الإعلام الأمريكي ودور اللوبي الإسرائيلي في الحرب على لبنان

تقرير إعلامي من إعداد: محمد ماضي - واشنطن

 

 

نظّم مركز الحوار العربي في واشنطن ندوة لمناقشة أبعاد مساندة الإعلام الأمريكي لإسرائيل في عدوانها على لبنان وتكاتف ذلك الإعلام مع اللوبي الموالي لإسرائيل في الولايات المتحدة. تحدث في الندوة المحلل السياسي والباحث الأكاديمي علاء بيومي مدير الشئون العربية بمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "كير"، مشيراً إلى ما حدث عندما قام حزب الله بعملية أسر الجنديين الإسرائيليين حيث سارعت المنظمات اليهودية الأمريكية الموالية لإسرائيل إلى إصدار سيل من البيانات الصحفية لتصوير العملية على أنها تهديد لأمن إسرائيل المحاطة ببحر من الأعداء، وسارعت اللجنة اليهودية الأمريكية التي تقود اللوبي الموالي لإسرائيل بالاتصال بسفراء عدد كبير من الدول في واشنطن لحشد تأييد تلك الدول لإسرائيل فيما هرع مئات من النشطاء المتخصصين في الضغط السياسي إلى مقابلة أعضاء الكونجرس  لتأمين موقف موحد يساند إسرائيل بلا حدود. وسرعان ما تبارى أعضاء الكونجرس في إصدار البيانات الداعمة لموقف إسرائيل والمبررة لعدوانها على لبنان، بل وصل الأمر بتأثير اللوبي الإسرائيلي على الكونجرس إلى حد كتابة مسودة مشروع القرار الذي مرره مجلس الشيوخ الأمريكي يوم 18 يوليو الماضي تأييداً لإسرائيل.

 وأضاف علاء بيومي قائلاً: نظراً لإدراك اللوبي الإسرائيلي والمنظمات اليهودية الأمريكية لأهمية التأثير المباشر على الرأي العام الأوروبي، سارعت عصبة مكافحة التشويه اليهودية إلى شراء مساحات لأربعة إعلانات ضخمة في صحيفة إنترناشيونال هيرالد تريبيون الواسعة الانتشار في أوروبا روجت فيها الإيهام بان إسرائيل تدافع عن نفسها ضد ما وصفته بإرهاب حزب الله. وعندما بدا أن إسرائيل مستمرة في حرب واسعة النطاق على البنية التحتية اللبنانية وعلى المدنيين بحجة تقويض قوة حزب الله سارعت شبكات التليفزيون الأمريكية إلى إرسال مراسليها لمرافقة القوات الإسرائيلية ونقل وجهات النظر العسكرية الإسرائيلية.

 

الترويج لفكرة نهاية العالم

وفيما يشبه التنسيق غير المسبوق بين قنوات تليفزيونية أمريكية متنافسة، خرجت تلك القنوات في يوم واحد بتساؤل مريب: هل الحرب التي تخوضها إسرائيل ضد "القوى الشريرة" التي يمثلها حزب الله هي مقدمة لبداية نهاية العالم وتوطئة لانتصار الدولة العبرية على قوى الشر تمهيدا لعودة السيد المسيح ليقيم على الأرض السلام لمدة ألف عام قبل نهاية العالم، واستضافت تلك الشبكات عشرات من زعماء الكنيسة الإيفانجيلية الذين يرون في تأييد إسرائيل ودعمها واجبا دينيا على المسيحيين وشرعوا في حشد تأييد المسيحيين المتشددين في أمريكا لصالح إسرائيل. ومن العجيب أنه وفقا لتلك النظرية الدينية فإن من شأن عودة السيد المسيح ألا يبقى على وجه الأرض بعد تلك الحرب مع القوى الشريرة إلا حوالى مائة وأربعين ألف يهودي يتعين عليهم التحول إلى اعتناق الديانة المسيحية وإلا تعرضوا للقتل. وعندما سألت إحدى تلك القنوات السفير الإسرائيلي في واشنطن دان ايالون عن رأيه قال: "المهم في كل ذلك الجدل أنه يحشد المزيد من التأييد لإسرائيل في الولايات المتحدة وهذا هو كل ما يهمنا!"

وحدث ما تمناه السفير فقد دعت منظمة "المسيحيين المتحدين من أجل إسرائيل" أنصار إسرائيل من القيادات الدينية ومن أعضاء الكونجرس لحضور مؤتمر حاشد لمناصرة الدولة اليهودية في 19 يوليو الماضي حضره السفير الإسرائيلي ورئيس الحزب الجمهوري كين ماكميلان وثلاثة آلاف وأربعمائة مدعو آخرين من شتى أنحاء الولايات المتحدة لإظهار التعاطف والمساندة لإسرائيل في حربها ضد لبنان. وسرعان ما نجح اللوبي الإسرائيلي والمنظمات اليهودية الأمريكية في شن حملات لجمع التبرعات أظهرت صور الدمار الذي ألحقته صواريخ حزب الله بمساكن ومتاجر المدنيين الإسرائيليين وتدفقت عشرات إن لم يكن مئات الملايين من الدولارات لنصرة العدوان الإسرائيلي.

  وختم بيومي قائلاً: لم تكن مفاجأة بطبيعة الحال أن تسعى مجلات المحافظين الجدد مثل مجلة ويكلي ستاندارد إلى تصوير العدوان الإسرائيلي على لبنان بأنه حرب أمريكية على الإرهاب الذي يقوم به حزب الله بمساندة من إيران وسوريا، وبأنها مراحل أولية "للحرب العالمية الثالثة" تقف فيها إسرائيل في موقع القاعدة المتقدمة للحضارة الغربية في مواجهة التطرف الإسلامي.

 

التحيز بالحذف والاختيار

وتحدث أيضاً في ندوة "مركز الحوار العربي" الكاتب الصحفي عماد مكي مراسل وكالة أنباء إنتر بريس الأمريكية والذي سبق له العمل في عدة صحف أمريكية من بينها صحيفة نيويورك تايمز فقال إن ملكية معظم وسائل الإعلام الأمريكية لعائلات يهودية متعاطفة مع إسرائيل هو أحد الأسباب الرئيسية وراء تحيز الإعلام الأمريكي لإسرائيل كما أن نفوذ اللوبي الموالي لإسرائيل في الولايات المتحدة يحد بشكل كبير من فرص النقاش الموضوعي حول سياسات إسرائيل مما يسهم إلى حد بعيد في تدني قدرة الأمريكيين على فهم حقائق الصراع العربي الإسرائيلي، بالإضافة إلى جهل عدد كبير ممن يكتبون عن الشرق الأوسط  بحقائق الوضع فيه، وتعمد مراسلي بعض وسائل الإعلام الأمريكية في المنطقة  تشويه صورة المواقف العربية بسوء نية مبيت. ومن الأسباب الأخرى التي عرضها عماد مكي هي أن باب العمل الصحفي والإعلامي يغلق بقوة في وجه كل من يجسر على انتقاد إسرائيل. ونقل عن رئيس مكتب واحدة من اكبر الصحف الأمريكية في واشنطن قوله" لقد تعرضت للدغ المؤلم من اللوبي الإسرائيلي عدة مرات بسبب ما كتبته بحيث لا يمكنني معاودة التجربة نفسها".

وضرب الكاتب عماد مكي مثالاً على التعاطف مع إسرائيل في الصحف الأمريكية الكبرى بالكاتب الأمريكي توماس فريدمان الذي تفرد له بعض الصحف العربية مساحات لنشر ترجمات لمقالاته، فقال: "إن توماس فريدمان الذي فاز ثلاث مرات بجائزة بوليتزر الأمريكية للامتياز في الكتابة الصحفية يحرص على إقامة علاقات ودية حميمة مع عدد كبير من الكتاب والصحفيين والمفكرين في العالم العربي ويستمع باهتمام شديد إلى آراء وتحليلات كل من يناصر القضايا العربية لمجرد التفنن في إعمال فكره في دحض تلك الآراء والنيل منها!"

ومن واقع خبرته مع صحيفة النيويورك تايمز، أكبر الصحف الأمريكية وأكثرها توزيعا، التي تمتلكها وتديرها عائلة يهودية متعاطفة تماما مع إسرائيل نقل الكاتب عماد مكي للحاضرين في مركز الحوار العربي  عن رئيس التحرير آنذاك قوله:" في القضايا الشائكة مثل الصراع العربي الإسرائيلي، إما تقرر هيئة التحرير سياسة خاصة بالصحيفة، أو تستشهد بالسياسة الأمريكية المعلنة إزاء ذلك الصراع بجوانبه المختلفة."

 وفيما يتعلق بتغطية وسائل الإعلام الأمريكية للحرب في لبنان لخص المراسل الصحفي عماد مكي تقييمه لها بقوله:" إبحثوا عما لم تتطرق إليه وسائل الإعلام الأمريكية في تلك التغطية وما تعمدت حذفه وليس ما عرضته، وستلاحظون أنها لم تتحدث عن حجم الدمار الذي ألحقه العدوان الإسرائيلي بالبنية التحتية المدنية اللبنانية ولم تركز على استهداف الطائرات الإسرائيلية للمنازل والمدنيين ولم تركز على حقيقة أن معظم خسائر إسرائيل في الأرواح كانت بين العسكريين الإسرائيليين بينما كانت معظم خسائر اللبنانيين بين المدنيين الأبرياء." وضرب الكاتب عماد مكي مثالا على التحيز بالحذف فقال إن من تابع تغطية وسائل الإعلام الأمريكية للحرب في لبنان اصبح من تكرار الحديث عن اسلحة حزب الله التي جاءت من إيران عبر سوريا خبيرا بأنواع صواريخ الكاتيوشا والصواريخ الأطول مدى من طرازي زلزال وخيبر لتصوير إسرائيل في وضع الضحية التي تدافع عن نفسها، فيما أسدلت وسائل الإعلام الأمريكية ستائر التعتيم الإعلامي على استخدام إسرائيل لأنواع محرمة من الأسلحة مثل القنابل العنقودية وقذائف الفوسفور الأبيض الحارقة. وعن تقييمه لفكرة مرافقة المراسلين الأمريكيين لوحدات القوات الإسرائيلية أثناء هجومها على قرى الجنوب اللبناني كما فعلت شبكة سي إن إن قال: " أن أقصى ما يمكن للمراسل عمله في هذه الحالة هو أن يفقد توازنه في التقرير ويحاول تقديم وجهة النظر الإسرائيلية وتصويرها على انه خبر متوازن!"

ندوة "مركز الحوار العربي في واشنطن" عن