لماذا يصمت مثقفونا

المصطفى صوليح

في إحدى الـ " مدارات " التي وقعها ذات خميس تحت عنوان " الحصارات " كتب أدونيس ، بخصوص العدوان على العراق ، قائلا : " تبقى المسألة المحيرة العصية الأشد غرابة و الأعمق سخرية و مأساوية في آن واحد : حرب تدور على أرض العرب ، بأموال العرب ، بدعوى تحرير العرب ، في غياب شبه كامل لنظام العرب ." . أما أنا فأستسمحه ، هنا ، في القول إن الأخطر من ذلك أن العدوان الجاري حاليا ، و ذلك منذ 12 يوليوز 2006 ، يتم أيضا في غياب شبه كامل للمثقفين العرب . لكن ، لندع هؤلاء المنتشرين في بقاعنا الأخرى ، و لنفكر في مدى حضور المبدعين و الفنانين و المفكرين و الباحثين من مثقفينا المغاربة سواء العربفون منهم أو الفرانكفون أو الأمازيغوفون .

باستثناء الصحفيين ، من في بلدنا يرفع قلمه أو فرشاته أو كاميراته أو أدوات رصده العلمي ، و يقوم بمساءلة العدوان ، أي يضطلع بوظيفة إزاحة كل التباس بين الحرب العادلة أو "المعقولة"  و الحرب الجائرة ؟ إذا كانت حرب " تحرير الكويت " قد مرت علينا مر الكرام لأن الجميع كان متأكدا من أنها حرب مشروعة باعتبارها جاءت متناسبة مع أهداف الأمم المتحدة ، فإننا بصدد العدوان الحالي ملزمون باتخاذ موقف ، و ذلك لأن كل صمت إزاء ما يحدث منذ سنوات ضد الشعبين الفلسطيني و العراقي و منذ شهر ( دون احتساب مدة خضوع مزارع شبعا للاحتلال الصهيوني) ضد الشعب اللبناني ، هو تشجيع على التهييء النفسي للناس في باقي بلدان الشرق الأوسط و شمال إفريقيا و بلدان أخرى لكي يستسلموا لحروب عدوانية لاحقة .

في الماضي كانت الدول تدخل في حروب ضد جيرانها إما لتحقيق الانتصار و سحق العدو ، أو للحيلولة دون تحقيق نواياه المعادية . و كان النقاش الذي يصاحب ذلك غالبا ما ينبني على قاعدة     " البادئ أظلم " ، أما الآن ، و بغض الطرف عن غياب الميزات التي طبعت الحربين الكونيتين الماضيتين و حرب الخليج الثانية ، فمن واجب مثقفينا أن يتذكروا بأن العدوان الحالي قد انتقل قبل ثلاث سنوات في شأن العراق من التهديد بشن حرب وقائية هدفها القضاء على أسلحة الدمار الشامل إلى عدوان تغيت منه الولايات المتحدة الأمريكية ، البعيدة بآلاف الكيلومترات، و بشكل إنفرادي و خارج الإرادة الشعبية للمواطنين العراقيين ، القضاء على النظام السياسي السائد فيه و تعويضه بآخر " ديمقراطي " أثبتت التجربة ضد الطالبان بأنه لن يتعدى نظام العملاء المتوج في أفغانستان . كما عليهم أن يتذكروا بأن الصيغة الصهيونية من هذا العدوان قد انتقلت ، أيضا ، في فلسطين إلى ممارسة كل أشنع الهمجيات و منها اغتيال و الإصرار على محاولات اغتيال زعماء المقاومة بل و اعتقال الوزراء و فوق ذلك اختطاف رئيس مجلس شعب فلسطين المنتخب بشكل ديمقراطي ... و عليهم أن يتذكروا بأن هذه الصيغة قد انتقلت كذلك في لبنان إلى اجتياح كل هذا البلد و تنفيذ أفظع الجرائم ضد الإنسانية فيه و إخلاء أغلب قراه و مدنه من معظم سكانها و تدمير بنيته التحتية بحيث لم يتم توفير حتى عاصمته بيروت بعيدا عن هذا التدمير .

و لأن الاختلاف بين العدوان و الحرب ، و بينهما و بين السلم يكون أكثر وضوحا إذا مر عبر وجدان المتأملين في هذا الاختلاف ، و خاصة إذا كانوا مثقفين ، فإن المطلوب من هؤلاء يكون أبعد من مجرد رفع العقيرة بالسباب و التحريض الخاوي الوفاض و اللفظ العنصري البذيء ... و يكون أنأى من مجرد المناداة بتوقيف و حشية كل من الإدارة الأمريكية الجمهورية و إدارة ربيبتها الصهيونية و أكثر من معارضتهما ، بل المطلوب هو الوقوف ضدهما و العمل من أجل ألا تتحققا أهدافهما ، و أن تصبح أهدافهما غير ممكنة الحدوث في المستقبل ، و كذا من أجل ردع الناس عن التجند لفائدة هذه الأهداف ... إذ ليس هناك أقدر من المثقفين على الإقناع بمأساوية ما يقع و بفظاعة الأصولية المسيحية و اليهودية التي تقف خلفه . فعلى عكس القراءة الثقافية للحرب في الكتب السماوية حيث يصبح الله محاربا في هذه الديانة ، خلال سياق معين ، أو مسالما في تلك الديانة ، دائما أو في سياق مغاير ، إن الله في عقيدة الرئيس بوش و صقوره و شيوخ حزبه ، كما في عقيدة دولة إسرائيل ، هو قاهر لا يسعد إلا بالغزو و إراقة الدماء و تدمير التراث الإنساني .

لكن لماذا يصمت مثقفونا ؟ هل لأنهم غير معنيين ؟ أم لأن تجربة السنوات الثلاث السابقة بخصوص العراق و التي جعلتهم يجدون صعوبة في الموازنة في نفس الآن بين نقد العدوان و الرغبة في إسقاط صدام حسين و نظامه الديكتاتوري ، ما تزال تقبض على العقل و الوجدان حتى و أن الأمر يهم اليوم أراضي سلطة وطنية فلسطينية أنجزت بشكل متميز ثاني انتخابات تشريعية بشكل ديمقراطي لا منازع فيه و يهم لبنان البلد الذي ظل ينفرد بديمقراطيته في المنطقة منذ عقود ؟ أم أن الأمر يتعلق بصعوبة أخرى تتمثل ، من جهة ، في الخوف من الحرمان من الاستفادة من برنامج " الزيارات العالمية " و " زيارة العمرة " و في عدم التمتع ، من جهة ثانية ، من ضيافات عكاظات بغداد و أظرفة البعث ؟

بالنسبة للحالة الأولى ، يكفي الرد بأن غير المعني بالعدوان الجاري لا يمكن أن يكون مثقفا . و بالنسبة للحالة الثانية لا أتصور مثقفا غير قادر على اتخاذ موقف يجمع فيه بين الوقوف ضد العدوان على كل من الشعب العراقي و الشعب الفلسطيني و الشعب اللبناني و بين الدفاع عن حقوق الشعب الأول و حرياته التي كانت مهضومة من قبل النظام السابق و ما تزال مهضومة من قبل الجنود الأمريكيين و أذنابهم المحليين ، و الدفاع عن حقوق الشعبين الفلسطيني و اللبناني في تنمية ديمقراطيتهما . و ذلك في سياق متواز من الدفاع عن حق كل شعوب شمال إفريقيا و الشرق الأوسط ، و غيرها في شتى أنحاء المعمور ، في الديمقراطية المتعددة الأبعاد . أما بالنسبة للحالة الثالثة ، فالأمل كل الأمل ألا تكون رشوة النخبة هي سبب هذا الصمت المريب .

        كاتب ، باحث ، و مؤطر في مجال التربية على حقوق الإنسان و المواطنة من أطر اللجنة العربية لحقوق الإنسان

بتاريخ 10/8/2006