلبية في حياتهم الاجتماعية والمهنية تواجههم لمجرد أنهم أبناء سجناء سياسيين.

 

التكيف النفسي:

" السجن عالم سلبي بكل معنى الكلمة، ولا يوجد أحد يريد الخوض في هذه التجربة، لكن إذا أُجبر على التعامل مع هذا العالم، فيجب أن تكون هناك وسائل تحقق له التكيّف مع هذا العالم الجديد".

(ح. ا)

 

أقر معظم السجناء بأن هناك عدة تأثيرات نفسية لفترة الاعتقال، ربما لا تظهر بشكل واضح، أو يتعمّد البعض إخفائها، على اعتبار أن التصريح بتلك المشكلات من شأنها أن تهز التجربة الإيجابية للسجين وملحقاتها البطولية، وهو جزء حقيقي وواقعي في العمل السياسي في سورية.

يقول أ.خ : "الاعتقال سبب الشرخ العاطفي مع أهلي وخوف بعض الأصدقاء من التواصل معي خاصة مع بداية الإفراج عني، الاعتقال سبَب كذلك حالة من القلق والتوتر الدائم مما انعكس على العلاقات داخل الأسرة".

 

ورأت ناهد بدوية بشفافية، أن حجم الألم والإحساس بالمهانة والتعذيب أدّيا إلى فقدان شيء إنساني داخل النفس، بمعنى التعاطي مع الألم والتعذيب بنسبية، وتقبّل الأمر بشكل طبيعي، وهذا فقدان لجانب إنساني هام، وهي ترى استحالة عودته من جديد، لأن فترة السجن كانت عبارة عن تكيّف مع أوضاع سيئة.

وتراجعت الثقة بالمحيط(الآخر) بشكل كبير بعد تجربة السجن، وربما السبب يعود إلى القسوة غير المبررة والقمع من قبل المحققين والسجانين، أي هناك اكتشاف لأنماط من الأفراد على درجة كبيرة من التنوع في الحقد والاستهانة بالإنسان.

إن الخروج إلى واقع مختلف تماماً، يخلق مشاكل حقيقية على المستوى النفسي للسجين، وعلى مستوى التواصل مع المجتمع. وعدم التصريح بتلك المشكلات قد يؤدي إلى مزيد من الأزمات.

وترى ضحى العسكري بجرأة، في هذا الصدد: " المعتقلون المفرج عنهم، خرجوا بظروف سيئة جداً، لدينا قدر عال من المسؤولية ونشعر أنه لا يليق بنا التشكي وكأننا بذلك نسيء إلى أفكارنا وتجربتنا، مع أن ذلك شيء طبيعي ، لا يجوز الإنكار والمكابرة".

ويزداد الأمر صعوبة، أي تظهر تلك التأثيرات، بوجود الأطفال، الذين كبروا أثناء غياب أهلهم في السجن. فغياب الأهل عن تربية أبنائهم يخلق أزمات واضحة في العلاقة بين الطرفين، وتبدو الأزمات أوضح في جانبها النفسي. وهو أمر يبدو تجاوزه صعباً في البداية، أي بداية العلاقة بين الأهل بعد خروجهم من السجن وبين الأبناء. وتلك العلاقة قد تتأزم أو تتخفف حدتها، دون أن يعني ذلك انتفائها.

يقول المعتقل السابق م.خ : "لأقل باختصار- أنني عانيت جدا ولا أزال، على الأقل في جانب معين من هذا الأمر. من جهة زوجتي تسير الأمور الآن وبعد ستة سنوات من تاريخ الإفراج عني باتجاه الأفضل، لكنني خسرت كل علاقتي مع أولادي، إنهم ببساطة ويقولونها بالفم الملآن أنت لست والدنا, والدنا توفى........".

أما بالنسبة إلى الطباع والعادات الشخصية، فقد اختلفت من سجين لآخر، ويبدو أن ظروف السجن وطول مدة الاعتقال أو قصرها لعبت دورها هنا أيضاً. فمعظم من التقينا بهم تغيَرت طباعهم نحو الأفضل، الهدوء والتروي، وهذا طبعاً ليس بسبب الشرط الجيد للسجن، وإنما يعود أساساً إلى نجاح السجناء في خلق وسائل تكيّف داخل السجن والتحكم بالأمزجة والطباع الحادة التي من شأنها أن تسبب لهم عدد من الإزعاجات داخل السجن.

واعترف البعض الآخر أن طباعاً سيئة تملكتهم بسبب السجن، منها سرعة الغضب والمزاجية وسرعة الملل والتعامل بشكل حدّي مع الآخرين في النقاش، والعصبية في كثير من الأحيان.

 

 

الظرف الاقتصادي بعد الخروج من المعتقل:

لعبت عودة الفرد بعد خروجه من السجن لعمله السابق أو إيجاد عمل مستقر دوراً هاماً في الانخراط في المجتمع، وبدء تجاوز الأزمة المرتبطة بآثار السجن، ووضع تجربته في سياقها الإيجابي على مستويين: الشخصي والاجتماعي. (أكرم البني، ناهد بدوية، عبد الله الفاضل، هيثم الحموي، يحيى شربجي). وفي حالة هذا الأخير يتضح ذلك بجلاء، فقد أعاده صاحب العمل(الخاص) إلى عمله لأنه حِرَفيّ كفؤ، وإن كان يحيى قد أعاد الموضوع إلى حسابات تجارية تتعلق بالربح والخسارة لدى صاحب العمل، وكذلك في عودة هيثم الحموي إلى عمله كطبيب معيد في كلية الطب.

فالانخراط في العمل، أزال العقبات أمام الأفراد وخفف بدرجة كبيرة أزمات قد تنشأ من التهميش على الصعيد الاجتماعي.

تقول ضحى العسكري:" الحرمان بكل أشكاله وصنوفه، واغتصاب الآمال، وشح الخيارات المتاحة ماديا ومعنويا أمامي وأمام أسرتي، ومحيطي إلى حد ما تجعل كل يوم منذ خروجي مسيرة كفاح لبناء تواشج مع الحياة المفقودة فعليا، وللحفاظ على إنسانية محتملة".

 

العودة للعمل السياسي

ساهمت عودة عدد لا بأس به من معتقلي اليسار السوري إلى الشأن العام، في تجاوز أزمة ما بعد الخروج، مما قد يؤسس لنظرة جديدة للعمل السياسي في سورية. فالانخراط في العمل السياسي مرة أخرى أزال العقبات أمام الأفراد وخفف بدرجة كبيرة أزمات قد تنشأ من التهميش على الصعيد الاجتماعي وعلى صعيد العمل كذلك.

لكن ذلك كله مرتبط بالدرجة الأولى بالمناخ الاجتماعي العام، أي بالقبول الاجتماعي للسجين، ووضع تجربته في موقعها الصحيح كفرد قدَم جزءاً كبيراً من حياته للصالح العام والتغيير والإصلاح. لذلك فالدعم الاجتماعي(المعنوي والمادي) يتبع للبيئة المحيطة، وتبقى الاختلافات تعتمد على درجة الثقافة السياسية في كل مجتمع.

لذلك فالاختلاف وارد بسبب الاختلاف الإيديولوجي، كما هي الحال مع البعض إذ كان بعض الأقارب ينتمون إلى المؤسسة الحاكمة فكراً وعملاً مما أفرز حالة غير ودية بينهم وبين السجين وأسرته. وهذا يختلف أيضاً من مدينة إلى أخرى، ففي حالات كثيرة أدى ذلك إلى الابتعاد عن السجين من قبل الأصدقاء، إذ يُنظر إلى السجين السياسي بشكل سلبي، وذلك في ظل قيم استهلاكية صرفة غير مهتمة بالشأن العام، مما يؤدي إلى النظر إلى السجن السياسي والاهتمام بالشأن العام كتهمة.

ويُعيد من لم يعودوا للعمل السياسي، ممن التقينا بهم، أسباب ذلك إلى ما يلي:

- طغيان الإيديولوجيا.

- ضعف الحركات السياسية.

- ضعف العمل السياسي.

- اختلاف الأفكار السياسية بفعل الزمن.

- عدم الحماس للعمل.

- اللامبالاة وعدم الاكتراث.

 

لكن مسألة العودة للعمل السياسي ترتبط بشروطِ أخرى، من أهمها الفرص المتاحة أمام السجين. ويرى(ياسين الحاج صالح) في هذا الصدد ما يلي:

إن " فرصة المعتقلين اليساريين، وغير الإسلاميين بصورة عامة، في الانخراط في العمل العام السياسي والثقافي أوسع من فرصة الإسلاميين.

كان ثمة من حرصوا على قطيعة تامة بكل ما يذكَرهم بماضيهم السياسي. كانت تلك التنظيمات مطلع التسعينيات منهكة، إن لم نقل منهارة. وتُروى طرائف مأساوية عن أشخاص سلكوا دربا آخر لأنهم لمحوا عن بعد زميل سجن لهم قادماً باتجاههم. لقد حولوا خوفهم من السلطات إلى موقف معاد لكل ما من شأنه تذكيرهم بالاعتقال والتعذيب والسجن.

ومن يُحتمل أنهم شاركوا في نشاط الأحزاب المحدود فعلوا ذلك بصورة بالغة السرية. واستمر هذا الشرط كذلك حتى أواخر التسعينيات.

على أن العديد من المعتقلين اليساريين، استأنفوا العمل العام بطريقة مختلفة: تحوَلوا مثلا من السياسة إلى الثقافة، أأو من الحزب السياسي إلى منظمة لحقوق الإنسان.

أما فيما يخص الإسلاميين، فقد (كان) دور التضييق الأمني حاسما في الحد من مشاركتهم في الشأن العام."[10].

 

 

 

 

 

 

الأوضاع الأمنية والاقتصادية ما بعد الاعتقال وآثارها

 

يشكل استمرار آثار الاعتقال إلى مابعد الخروج من المعتقل، أحد الأسباب الرئيسية التي تحول دون أو تبطئ عملية تجاوز فترة السجن وآلامها.

هذه الآثار تتوزع في مجموعة من الأمور لا يقل أحدها أهمية عن الآخر نستعرضها فيما يلي:

 

الأوضاع الاقتصادية

يقول(ف. م) في جوابه عن سؤال حول ما يتمناه حاليا " أتمنى إيجاد عمل يناسب وضعي الصحي ويؤمن لي قوتي اليومي وكسر حالة الفراغ التي أعيشها".

رغبة(ف.م) تحدو معظم المعتقلين المفرج عنهم الذين لم يحالفهم الحظ في إيجاد العمل المناسب الذي يكفل لهم كسب عيشهم من جهة، ويحقق لهم ذاتهم من جهة أخرى.

بالنسبة لمن كان طالبا جامعيا حين اعتقاله، تمكن على العموم من العودة إلى جامعته بعد الإفراج عنه وإكمال دراسته، "كان مشهد رجال في الثلاثينيات عمرهم أو حتى في أربعينياتها مألوفا في جامعة حلب حين عدت إلى الدراسة فيها بين 1997 و2000. كنت أكبر من زملائي ب16 عاما. لكن كان في صفي عام 1997/1998 خمسة آخرين قضوا بين ست سنوات و12 عاما في السجن. وخلال سنوات الجامعة يعتمد السجين على دعم أسرته، أو يعمل ويدرس معا"[11].

 

أما من كان موظفا قبل اعتقاله، فيخضع لقرار الأجهزة الأمنية في عودته إلى عمله من عدمه. حيث لا توجد قاعدة محددة في هذا الإطار، " كان تعامل السلطات مع السجناء الذين كانوا موظفين عشوائيا لا يخضع لقاعدة مطردة. أًعيد بعضهم إلى وظائفهم ونالوا تعويضاتهم، فيما لم يعد البعض آخر. ومنعوا من الحصول على عمل في جهاز الدولة الإداري أو الإنتاجي، و، بالطبع، التعليمي.[12]" طبعا هذا بدون أن ننسى المجردين من الحقوق المدنية والذين لا يتمكنون من العودة إلى عملهم الوظيفي بأي حال من الأحوال.

لا شك أن لمسألة الوضع الاقتصادي للمعتقل السابق تأثيرا كبيرا على مختلف نواحي حياته النفسية والأسرية كما أشرنا إلى ذلك سابقا. كما تحد الأوضاع الصحية للمعتقل المفرج عنه في كثير من الأحيان من فرص إيجاد العمل المناسب في مجتمع يعاني من ارتفاع نسبة البطالة أصلاً.

التجريد من الحقوق المدنية والسياسية :

لم يعرض جميع المعتقلين السياسيين السوريين على القضاء، إذ أن بعضهم قضى فترة اعتقاله كلها بموجب الأوامر العرفية بدون حكم قضائي، وبعضهم الآخر كان يُحال إلى القضاء الاستثنائي بعد فترة تقصر أو تطول من الاعتقال .

من يُحاكَم منهم، يُحال إلى المحكمة الميدانية العسكرية أو إلى محكمة أمن الدولة العليا، وكلا المحكمتين تدخلان في إطار القضاء الاستثنائي المعفى من التقيد بأصول المحاكمات، كما أن أحكامه غير قابلة للطعن أو الاستئناف.

بالإضافة إلى الحكم الصادر بحق المعتقل، وهو ما ينتهي بالإفراج عنه، فإن آثاره لا تتوقف بهذا الإفراج بل تستمر لسنوات طويلة بعده.

العقوبات الجنائية السياسية وفقا لقانون العقوبات السوري هي :الاعتقال المؤبد- الاعتقال المؤقت- الإقامة الجبرية التجريد المدني. أما العقوبات الجنحية السياسية فهي الحبس البسيط الإقامة الجبرية- الغرامة.

ويُحكم بالتجريد المدني في الجرائم السياسية ذات الوصف الجنائي كعقوبة أصلية، كما يحكم به كعقوبة فرعية ملازمة للعقوبات الجنائية عامة، ويستمر مفعوله حتى السنة العاشرة على تنفيذ العقوبة الأصلية. مع الإشارة إلى أن إعادة الاعتبار القضائية تتطلب انقضاء مهلة سبع سنوات على الجناية وثلاث على الجنحة تبدأ من تاريخ الإفراج عن المحكوم عليه.

علما أن التجريد المدني يستوجب :العزل والإقصاء عن جميع الوظائف والخدمات العامة والحرمان من معاش تجريه الدولة والعزل والإقصاء عن جميع الوظائف والخدمات في إدارة الطائفة أو النقابة التي ينتمي إليها المحكوم علي والحرمان من معاش أو مرتب تجريه هذه الطائفة والحرمان من حق تولي مدرسة وأية مهمة في التعليم العام أوالخاص .....الخ"، وهو ما يعني عمليا أن على الشخص المعني بدء حياته من نقطة الصفر في ظروف معقدة وصعبة أصلاً.

أما الحجر فهو يفقد المحكوم عليه سلطة ممارسة حقوقه على أملاكه وهو ينتهي بمجرد الإفراج عن المحكوم عليه بعد انتهاء تنفيذ عقوبته. إلا أن هذا الحديث يبقى نظريا في حالات كثيرة، حيث يبقى الحجر على المعتقل المفرج عنه بدون أي سند قانوني. وجدير بالذكر أن الحجر من شأنه شل الشخص المعني عن التصرف بأي من أموره الحياتية الملحة كالبيع والشراء أو الحصول على قرض وسوى ذلك.

يقول ع.ف : "كان من المفترض أن يرفع عني الحجر بشكل آلي مع الإفراج عني والذي جاء ضمن عفو عن مجموعة من السجناء السياسيين، إلا أنه لا زال مستمرا حتى اليوم. لدى مراجعتي محكمة أمن الدولة العليا التي حكمت علي بالسجن والتجريد والحجر، قالوا أن الحجر سيستمر حتى انتهاء عقوبتي!!بمعنى لو لم أخرج بالعفو كان سيفرج عني بعد عشر سنوات لانتهاء الحكم، وعلي الآن الانتظار عشر سنوات لرفع الحجر عني..وهذا غير قانوني على الإطلاق وغير منطقي أيضا".

وبالتالي يشكل التجريد المدني والحجر في بعض الحالات- للمعتقل المحكوم عليه ، عبئاً إضافياً وانتهاكاً آخرا لحقوقه يستمر إلى ما بعد الإفراج عنه بمدة طويلة.

 

المراجعات الأمنية:

" ما يزال الأمن يتعاطى معنا كمعتقلين سابقين، على أننا مواطنون من الدرجة الثانية و أننا من رعاياه الذين لا ينبغي لهم الخروج عن سطوته" أ.ب معتقل سابق بتهمة الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين المحظورة .

 

يجبر معظم المفرج عنهم من التيارات الإسلامية على مراجعة الفروع الأمنية بشكلٍ دوري، فيما لا ينطبق ذلك عادة على معظم المعتقلين من التيارات الأخرى، وإن كانت الاستثناءات موجودة دائماً.

ويترتب على هذه الزيارات القسرية تولد ضغط نفسي مزمن لدى الشخص المعني، خاصة إذا عرفنا أن محتوى الزيارة عادة يتمحور حول " من زارك؟ ومن زرت؟، ماذا فعلت في الفترة السابقة؟، من أين تحصل على مورد رزقك؟،...الخ" وغيرها من الأسئلة التي تبقي المعتقل السابق رهن الشعور بالمراقبة والقلق، وهو نقيض ما يحتاجه المعتقل من إحساس بالأمان بعد الإفراج عنه.كما تؤثر على إمكانية تواصله مع المجتمع وحصر هذا التواصل في حدوده الدنيا المتمثلة في العائلة والأصدقاء المقربين.

في حالات كثيرة، يترتب على المعتقل السابق مراجعة فرع أمني في غير محل إقامته، ما يقتضي سفره إلى محافظة أخرى مع ما يعنيه ذلك من زيادة في الإرهاق والمصاريف المادية.

جدير بالذكر أن المراجعات الأمنية الدورية تسري على كلا المعتقلين لفترات طويلة ما قبل عام 2000 وللمعتقلين ما بعد هذا التاريخ.

 

 

 

 

 

حرية السفر والتنقل:

تنص المادة 12 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والذي صادقت عليه سوريا على أنه:

1. لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حق حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته.
2. لكل فرد حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده.

3. لا يجوز تقييد الحقوق المذكورة أعلاه بأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون، وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم، وتكون متمشية مع الحقوق الأخرى المعترف بها في هذا العهد.

 

يعاني معظم المعتقلين السابقين من تقييد حريتهم في السفر والتنقل، وذلك بعدم إعطائهم جوازات سفر، أو منعهم من المغادرة من قبل أحد الأجهزة الأمنية ، ويكون غالبا الفرع الذي قام بالاعتقال.

ولا توجد قاعدة تحدد الأشخاص الذين سيتم منعهم من المغادرة عقب الإفراج عنهم. عمليا لا يرتبط هذا الأمر بشكل مباشر بخلفية الاعتقال أو مدته أو نشاط المعتقل عقب الإفراج عنه وإن كانت جميع الأسباب السابقة قد تكون عاملاً مشدداً في قرار منع المغادرة. ويعود الأمر برمته إلى قرار الجهاز الأمني الذي سبق واعتقل الشخص المعني.

هذا مع العلم بأن العديد من المعتقلين السابقين يكونون في حاجة ملحة للسفر، إما بسبب أوضاعهم الصحية المتردية نتيجة فترات السجن الطويلة، أو بدافع الضغوط المادية والنفسية التي تواجههم عقب الإفراج عنهم، أو بسبب وجود معظم أفراد أسرهم في المنفى، بحيث لا يتمكنون من العودة إلى القطر ولا يتمكن المعتقل من السفر إليهم.

 

يقول م.ن الذي اعتقل مدة ست سنوات على خلفية إسلامية، بأنه لم ير والده المقيم في المنفى منذ تسع سنوات، لأنه ممنوع من المغادرة ووالده ممنوع من العودة إلى سوريا. "كنت أتمكن من زيارة والدي كل صيف قبل اعتقالي، لكن منذ الإفراج عني منعت من السفر ولم أتمكن من رؤية والدي الذي يناهز السبعين من عمره ووضعه الصحي ليس على ما يرام".

 

أما س.ف الذي قضى سنتين ونصف في المعتقل على خلفية إسلامية أيضا عقب تسليمه من قبل إحدى الدول الغربية، فمازال ممنوعا من المغادرة منذ الإفراج عنه العام الماضي، على الرغم من أن زوجته وأطفاله مقيمون في الخارج. " زوجتي ليست سورية، وهي مرتبطة بعمل حيث تقيم الآن، إذا جاءوا إلى سوريا كيف أستطيع أن أعيلهم وأنا مجرد من حقوقي المدنية والسياسية ولم أتمكن حتى الآن من إيجاد عمل يتلاءم مع شهاداتي الجامعية التي قضيت سنوات طويلة في تحصيلها؟! ، لا أستطيع أن أعمل بهذه الشهادات هنا لأنهم لا يقبلون توظيفي" .

لكن تبقى الأوضاع الصحية الحرجة، أكثر المشاكل إلحاحا فيما يتعلق بمنع المغادرة. أفرج عن فارس مراد في شباط/فبراير 2004 بعد 29 سنة قضاها في المعتقل على خلفية انتمائه للمنظمة الشيوعية العربية. وهو يعاني من التهاب فقار لاصق والتهاب تشنجي في المجاري التنفسية وارتفاع ضغط الدم الشرياني إضافةً إلى إصابة بسيطة بنقص تروية أولي. وهو بحاجة إلى عملية جراحية لا يمكن إجراءها إلا في عدد محدد من الدول الأوروبية، وعلى الرغم من مرور أكثر من سنتين على الإفراج عنه، لم يستطع الحصول على جواز سفر حتى الآن.

 

جدير بالذكر أن قرارات منع المغادرة هي قرارات أمنية بحتة، ولا تستند إلى قرار قضائي من أي نوع كان. وهي إجراء يطبق بالإضافة للمعتقلين السابقين، على نشطاء المعارضة والمجتمع المدني أيضا. وقد قام بعض النشطاء برفع دعاوى قضائية أمام القضاء الإداري وحصلوا على أحكام بوقف تنفيذ قرارات منع المغادرة، إلا أن هذه الأحكام لم تنفذ أبداً لبقاء الأجهزة الأمنية فوق القانون والقضاء .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المنظمات الحقوقية وملف الاعتقال السياسي

 

تقول ضحى العسكري أنه " رغم ما فعلته و تفعله المنظمات الحقوقية والإنسانية والأفراد في سوريا بالنسبة لقضية المعتقلين إلا أن المآخذ عليها أنها تنظر إلى القضية على أنها (كم) عددي، الأمر الذي يجعلها تنتهي بخروج هذا الكم أو معظمه من السجن، على حين أعتقد أن القضية قضية حيز اجتماعي نوعي في سوريا وينبغي أن تصبح قضية الكل الاجتماعي لأنها تعبَر عن تطلعاته وأحلامه بشكل ما. إن مدى تبعثر وضياع القضية وشخوصها تشكل انتكاسة للكل، فبقدر ما يدافع المعتقلون عن أنفسهم خارجاً ، عن حقوقهم المهضومة، بقدر ما ينتزعوا حقوقاً سياسية واجتماعية ومدنية خاصة "كأقلية تعرضت لاضطهاد بشع وطويل"، بقدر ما يمحون عذاباتهم ويمنحون لحياتهم وتجربتهم معنى ومثالاً يُحتذى، تقولون للذاكرة؟ لست أريد النسيان، ولكن حتى لا نقع في فخ اجترار الآلام المحبط والمهين والمخيف للأجيال القادمة، أقول : للعمل[13].

 

لازالت منظمات المجتمع المدني حديثة النشأة في سوريا، عاجزة عن تقديم مساعدة ملموسة للمعتقل المفرج عنه. يقتصر ما تقدمه هذه المنظمات، وبشكل خاص منظمات حقوق الإنسان المحلية- على العمل الإعلامي- الذي يتناول كل أو بعض مشكلات المعتقلين السابقين، من مسائل التجريد من الحقوق المدنية والسياسية والمنع من المغادرة وسواها.

ويعود ذلك إلى طبيعة وسوية أداء هذه المنظمات من جهة، و الظروف التي تعمل في ظلها من جهة أخرى، سواء من حيث عدم الترخيص لها ومنحها الشرعية القانونية، أو من حيث محدودية مواردها المادية في ظل عدم قبول التمويل الخارجي، فضلا عن الظروف الأمنية الضاغطة على العمل في الشأن العام السوري.

أما المنظمات الدولية، فقد قدمت مساعدات محدودة لعدد قليل جدا من المعتقلين السابقين، تمثلت أساسا بمنح لتلقي العلاج في الحالات الصحية الصعبة لبعض المفرج عنهم.

وبقيت أشكال التضامن ما بين المعتقلين السابقين تتم بشكل فردي، وتعتمد أساساً على العلاقات الشخصية، فيما عدا مبادرة واحدة نعرض لها فيما يلي.

 

بتاريخ 8 فبراير 2005، وقع 387 معتقلا/ة سابقا/ة ، بيانا حددوا فيه مجموعة من المطالب المتعلقة بأوضاع المعتقلين السابقين وضرورة حلها."وشكَلت فيما بعد لجنة متابعة مؤقتة لثلاثة أشهر كي تتابع هذه المطالب مع الجهات الرسمية المعنية والتي طلبت لقاء عدد من أولئك الموقعين للبحث معهم في محتوى مطالبهم. حضرت اللجنة وفهمت أنَّ هناك توجهاً من السيد رئيس الجمهورية لدراسة هذه المطالب وإعداد الملف اللازم من قبل تلك الجهة المعنية. كما فهمت اللجنة أن ذلك الملف قد أُعِّدَ فعلاً، ورُفِع إلى مكتب الأمن القومي، على أن يُرفَع إلى مكتب السيد رئيس الجمهورية، وأن الأمر جدي وإيجابي لكن أفقه الزمني قد يمتد حتى ما بعد أيلول لتظهر بعض نتائجه. سألت اللجنة الجهة الأمنية المعنية مرةً أخرى تحت ضغط تساؤلات الكثيرين من المعتقلين السابقين الذين حفزتهم خطوة الدولة بصورة إيجابية، فلم يكن هناك أي شيء جديد عند الجهة الأمنية، بل نفس الكلام القديم حول جدية الأمر وأفقه الزمني، وعندما قاربت مدة اللجنة على الانتهاء، حاولت رؤية السيد رئيس مكتب الأمن القومي المعيَّن حديثاً... وبالفعل تم اللقاء.. وأكد أنه سيصدر قريباً قرار برفع التجريد عن المعتقلين السياسيين المحكومين باعتبار أن هذا الأمر بحسب رأيه هو أكبر عقبة أمام مسألة مطالب المعتقلين والملاحقين، وأضاف أنه لم يطلع بعد على الملف المرفوع إلى مكتبه ووعد بالإطلاع على ذلك، ودراسة الأمر خلال فترة قصيرة ليعطينا جواباً,وفي الفترة الأخيرة اجتمعت لجنة المعتقلين ,المنتخبة مؤخرا, مع السيد اللواء رئيس مكتب الأمن القومي,إلا أنها لم تتلق أجوبة واضحة حول القضايا المطروحة[14]".

وعادت اللجنة لتحديد مطالبها التي تمثلت في :

1 ـ إلغاء آثار الأحكام الصادرة عن كافة المحاكم بحقنا وإعادة الاعتبار لنا.

2-التعويض المادي لكل منا حسب سنوات اعتقاله، سواء كان موظفاً أم غير موظف عند اعتقاله. وحساب سنوات السجن وما بعدها سنوات خدمة فعلية، على أن يشمل ذلك المفصولين من عملهم بعد إطلاق سراحهم.

3 ـ إعادة من لم يعد إلى عمله، الذي كان له قبل الاعتقال، وإيجاد عمل للسجناء الذين لم يكن لهم عمل عند الجهات الحكومية قبل الاعتقال، ويرغبون في ذلك.

4 ـ اعتبار سنوات الملاحقة الأمنية بمثابة سنوات اعتقال ومعاملتها بالمثل.

5 ـ إلغاء قرارات السوق إلى الخدمة الإلزامية الصادرة بحق كل سجين اعتقل أو أجلت خدمته دون إرادته، وتسريح من سبق سوقه إلى الخدمة من هؤلاء.

6 ـ منح جوازات سفر لكل السجناء السياسيين السابقين، وإزالة جميع إجراءات منع السفر والمغادرة الصادرة بحق أيَ منهم، وإلغاء الإجراءات الأمنية التي تمنع ذلك.

لم تلق العريضة استجابة واسعة من المعتقلين السابقين لأسباب عديدة. ذكر لنا البعض أن السبب يعود لتناول القضية في بعدها الإنساني فقط وتجريدها من بعديها الوطني والسياسي، فيما اعتبر البعض أن التعاطي في مثل هذه المسائل ينبغي أن لا يكون مع الجهات الأمنية كما حصل بل مع السلطات السياسية. ومهما يكن الأمر، فقد عجزت هذه المبادرة عن تحقيق أي من مطالب المعتقلين السياسيين السابقين حتى اللحظة، في ظل عدم استجابة الحكومة السورية للتعامل مع هذا الملف إيجابياً.

في هذا الإطار يجمع المعتقلون السابقون الذين التقيناهم على ضرورة اتخاذ خطوات عملية من قبل المعتقلين السابقين أنفسهم، لمساعدة بعضهم البعض على اجتياز الصعوبات التي تواجههم في حياة ما بعد المعتقل، ولو بالحد الأدنى.

تقول ضحى العسكري: "أقترح تشكيل نقابة للمعتقلين لتحسين ظروفهم داخل وخارج المعتقل، السجين المفرج عنه فاته الكثير، وبحاجة إلى ترميم حياته وعمله ودراسته، ووضعه النفسي والاجتماعي، وقد يكون المعتقلون السابقون الذين خبروا هذه المعاناة واستطاعوا تجاوزها أقدر الناس على مساعدة غيرهم ممن لم يتجاوز المحنة بعد".

بينما ترى روزيت بأن" هناك ضرورة لوجود جمعيات أهلية ومدنية تحمي السجين وأسرته بشكل معنوي ومادي، إضافة إلى وجود جهة تحتضن أطفال السجناء في ظل قوانين الطوارئ ".

 

ويرى أكرم البني بأننا " بحاجة إلى خلق ثقافة تثني على العمل بالشأن العام، وهو ما يحتاج إلى جهود مشتركة من الجميع. ومن الضروري إعادة تأهيل النشطاء وتكريمهم من جديد، وهذا بحاجة إلى جمعيات وقوى فاعلة من شأنها تعديل الوعي الجمعي من أجل خلق ثقافة بديلة عن السائد، من جهة، وإدماج السجناء في مشاريع اقتصادية وتعاونية، من جهة أخرى".

 

 

 

 

 

خلاصة وتوصيات

 

يتضح من خلال العرض السابق للتجارب المختلفة للسجناء السياسيين، أن الشروط الخارجية (اجتماعية- اقتصادية) هي العائق الأساس أمام عملية عودة اندماج السجين في الحياة الاجتماعية وتجاوزه للعديد من الأزمات المرافقة للتجربة بطبيعة الحال.

لذلك، فإننا نرى أنفسنا مدفوعين ليس للمطالبة بحقوق السجناء فقط، بل بوضع برنامج عمل تشترك فيه القوى الفاعلة، في المجتمع، من هيئات وجمعيات وأفراد على اختلاف مشاربهم.

ومهما كانت الاقتراحات لبرنامج العمل صعبة التحقيق على المستوى العملي، فلابد من وضع الخطوط الدقيقة لها، مع قابلية دخول اقتراحات أخرى من شأنها تفعيل العمل على أرض الواقع:

على صعيد المجتمع المدني المحلي:

-       السعي نحو تأسيس مؤسسة مدنية للسجناء السياسيين من قبل معتقلين سابقين ونشطاء في حقوق الإنسان، تضم هيئات مختلفة متخصصة بالجوانب الاقتصادية والعملية والاجتماعية والنفسية. بما يمكن من إيجاد حلول عملية للحالات الفردية بشكل مؤسساتي وعلى قدر الإمكانات المتاحة.ويشمل ذلك المساعدة على تأمين فرص عمل مناسبة، وتقديم المساعدات الاقتصادية والقانونية والصحية..الخ. عن طريق الربط مع مجموعات من المتخصصين المتطوعين.

-       تكثيف تناول الموضوع إعلامياً وبشكلٍ متواتر بهدف تشجيع كلا المنظمات الحقوقية المحلية والدولية للمساهمة في هذا الملف، والضغط على الحكومة السورية لإيلاء اهتمام أكبر بهذه القضية.

-       المباشرة في رفع الدعاوى القضائية في حالات الاعتقال التعسفي خارج القانون والمطالبة بجبر الضرر الذي لحق بالمعتقل المعني.

على صعيد المنظمات الحقوقية الدولية والإقليمية:

-       التنسيق من قبل الهيئات المحلية المهتمة مع المنظمات الدولية والإقليمية للمساعدة في الحالات الملحة صحيا أو نفسيا أو اقتصاديا...الخ، من جهة، ومخاطبة السلطات السورية لحل قضية المعتقلين السابقين ومنحهم حقوقهم كاملة وتعويضهم عما لحق بهم من أضرار مادية ومعنوية.

على صعيد الحكومة السورية:

- إلغاء الأحكام غير العادلة التي صدرت بحق المعتقلين وآثارها القانونية، وإعادة من يرغب من المعتقلين السابقين إلى عمله ومنحه تعويضاته كاملة عن فترة الغياب القسري عن العمل، والتأكيد على أن حل قضية المعتقلين السابقين لا يكون بحلول مجتزأة أو انتقائية بحيث يجب أن تشمل جميع المعتقلين السابقين بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية أو السياسية أو فترات اعتقالهم أو صدور أحكام بحقهم من عدمها. وهذا الحل يشمل الجانب الإنساني الذي لا يكتمل إلا بالجانب الوطني والسياسي المتمثل في التعويضين المعنوي والمادي للمعتقلين السابقين عن الفترات التي قضوها في المعتقلات تعسفيا، وتكريمهم بما يحفظ لهم مكانتهم في المجتمع كفئة تعرضت للظلم والاضطهاد بسبب معتقداتها وأفكارها.

 

أخيرا، لا بد من التأكيد خأإضافة إلى ما سبق،على ضرورة تحديث القوانين المحلية وتعديلها بما يتفق مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها سوريا وأصبحت جزءا من قانونها الوطني، بما يضمن إنهاء ظاهرة الاعتقال السياسي في سوريا وحماية الحريات العامة والحقوق الأساسية للمواطنين ضد الإجراءات التعسفية التي قد تتخذ ضدهم خلافا للقانون ومقتضيات العدالة.

 



[1]انظر: ميشيل فوكو-ولادة السجن، المراقبة والمعاقبة- ترجمة علي مقلد، مراجعة وتقديم مطاع صفدي (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)

[2] انظر بيان اللجنة السورية لحقوق الإنسان بتاريخ 4-3-2006 مرفقا بأسماء حوالي أربعة آلاف شخص ممن تعرضوا للاختفاء القسري في سوريا.

[3] أوصى باعتمادها مؤتمر الأمم المتحدة الأول لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين المعقود في جنيف عام 1955 وأقرها المجلس الاقتصادي والاجتماعي بقراريه 663 ج (د-24) المؤرخ في 31 تموز/يوليو 1957 و 2076 (د-62) المؤرخ في 13 أيار/مايو 1977 .

 

 

[4] هذه الشهادة مقتبسة من استمارة "ذاكرة"، وهي مشروع يقوم عليه عدد من النشطاء والمعتقلين السابقين بهدف "توثيق معاناة سوريين من الاعتقال السياسي. الغرض من التوثيق هو المساهمة في بناء الذاكرة الوطنية ومنع النسيان من التهام تجارب وخبرات فريدة لا تقدر بثمن" وفقا لما جاء في مقدمة الاستمارات.

[5] اكتفينا بالأحرف الأولى من الأسماء في بعض الحالات بناءً على طلب من أجريت المقابلة معهم.

[6] معتقلة سابقة لمدة ست سنوات ونصف ما بين 1993 و 1999 بتهمة الانتماء إلى حزب العمل الشيوعي.

[7] معتقلة سابقة بتهمة الانتماء إلى حزب العمل الشيوعي.

[8] استمارة "ذاكرة".

[9] معتقلة سابقة لمدة أربع سنوات بتهمة الانتماء إلى حزب العمل الشيوعي.

[10] ياسين الحاج صالح، عوالم المعتقلين السابقين ، بحث غير منشور.

[11] ياسين الحاج صالح- المرجع نفسه.

[12] المرجع نفسه.

[13] من شهادة ضحى عسكري لمشروع "ذاكرة".

[14] يمكن قراءة كامل البيان على الموقع الالكتروني http://www.mokarabat.com/s758.htm